'نبوءة' مبارك!

بقلم: جواد البشيتي

وصَدَقَت "نبوءة" الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك إذ قال، ذات يوم، وكأنَّه يُحَذِّر الولايات المتحدة، في عهد إدارة الرئيس الجمهوري جورج بوش، من مغبَّة إفراطها في السعي إلى "الإصلاح السياسي والديمقراطي" في العالم العربي، وفي مصر على وجه الخصوص، إنَّ العاقبة التي ستترتب حتماً على شَحْن الانتخابات (البرلمانية) في مصر بالديمقراطية التي تريدها إدارة الرئيس بوش هي مَلْء صندوق الاقتراع بـ "الصوت الإسلامي"؛ فجماعة "الإخوان المسلمين" هي التي ستفوز، وتسيطر على "مجلس الشعب".

عهد الدكتاتور مبارك إنَّما كان عهد "الصديق اللدود" للإسلاميين كافة، ولجماعة "الإخوان المسلمين" على وجه الخصوص؛ فهو حاربهم بما يَحُول بينهم وبين هيمنتهم على "مجلس الشعب" الذي أراد له دائماً أنْ يكون خاضعاً للسيطرة شبه المُطْلَقَة لحزبه بطرائق ووسائل شتَّى، في مقدَّمها التزوير الانتخابي؛ وسعى، في الوقت نفسه، إلى تمكينهم من إظهار شيء من قوَّتهم الشعبية والسياسية والانتخابية؛ لكن بما يفي بغرضه هو، ألا وهو إلقاء الخوف والذُّعر في قلوب المناوئين للإسلاميين في الغرب، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، وفي داخل مصر، وبين أبناء الأقلية المسيحية (10 في المئة من المصريين) على وجه الخصوص، والذين يتطيَّرون من رؤية الإسلاميين يسيطرون على الحكم. إنَّه، أي عهد مبارك، بشيء من الديمقراطية في الانتخابات البرلمانية مكَّن جماعة "الإخوان المسلمين" من أنْ تكون الأقلية الكبرى برلمانياً، وبكثيرٍ من التزوير مكَّن حزبه من إحكام سيطرته على "مجلس الشعب".

ولقد عَرَف عهد مبارك كيف يدير الحياة السياسية الحزبية المصرية، ويتحكَّم فيها، بما يجعلها أقرب إلى الموات السياسي منها إلى الحياة السياسية؛ فلمَّا انقضى وانتهى، بثورة 25 يناير، ظَهَرَت الحياة السياسية المصرية بموازينها وقواها الحقيقية (الإسلاميون وفي مقدَّمهم جماعة "الإخوان المسلمين"، والمؤسَّسة العسكرية المصرية، وشباب الثورة الذين كانوا لها "الصَّاعِق"، لا يملكون من أهلية القيادة السياسية الحزبية إلاَّ نزراً).

وأذْكُر رايس إذ جاءت إلى مصر (في عهد مبارك) محاضِرَةً في أصول الديمقراطية، فخاطبت الحكومات العربية المذعورة قائلةً، أو موبِّخةً، إنَّ الولايات المتحدة لن تستمع إلى حُججكم، أو تقبلها، بعد اليوم. كُفُّوا عن تخويفنا مِنْ عواقب الإصلاح الديمقراطي الجذري. كُفُّوا عن محاولة إقناعنا بأنَّ هذا الإصلاح سيُسقط الحُكم في أيدي قوى إسلامية وقومية متشدِّدة. ستون سنة ونحن نعفيكم مِنَ الديمقراطية في سبيل الحفاظ على الاستقرار، فكانت النتيجة أنْ غابت الديمقراطية ولم يحضر الاستقرار. الخوف مِنْ عواقب الحرِّية ما عاد مبرِّراً لرفض الحريِّة. تزعمون أنَّ الديمقراطية تقود إلى الفوضى والصراع والإرهاب. هذا زعم كاذب، ففي الديمقراطية والحرِّية نملك قوَّة التغلُّب على الكراهية والانقسام والعنف. تتهموننا بالسعي إلى فرض الديمقراطية. اتِّهامكم باطل، فالطغيان وليس الديمقراطية هو الذي يمكن فرضه فرضاً مِنَ الخارج. لن نفرض عليكم الديمقراطية، ولن نعاقبكم إذا لم تسيروا في طريق الديمقراطية، فنحن جئنا لنقول لشعوبكم سيروا في طريق الديمقراطية ونحن مِنْ ورائكم، ندعمكم ونؤيِّدكم!

