هل نفرح لفوز العدالة والتنمية أم نبكي لخسارته؟

بقلم: محمد ملوك

أن يفرح الإنسان لفرح أخيه وانتصاره وفوزه وربحه، فهذا هو ما يأمرنا به الشرع والعرف والخلق الرفيع القيم، فإيمان المرء لا يكتمل إلا إذا أحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يحزن الإنسان لحزن أخيه ويهتم لأمره ويكره له الوقوع في السوء وفي المحظور والشبهات ويبين له أخطاءه وزلاته فهذا هو المطلوب والمندوب في شتى الملل والنحل، ويرحم الله من قال: "رحم الله عبدا أهدى إلي عيوبي"، ولله در المغاربة حين يقولون "اسمع اللي يبكيك وما تسمع اللي يضحكك".

مناسبة هذا الكلام اتهامات وانتقادات وجهت لي مباشرة بعد تعليقي على نتائج الانتخابات التشريعية بالمغرب والتي جرت يوم 25 نوفمبر 2011 فهناك من اتهمني بالانتماء إلى تيار العدميين الذين لا يختارون من النظارات إلا ما كان لونها أسودا قاتما في كل زمان ومكان، وهناك من رماني بمعرّة قديمة جديدة اسمها "خالف تعرف"، وهناك من قال عني إنني متشائم ينقصني عصير التفاؤل حتى أنظر لما يجري في مغربنا العزيز بنظرة واقعية صحيحة، والحق يقال أنني جد متفائل بهذا الوطن وبمن فيه من الشرفاء والغيورين على مصالحه، ولولا فسحة الأمل والإيمان بأن الغد أفضل بكثير من الحاضر لقتلني اليأس من زمان بعيد، ولئن تكلمت عن الجانب الأسود من فوز حزب عبد الإله بنكيران فليس حقدا ولا حسدا كما يدعي بعضهم، بل لأنني أكن لهذا الحزب وبعض قياداته وأتباعه مودة نابعة من القلب واحتراما لمجهوداتهم ونزاهتهم، ولأنني أعمل بمبدأ سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فهذا الصحابي المشهور حين كان الناس يسألون النبي عن الخير كان هو يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشر مخافة أن يقع فيه.

نعم من حق حزب العدالة والتنمية ومن حق أعضائه أن يفرحوا بهذه الثقة التي منحها لهم بعض المغاربة، ومن حق المصوتين أن يحاسبوا حزب العدالة والتنمية على إنجازاته بعد انتهاء مدة ولايته الحكومية، ومن حق البقية الباقية أن تبدي رأيها في كل شيء، ومن حقها أن تنتقد عملية الانتخابات ككل بما لها من سباق وسياق ولحاق، ما دام النقد بعيدا عن السب والقذف، ومادام البحث عن الخير لهذا الوطن هو الدافع والمحفز لهذا النقد، ومن هذا المنطلق قلت ـ ولا زلت مصرا على رأيي ـ بأن حزب العدالة والتنمية ينتحر في هذه الأيام انتحارا بشعا على عدة مستويات وذلك لعدة أسباب، الأول أنه قبل بأن يمارس "الحكم" في ظل نتيجة انتخابية مخيبة للآمال والتطلعات المخزنية والشعبية أسالت نسبتها الهزيلة ولا تزال تسيل الكثير من المداد الهادف والهدام، والثاني أن أمينه العام السيد عبد الإله بنكيران ورفاقه في القيادة قبلوا بممارسة "الحكم" وهم يعلمون أنهم مقبلون على تسلم حقائب مفخخة خاصة بعدما انسل "العباسيون" وتركوا كل الوزارات والقطاعات خاوية على عروشها إلا من أزمات تثقل كاهل من يروم إيجاد الحلول لها، والثالث أن الحزب يسعى في تحالفه إلى خطب ود أحزاب أسقطها المصوتون يوم 25 نوفمبر وهذا وإن كان بمنطق الحسابات السياسية مقبول فإنه بمنطق العامة من المصوتين أمر غير محمود له تأثيره المستقبلي لا محالة، والرابع ـ وهذا هو الأهم ـ أن حزب العدالة والتنمية قبل بالدخول في هذه اللعبة وهو يعلم علم اليقين أنه لا يقدر على نصب مرفوع أو رفع منصوب أو تحريك ساكن ما دام الدستور الجديد لا يمنحه إلا حيز تحرك ضيق لا يصلح لأن ينفس ما بالشعب من كرب، ويمنعه من لعب أدوار طلائعية تتيح له امتلاك القرار وزمام المبادرة، بل ويمنعه من مناقشة ميزانيات وخصوصيات كانت ولا تزال خطوطا حمراء يحسن الابتعاد عما يقرب مناقشتها.

