بنكيران يلبس 'ربطة العنق'، فهل تقيّده الدبلوماسية المغربية أمّ يثور عليها؟

بقلم: رويدا مروّه

في أوّل عدد صدر لجريدة التجديد الناطقة باسم حزب العدالة والتنمية (ضمنيا) مباشرة بعد فوز الحزب التاريخي والكاسح في أوّل انتخابات برلمانية جرت في المملكة المغربية بعد التعديلات الدستورية الاخيرة، ناقشت الجريدة بشكل مستفيض توّزع المقاعد التي حصدها العدالة والتنمية في كافة أرجاء المملكة كما أوردت تصريحات لعدد من الخبراء الاقتصاديين والماليين والسياسيين حول أبرز التحدّيات التي ستواجه رئيس الحكومة القادم ووزرائه في مجالات الهويّة والقيم والسياسة الخارجية وحقوق الانسان ومحاربة الفساد والبطالة وإنقاذ الوضع المالي للبلاد.

من بين التصريحات البارزة التي أوردتها الجريدة على لسان شخصيات مغربية لها دورها ووزنها السياسي والإقتصادي والديني والإجتماعي ما ذكره السيّد محمد أحمد باهي، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، الذي قال أنّه "على رئيس الحكومة القادم ان يقتنع ان قضية الصحراء المغربية هي قضية وجود لا حدود كما عليه ان يتوفر على الشجاعة الأدبية والسياسية للدخول في هذا الملف بكل صراحة ووضوح ومسؤولية..." واضاف الباهي أنّه "على رئيس الحكومة القادمة أن يعلن أنّ الخصم الرئيسي في هذا الملف هو الدولة الجزائرية..."

كل هذه المطالب من ناشط صحراوي بمكانة الباهي وهو الرجل الذي كان معتقل رأي سابق لدى جبهة البوليساريو لسنوات طويلة قبل عودته هربا من المخيمات الى المغرب تبدو طبيعية ومقبولة وليست بالجديدة على لسان مواطن مغربي "حريص" على وطنه سواء أكان صحراويا أو غير صحراوي.

ولكن أن يطالب الباهي في التصريح نفسه لجريدة "التجديد" رئيس الحكومة القادمة بإعلان "الحرب على سياسة الامتيازات واقتصاد الريع والرشاوى التي تنخر ملف الصحراء" على حدّ تعبيره إضافة الى مطالبته رئيس الحكومة "بتبنّي محاسبة المتأجرين بقضية الصحراء والذين راكموا الثروات على حساب المحتجزين في تندوف..." فهو كلام يحتاج الى مراجعة وتحليل فيما يخصّ مستقبل ملف الصحراء بين أيدي حكومة بنكيران.

أن يعلن الباهي عن طلب صريح ومباشر من بنكيران أن يرعى "تبنّي المصالحة بين الدولة والصحراويين بما يسترجع الثقة المفقودة..." فهو شيء أكثر من لافت وحسّاس في هذه المرحلة الانتقالية من تاريخ "المغرب الحديث" وفقا للمصطلح الذي تستعمله وسائل الاعلام العالمية منذ فترة وتستشهد به خطابات المتحدثين باسم عواصم القرار في العالم اليوم في طور ترحيبهم بفوز حزب العدالة والتنمية، الاسلامي "الهوّية"، في انتخابات 25 نوفمبر في المغرب وقيادة هذا الحزب للحكومة القادمة وللبرلمان بشخص رئيس الحكومة وبأكثرية برلمانية ملموسة. فالباهي يطالب بالعلن بما همس به المغاربة الصحراويون وغير الصحراويين لسنوات طويلة منذ وقف القتال بين المغرب وجبهة البوليساريو الانفصالية في اواخر الثمانينات وبدء الحرب "الدبلوماسية" بين الجبهة والنظام المغربي. والباهي هنا تجرّأ على قول ما قاله في "سرّهم" العديد من المراقبين والصحافيين والمهتمين بالملف الصحراوي من داخل المغرب وخارجه "وانتقدوه" دوما حول غياب تخطيط يصل الى مستوى "الاستراتيجيا" في ما يخصّ دفاع المغرب عن حقه في صحرائه.

ملف الصحراء في "زوايا" السياسة الخارجية المغربية في عهد بنكيران و"اخوانه" لا تحتاج الى العودة الى التناظر حول شرعية الـ 45 بالمئة من نسبة المشاركة الرسمية التي اعلن عنها وزير الداخلية المغربي الطيّب الشرقاوي مساء 25 نوفمبر ولا تحتاج الى مناقشة شكل الاحتجاج الشعبي والشبابي في ساحات وشوارع المملكة الذي قد يستمر في عهد العدالة والتنمية، إن كتب لهكذا مسيرات احتجاجية ان تستمر اصلا، بل تحتاج الى "تسامح" شعبي - سياسي بين اشكال مقاربة القضية في السنوات التي مضت وبين مقاربتها في المرحلة الجديدة لن ستحمل حتما "ياسمين" التغيير للمغرب وسط وجود العديد من المعوّقات الخارجية والتحدّيات الداخلية.