هذه هي "سورة الديمقراطية" كما تلتها رايس على مسامعنا ومسامعهم؛ لكنَّ رايس لم تُجِبْنا عن السؤال الذي أثارته هي وهو: "مَنْ ذا الذي فَرَضَ علينا هذا الطغيان؟"!

"بَعْد" ثورة 25 يناير، التي فجَّرها شبابٌ مناوئون لنظام حكم مبارك الدكتاتوري، ومنحازون إلى الدولة المدنية الديمقراطية، ولا يَنْتَمون، في غالبيتهم، فكراً وشعوراً، إلى "الإسلام السياسي"؛ ومن رَحْم هذا "الموات (أو التصحُّر) السياسي والحزبي والديمقراطي" الموروث من عهد مبارك، جاءت الانتخابات البرلمانية المصرية التي لا ريب في ديمقراطيتها ونزاهتها وشفافيتها، وفي "شعبيتها"؛ فإنَّ 62 في المئة من الناخبين أدلوا بأصواتهم.

وكانت النتيجة، التي أتوقَّع ألاَّ تختلف كثيراً عن "النتيجة الانتخابية النهائية"، حصول حزب "الحرية والعدالة" المنبثق من جماعة "الإخوان المسلمين" على نحو 40 في المئة من الأصوات، وحصول حزب "النور (السلفي)" على 20 في المئة من الأصوات، أيْ أنَّ ممثِّلي "الإسلام السياسي" سيحصلون على ما لا يقل عن 60 في المئة من مقاعد "مجلس الشعب" الجديد.

والتاريخ دَوَّن حتى الآن ثلاث حقائق هي: شباب "الفيسبوك"، وفي مقدَّمهم شباب "حركة 6 إبريل"، فجَّروا الثورة؛ "المجلس العسكري الأعلى" حسم الأمر إذ خَلَع مبارك؛ "الإسلام السياسي"، أيْ جماعة "الإخوان المسلمين" وحزب "النور" السلفي، فاز بغالبية المقاعد البرلمانية من طريق انتخابات حُرَّة ديمقراطية نزيهة شفَّافة.

وإنِّي لأفْهَم هذا الفوز الانتخابي والبرلماني الكبير لجماعة "الإخوان المسلمين" على أنَّه "قِصَّة زواجٍ عن حُبٍّ" بينها وبين الشعب المصري، لا شبيه لها، إذا ما كان لها شبيه، إلاَّ قِصَّة زواج آدم من حواء؛ فهل كان من وجود لامرأةٍ غيرها حتى يُفاضِل بينهما، ويتزوَّجها عن حُبٍّ؟!

لقد ذهب الناخب المصري إلى صندوق الاقتراع وليس لديه من "الخيار (الانتخابي ـ السياسي)" إلاَّ أسهله وأيسره وأوضحه؛ وكأنَّ عهد مبارك، الذي فيه، وبه، تصحَّرت الحياة السياسية الحزبية، كان هو "الناخِب الأكبر"، أو "سيِّد الناخبين"!

وأحسب أنَّ الانتخابات البرلمانية المصرية تَصْلُح دليلاً على أمْرين متناقضين هما: ديمقراطية هذه الانتخابات، فهي كانت حقَّاً انتخابات حُرَّة ديمقراطية نزيهة شفَّافة؛ و"انتفاء الديمقراطية" في الوقت نفسه؛ فَقُلْ لي كم عدد الديمقراطيين في مصر حتى أُبيِّن لكَ درجة أو منسوب الديمقراطية في حياتها السياسية.

بقي أنْ أحيطكم عِلْماً بالقول الأهم في أمْر هذه الانتخابات، ألا وهو قول الولايات المتحدة؛ فلقد قال المتحدِّث باسم وزارة خارجيتها مارك تورنر: "من المبكر الحديث عن هوية من سيحكم مصر؛ المهم ليس من يفوز في الانتخابات، بل من سيحكم البلاد"؛ فهل فَهِمْتُم أم استغلق عليكم الفهم؟!

جواد البشيتي