سوريا وهاوية التدخل العسكري

بقلم: جمال محمد تقي

عسكرة الاحتجاجات المدنية السلمية المطالبة بالاصلاح في سوريا كانت دركا خطيرا انجرفت اليه او اجرفت اليه بدفع خارجي متكالب قوى اعماها الثأر والاحساس بالعجز عن رؤية السم المدسوس بعسل السلطة الذي يغري المتعطشين لها وبأي ثمن كان، حتى لو كان الثمن الدخول بغيبوبة الضياع التي تستحضر عزرائيل ليقبض روح الشهد المبتغى من البديل المرتجى، سكرة الموت الاخيرة التي تقبض اسرائيل بموجبها ما تفرط به قبضة ملك الموت الابدي عزرائيل!

الشعب لا يريد اسقاط سوريا، الشعب لا يريد عراقا جديدا فيها، ولا يريدها حقل تجارب لغربان الناتو، الشعب لا يريد فدراليات الاقاليم التي تلوح بها اعلام نهازي الفرص من المزودين بمؤنة مملكة البرزاني التي تسعر نيران الصراع القومي في المنطقة، حيث الدفع بشبيحتهم بين صفوف المطالبين بالتغيير المنتظر. الشعب يريده تغييرا وطني المنابع، في سوريا جديدة لا تتنفس غير انسام الديمقراطية المقاومة لكل اشكال القهر، خارجيا كان ام داخليا، الشعب لا يريد تتريك او صهينة او امركة المطالبات الشعبية المشروعة التي ينادي بها. الشعب يريد اسقاط سياسة الحزب الواحد، الشعب يريد اسقاط احتكار السلطة، الشعب يريد اسقاط سياسة الدولة البوليسية، الشعب يريد اقامة دولة المواطنة المصانة بكامل حقوق الانسان، الشعب يريد دولة تخدم الشعب وليس العكس، الشعب يريد تكافؤ للفرص، يريد حرية في اختيار ممثليه وفي التعبير عن ذاته، الشعب يتطلع لدولة شفافة تقاوم الفساد والاستبداد.

لقد اثبتت اغلب التجارب القريبة وليست البعيدة بان معظم معارضات الخارج التي تتأقلم مع متغيرات الاقليم، ستكون مستعدة لركوب اي قطار يوصلها لمحطة السلطة، اي سلطة، حتى لو كانت مرهونة بعبودية ووصاية صاحب القطار، وهي بهذا المعنى منتهية الصلاحية الوطنية، وخير مثال، واقربه لسوريا هو ما حصل لمعارضات العراق التي استوطنت الخارج، واقلمت نفسها مع متطلباته، لا مع المتطلبات الوطنية التي لابد لها من ان تفرض عليها قيم الزهد التي تنجيها من الارتزاق، فالجلبيون، نسبة للجلبي، اصبحوا بريمريون، نسبة لبريمر، ومن ثم بايدنيون، نسبة لبايدن، حيث التدرج، الى حضيض التبني الباطني لمشروع بايدن لتقسيم الوطن الى اوطان عرقية وطائفية!

الوطن الذي دخلوه معلنين انفسهم محررين له لا فاتحين ازهقوا روحه وفتحوه لكل ما هب ودب من فساد واستبداد مجهول ومعلوم في هذه الدنيا، وهكذا خربوه وجلسوا على تلال خرباته.

التجربة خير برهان، والعراق جار سوريا واضح للعيان، حرروه من لحمته ومن تماسكه ومن سلامة عصبته الاجتماعية، وراحوا يجتثوه ويحرثوه ليزرعوا فيه بذور التفتت والتشظي، نعم انهم حرروه من روحه وفتحوا امامه طريق واحدة لا تؤدي الا لانقراض الوطن!

الاخوان المسلمون لا يمانعون من تدخل عسكري تركي، ولا يمانعون من اقامة منطقة عازلة شمال سوريا تحت حماية تركية مسنودة من الحلف الاطلسي، وهم لا يصرحون علنا بقبولهم لتدخل عسكري غربي على الرغم من ترحيبهم بتدخل الناتو في الحالة الليبية، ويبدو ان موقف الحزب الاسلامي العراقي ازاء احتلال العراق ـ اخوان العراق ـ اصبح سابقة يمكن البناء عليها بالنسبة لاخوان سوريا، وعليه فهم ليسوا ضد عسكرة الاحتجاجات، وليسوا ضد تمويل الجماعات المسلحة بما يلزم من عتاد وسلاح، وهم يباركون عمليات جيش سوريا الحر، واذا اخذنا توصيف هلاري كلنتون لحالة التسليح الجيدة للمجاميع المسلحة المعارضة للنظام في سوريا بعين الاعتبار فاننا نستنتج بان هناك رعاية غربية ودراية خفية بحقيقة تلك المجاميع وهي لا تبخل عليها بالدعم المستور، وبأن ما يعلنه النظام عن وجود تدخل خارجي ميداني ينظم اعمال تخريبية واجرامية متعمدة داخل المدن السورية ليس تجنيا على الحقيقة وليس محاولة منه للتملص مما يجري.

جماعة المجلس الوطني السوري يتمنون تدويل الوضع السوري، ويحثون الجامعة العربية على مطالبة مجلس الامن بتولي مهمة التدخل العسكري بذريعة حماية المدنيين، ويقدمون انفسهم كممثلين شرعيين عن الشعب السوري، من دون اجماع عليهم من معارضة الداخل والخارج، ويرفضون اي حوار مع النظام حتى لو كان هذا الحوار جديا، مما يعني انهم اتخذوا قرارات مسبقة منسجمة مع اجندة الدول الداعمة والمحرضة، وهذا ما كشفه هيثم المناع في الكثير من احاديثه المتلفزة.

ان التدخل العسكري الخارجي في الشأن السوري والمصحوب بتدويل الازمة الداخلية فيها، لن يكون الا مدخلا للفوضى الخلاقة التي يراد لها اسقاط الدولة السورية وبعثرة اقليمها الوطني، فهل التطرف المدفوع سلفا، مؤهل لبناء بديل يرجوه كل تواق حقيقي للتغيير في سوريا المستقبل؟

جمال محمد تقي