إن حزب العدالة والتنمية لن ينتج لنا إلا خمسة أعوام أخرى من الفشل، ولن يكرر لنا إلا تجارب العباسيين والاتحاديين والتقنوقراطيين، وإن الخطأ أكبر الخطإ أن نوظف اليوم فوز العدالة والتنمية في الإنتخابات البرلمانية للاستدلال والبرهنة على أننا بلد ديموقراطي، وأننا بلد يصنع ثورته عبر مؤسساته الرسمية، بل على العكس من ذلك فإذا كان الإسلاميون في تونس وفي مصر قد نجحوا نجاحا حقيقيا وحققوا فوزهم الذي لطالما انتظروه فلأن لذلك أسباب ومسببات سياسية يدرك كل ذي عقل سليم أنها تختلف اختلافا جذريا عن أحوالنا السياسية هاهنا، فهناك الإسلاميون سيمتلكون سلطة حقيقية أما هنا فإسلاميو العدالة والتنمية لما نجحوا فأنهم نجحوا لغايات في نفس النظام يراد لها التحقيق عاجلا أو آجلا أهمها في نظري: نزع المصداقية من باقي المكونات الإسلامية الرافضة لدخول اللعبة شكلا ومضمونا، لأن الفشل سيعني فقدان الثقة في كل من يشتم منه رائحة الإسلاميين، ثم تعزيز صورة المؤسسة الملكية فالنظام ـ والله أعلم ـ يريد أن يوجه رسالة للشعب من خلال الفشل المستقبلي للعدالة مفادها أنك يا شعب جربت كل التلاوين السياسية بما فيهم الإسلاميين ولم يفلحوا في ترجمة تطلعاتك إلى واقع ملموس فلم يبق لك إلا التسليم والتفويض بأن المؤسسة الملكية هي الكل في الكل وأنها الوحيدة المؤهلة لإخراجك مما ترزح تحته من بؤس وشقاء، وطبعا فمن المعلوم بالضرورة أن يدا واحدة قد تصفع لكنها لا تصفق، وبالتالي استمرار نفس العبث واستمرار نفس اللعب على الأوتار الحساسة عند الشعب بنفس الأوراق المحروقة سلفا، وما تهرب الأحزاب الموالية للنظام من التحالف مع رفاق بنكيران وتموقعها في المعارضة وهي التي كانت تقبل من قبل بحقائب وزارية فارغة لا تحدد مهامها ولا مسؤولياتها إلا دليل قد يزكي هذا الطرح.

الآن وقد وقعت الفأس في رأس العدالة والتنمية وحُصِّل مسبقا تحصيل الحاصل، حق لنا أن نبكي على خسارة مستقبلية لحزب معروف بنزاهة أبنائه واستقامة أتباعه وشرف قيادته، وحتى لا نكون فعلا من المتشائمين أقول إن الوقت بعد لم يحن للبكاء والخسارة، فبإمكان الحزب أن يقوي من مكانته داخل الأوساط السياسية وبإمكانه أن يدخل تاريخ المغاربة من أوسع وأنظف أبوابه، وأن يتربع على قلوبهم إن هو أراد ذلك، ولن يكون ذلك كذلك إلا حين يعترف بنكيران ومن معه للشعب ومنذ أول يوم بأنهم مقيدون بسلاسل وأغلال دستورية وقوانين تمنعهم من تحقيق البرنامج الانتخابي للحزب أولا ومن تحقيق أحلام المغاربة ثانيا.

محمد ملوك

http://www.goulha.com/