عيّن الملك رسميا بنكيران رئيسا للحكومة وستحمل المرحلة القادمة بالتأكيد تغييرات جديدة في وجوه الوزراء والكوادر الرسمية المهمّة في النظام المغربي ابتداء من البلاط الملكي وصولا الى الدوائر الحكومية الاخرى. ولكن الشعب المغربي يتخوّف ومعه المراقبون من أن تكون هذه التعيينات مجرّد "تعديلات" بسيطة في "ديكور" المطبخ السياسي المغربي. ويتخوّف البعض الآخر ان لا تحمل هذه التعيينات أيّ جديد لملف الصحراء ومقاربته سياسيا وأمنيا داخل مراكز القرار المغربي. ولفت بنكيران في يوم تعيينه أنظار المغاربة كونه لبس لأوّل مرة "ربطة عنق" وهو الذي تعوّد السير في السياسة المغربية "بتأرجح" مريح دون اي "ربطة". ومع هذه الاطلالة "الرسمية" بربطة العنق تساءل المغاربة هل سينجح بنكيران في تحدّي الدبلوماسية المغربية التي تعوّد عليها المغاربة تجاه القضايا الحسّاسة في المملكة لا سيّما قضية الصحراء أم أنّه سيستمر في مسار "مرسوم" مسبقا في بروتوكلات "اللعبة" السياسية المغربية؟

عندما عقدت هيئة الإذاعة والتلفزة المغربية مؤتمرها الصحفي في الرباط يوم الأحد 27 نوفمبر سأل أحد مراسلي التلفزة المغربية أحد القياديين في حزب العدالة والتنمية عن رؤية حزبه لملف الصحراء، فكان ردّ القيادي "لقد كسبنا الارض... ولم نكسب الشعب..." هذا رّد لا يستهان بدلالته كونه يستوجب من "قائله" قبل "سامعه" ان يتحرّك "لاسترجاع" الشعب "المفقود" على حدّ قوله. ولكن عن أيّ شعب مفقود يتحدث هذا القيادي؟ هل يقصد فئة من الصحراويين المغاربة في الداخل الذي يعترضون على طريقة "تدبير" وإدارة ملف الصحراء على المستوى الرسمي في المغرب؟ أم أنّه يقصد الصحراويين المحتجزين داخل مخيمات تندوف، جنوب غرب الجزائر، والممنوعين أصلا من التنقل الداخلي والخارجي تحت سيطرة جبهة البوليساريو التي تدعو الى استقلال الصحراء عن المغرب وخلق "دويلة" جديدة في منطقة المغرب العربي؟

يبدو انّه ليس مهما ماذا قصد القيادي وغيره من الذين يوّجهون يوميا انتقادات حادّة لطريقة تدبير ملف الصحراء دبلوماسيا، بقدر أهمية ان يبدأ المغاربة كقيادات حكومةي وحزبية وأهلية ان يضعوا "تدبيرا" اعلاميا جديدا وخطابا حديثا لرصد القضية بطريقة مختلف داخل المغرب وخارجه. فهل لبنكيران "واخوانه" اي خطط في هذا الاطار؟ لأن الجميع يريد طريقة تدبير جديدة للقضية ولا أحد "أسمعنا" ماهية هذا التدبير الجديد!

تسمية بنكيران رئيسا للحكومة وأسماء التوقعات المتداولة اليوم حول المناصب الوزارية ومنها ما سيرضى عنها عموم الشارع المغربي ومنها ما سيلقى معارضة ولكن هذا حال رّدة فعل "الشارع" في اي بلد حين تبدأ تسريبات أسماء التشكيلات الحكومية ولكن الاخطر اليوم هو ثقة الشعب المغربي بالسياسات الحكومية الجديدة والتي ستحتاج حتما الى جهد شخصي من بنكيران ووزرائه القادمين ليثبتوا للمغاربة انّ قدومهم جاء لتغيير واقع المملكة وليس فقط تغيير وجوه القيادات وان جزئ كبير من السلطة اصبح فعلا، بعد الدستور الجديد، بيد رئيس الحكومة وليست كل الصلاحيات محصورة في يد الملك حصرا.

وفي المرحلة المقبلة سيحتاج المغاربة ان يخرجوا من "سمفونية" مطالبة الملك بمزيد من "الجرأة" لتقديم مزيد من الاصلاحات والانفتاح في حرية الراي والتعبير وأن يطلبوا ذلك مباشرة وبكل "الطرق" الممكنة من حكومتهم وبرلمانهم التشريعي وأحزابهم السياسية.

رويدا مروّه