نوفمبر؛ عيد نكران الجميل!

بقلم: سناء مبارك

كان الأمس قريباً جداً (أعني أقرب من أن ينسى) عندما ابتدأت حركات الرفض في الجنوب ضد ممارسات التهميش والنهب والهدم المنظم لمدنيّة عدن عاصمة ما قبل 1990 وبقية حواضر الجنوب. ولا زالت ذاكرتنا مبتلة أكثر مما يجب بكل ما حظي به الحراك طوال 4 سنوات من أنواع التواصيف والنعوت.

لست هنا في مجال تعدادها ولست في معية من ينكأ جروح ليداوي بها أخرى. لكن دعوني فقط أن أضع عدستي المكبرة على أحد تلك الإبتداعات التي ظللنا نسمعها طوال الفترة الفائتة وتكررت وتتكرر بطرائق مختلفة حتى يومنا هذا.

في إطار أي حديث عن المظالم التي أنجبت الحراك؛ كان أكثر شيء سمعته سواء من مجتمع النُخب هنا في القاهرة أو حتى في اليمن، كيف أن عدن كانت بدائية ومتأخرة حتى جاءت الوحدة لتظهرها على وجه الأرض. كيف لا وقد أصبح الآن هناك شوارع وحدائق ومنتزهات وأسواق وعمارات بينما كانت "جنة" مثقفي الشرق قبل 20 عاماً من الآن قطعة من "الجحيم".

بصراحة لم يكن يتعبني كثيراً في مقام كهذا الرد على شبهات باستطاعة أي كتاب للتاريخ الحديث أو أي رواية لمثقف عربي زار عدن في السبعينات أو الثمانينات أن يدحضها عني بسهولة، بقدر ما ظلت تشاغلني ازدواجية هذا الطرح وما ينطويه من تحليل نفسي للجنوبيين كرافضين للنعمة وناقمين على الرخاء وناكرين للجميل.

جاءت الثورة وبعد تفاضح الجميع علناً بما قاموا به من نهب وسلب وهدم للجنوب، قطع الناس تذكرة الإياب عن نظرية نكران الجميل الموسوم بها الجنوبيين -- وتأقلم الجميع مع فكرة القضية الجنوبية -- ولانت القلوب للقول بأن هناك مظالم يجب أن ترد -- وأصبح بالإمكان أن نُهدّئ من روع أي متعصب سابق ونهمس له بلطف بأن تلفزيون عدن الذي ابتدأ بثه في ستينيات القرن يعتبر من أقدم التلفزيونات العربية، وأنه في عدن أقدم بث إذاعي في شبة الجزيرة العربية وفيها صدرت أول صحيفة باللغة العربية والإنجليزية في شبة الجزيرة وأول شركة انتاج للاسطوانات في شبة الجزيرة أيضاً.. وأن ميناء عدن البحري الذي يتحكم بالمنفذ الجنوبي للبحر الأحمر يعد من أكبر الموانئ الطبيعية في العالم وتم تصنيفه خلال خمسينيات القرن الماضي كثاني أهم ميناء بعد ميناء نيويورك لتزويد السفن بالوقود، وأن في عدن يقبع أقدم نادي رياضي في شبه الجزيرة "نادي التلال"، وأقدم متحف في جنوب شبه الجزيرة العربية وأقدم مصفاة لتكرير النفط في الجزيرة والخليج وأقدم شركة طيران مدني في الشرق الأوسط. فيفرك صديقنا رأسه بخجل -- لا بل أصبح لدينا جمعة الوفاء للقضية الجنوبية، والكثير الكثير من الأسف والحنان والدموع؛ والكلينيكس!

كانت هذه جميعاً نِعم الثورة الرائعة، التي ما إن تحسسها حدس الجنوبيين البريء، وطالبوا بحل عادل وسريع للقضية الجنوبية لا يخرج من قائمة أهداف الثورة الحالية، حتى ظهرت فكرة "نكران الجميل" آنفة الذكر على هيئة مقالات ومولولين ومسفهين وقذافاويين يصرخون في كل حدب وصوب من أنتم؟ من أنتم؟ حتى أن البعض طالب الجنوبيين بتعريف القضية الجنوبية التي خرج لأجلها في جمعة ثورية سابقاً.

يا هذا، كيف تخرج لشعار ما ثم تطالب بتعريف له؟ بصراحة لا أعرف كيف يفكّر البعض.

المهم يا أصدقاء، من أكثر الأشياء التي أسمعها ونسمعها اليوم خُبارة "الأربعة لكل واحد"، ويطلع علينا في سبيلها الكثيرون اليوم وقد تفتّقت لديهم أفكار سوداوية عن كيف أن الجنوبيين "أول ما شطحوا نطحوا" وباتوا يطالبون بمناصفة إقليمية في المؤتمر الفلاني أو في المجلس العلاني وهم لا يتجاوزون رُبع تعداد اليمنيين.

ألا يكفي وقد اعترفنا بقضية الجنوب أن يكف الجنوبيون عن أي مطالب أخرى؟ ألا يكفي تفضُّلنا بهذا الاعتراف؟ يهمس البعض.

لتبدأ بعدها رحلة الذهاب مرة أخرى نحو النظرية الشهيرة؛ فيصرخ البعض: من أنتم لتعاملونا بهذا الاحتقار؟ وينتحب آخر: من أنتم يا أربعة في واحد؟ من أنتم يا هيد أند شولدرز؟ من تحسبون أنفسكم يا صنيعة بريطانيا العظمى؟

يا للسخرية! لم أكن أعلم بصراحة وأنا المعجونة بماء التاريخ النضالي البديع الذي كان يرويه لي أسلافي كل يوم وكل لحظة بكل فخر، لم أكن أعلم بأن بريطانيا العظمى كانت هي الصانعة لمجد الانسان الجنوبي وحضارته، لم أكن أعلم أننا فعلا نعاني من متلازمة نكران الجميل هذه، لم أكن أعلم أننا حين نتحدث عن الديموغرافية المتحضرة والمدنية الرائدة لعدن بأننا يجب أن نعود لنقبل يد بريطانيا العظمى التي خرجنا من جنتها بعد أن أكلنا من تفاحة "النكران" المشئومة. لم أكن أعلم أننا قساة لهذا الحد وبأن بريطانيا العظمى كانت الأم الحنون والمربية الفاضلة التي عضعض الجنوبيون يدها البيضاء وأودعوها دار المسنين في القارة العجوز.

لا بأس إذن. اعتبروا اليوم أننا مهووسون بالغرائب، أليس في أميركا ثمة عيد للهالوين وفي الهند للهولي وفي أسبانيا للتوماتينا وفي روسيا للماسلينيتسا؟ نحن أيضاً سنجعل الـ 30 من نوفمبر عيداً لـ " نكران الجميل". حد له عندنا حاجة؟

إنه عيد الجلاء، يوم أن خرج آخر جندي بريطاني من جنوب اليمن، إنه 30 نوفمبر العظيم.

أيها الناكرون للجميل، أيها الجنوبيون الأجلاء، يا أشقاء ناكري الجميل الأكارم، يا أصدقاء ناكري الجميل البواسل! كل عام وأنتم بخير..

و اللي صوته حلو يقول:

و طردناهم برّع برّع، برّع يا استعماااار، من أرض الأحراااار.. برّع *

ـــــــــــــــــــــــ

*جزء من أغنية وطنية شهيرة.. برّع: يعني خارجاً.. دلالة للطرد..

سناء مبارك

Sana_mobarak@hotmail.com