هل تصبح الانتخابات المصرية الأسوأ في تاريخ مصر؟

بقلم: محمد الحمامصي

على الرغم من التهليل الإعلامي عن الإقبال الكبير من المصريين على الإدلاء بصوتهم في أولى مراحل العملية الانتخابية الأولى بعد ثورة 25 يناير، والتصريحات المادحة والمثنية عليها من الجميع باستثناء أصحاب الثورة الحقيقيين من الشباب الذي لا يزال مصرا في الميدان على استمرار ثورته حتى تحقق أهدافها، إلا أن ثمة مؤشرات تسجل أن هذه الانتخابات ربما ستكون نتائجها وما يترتب عليها الأسوأ في تاريخ مصر الحديث.

لقد نجح التهليل الإعلامي المدفوع ـ برأيي ـ والذي حشد له المجلس العسكري كافة قواه ممثلة في إعلامه الرسمي وإعلام النظام السابق "الفلول" وإعلام القوى السياسية الإسلامية، وإعلام القوى الحزبية القديمة كحزب الوفد والتجمع، نجح هذا التهليل في رسم صورة النزاهة والشفافية استعدادا للعبة الأخطر في المحافظات والمدن والقرى البعيدة عن الأنظار، حيث تعود "ريمة لعادتها القديمة" من التزوير، بحيث يتم تنظيم النسب المقرر لها أن تمثل القوى السياسية على اختلافها، مثلا 30% للأحزاب الإسلامية ومثلهم للأحزاب اللبرالية و40% بين باقي الأحزاب القديمة والجديدة، على أن لا يكون لقوة الغلبة على قوة أخرى، الأمر الذي يحفظ للمجلس العسكري سلطته وقوانين اللعبة في إدارة شئون البلاد والاستيلاء على الحكم.

سيدخل المجلس العسكري بمجموعة من القوى الضعيفة ليشكل بهم نسبة الأغلبية ويحرك بهم برلمانا دون سلطات، وهذا ما يفسر تصريحات المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة الذي يدير شئون البلاد واللواء ممدوح شاهين عضو المجلس، التي سحبت السلطة من البرلمان القادمة، وأكدت أن العسكر لن يتركوا الحكم وحسب اللواء شاهين "المجلس العسكري لو ترك الحكم فهي خيانة للبلد"، ومن ثم لا سلطة للبرلمان في تعيين حكومة أو إقالتها أو سحب الثقة منها أو محاسبتها، ولا سلطة له في تشكيل لجنة إعداد الدستور، ولا تغيير في وضع الجيش في الدستور، بل سيسعى المجلس لمحاسبة الجميع كما ألمح المشير «سيأتي اليوم للكشف عن تفاصيل هذه الموضوعات وأن الوقت غير مناسب الآن»، وقال "في الحرب لا ننام.. ونحن الآن في حرب"، مما يؤشر إلى أن الأمر لن يكون سحبا للسلطة فقط بل واستيلاء عليها وتصفيات ستطال حتما المعارضين لاستمرار العسكر في الحكم سواء من الحركات والائتلافات وتنظيمات، وأن الاتهامات التي وجهها في وقت سابق اللواء حسن الرويني عضو المجلس العسكري لا تزال قائمة.

هكذا وفقا لهذه التصريحات فإن البرلمان الجاري انتخاب أعضاؤه الآن لن يهنأ طويلا تحت القبة كثيرا، وربما يتم حله قبل أن يدخل المجلس، فمهما كان التحالف بين العسكر والقوى السياسية الإسلامية قويا لن تسمح له بأن يكون المجلس مجرد طرطور أو سكرتارية للمجلس العسكري، وكذا الأمر مع القوى الليبرالية، وهنا ستبدأ المشكلات في التصاعد.

إن صداما قادما بين المجلس العسكري والبرلمان القادم سواء استطاع الأول الاحتفاظ بمجموع القوى متقاربا داخل البرلمان عبر صناديق الاقتراع في المراحل القادمة، أو لم يستطع، ومهما كانت قوة تحالفاته مع هذه القوى أو تلك، فإذا كان المشير طنطاوي طرح أمر الاستفتاء على بقاء المجلس العسكري في السلطة، فقد طرحها مدعوما بتحالفاته مع القوى الإسلامية، ومن ثم في حال تخلي هذه القوى عنه فسوف يخسر الاستفتاء، فالشارع المصري بغض النظر عن حالة الانفلات الأمني والاجتماعي والاقتصادي التي يعيشها، إلا أنه يحملها للعسكر بدءا من عبدالناصر إلى مبارك ولا يطمئن مطلقا لفكرة أن يتولي العسكر الحكم مرة أخرى، أيضا تحالف القوى الإسلامية معه جاءت بطريقة برغماتية، حيث يقدمون مصلحتهم الخاصة على مصلحة الوطن نفسه وليس المجلس العسكري فقط.

لقد كنت أنظر إلى طوابير المصريين يوم الاقتراع حزينا على الجهد الذي بذلوه ليأتوا ببرلمان سحب المجلس العسكري صلاحياته قبل أن يرى النور، برلمان سيؤجج الانفلات وسيدفع بالثورة المصرية إلى ذروتها، فهذه القوى السياسية مهما كان معظمها من الضعف والهوان ـ كأحزاب الوفد والتجمع وغيرها من أحزاب تشكل الوجه الآخر للحزب الوطني المنحل ـ بحيث لا يستطيع التصدي لوصاية المجلس العسكري، لكن هناك قوى ستخرج رافضة، وهنا سوف يستقبلها ميدان التحرير مرة أخرى.

بل إن هناك مؤشرات قوية أن القوى الإسلامية التي لا تزال تحتفظ بكوادر لها في ميدان التحرير الذي دخل يومه العاشر من الاعتصام، لديها قراءات قوية حول ما يمكن أن يلعبه المجلس العسكري، ومن ثمة تضع كوادرها في حالة جاهزية تحسبا لانقلاب العسكري على المتفق عليه من تسليم السلطة وإلغاء وثيقة د.علي السلمي، فهل من المعقول أن نصدق أن القوى الإسلامية التي خرجت بالملايين مناهضة ومطالبة بإلغاء وثيقة السلمي منذ أيام قلائل، ثم فجأة تتلقى تصريحات المشير طنطاوي واللواء شاهين دون أي رد فعل، وهما اللذان أكد لا مساس بوثيقة السلمي مطلقا وتحديدا المادتان التاسعة والعاشرة الخاصتين، بوضع الجيش في المرحلة المقبلة.

نقطة أخرى لابد أن نشير إليها تؤكد جاهزية المجلس العسكري الاستيلاء على السلطة اللحظة التي يراها مناسبة، والتي يقررها بافتعال أو نشوب مشكلة حقيقية مع البرلمان القادم، وخروج قوى عليه، فالانتخابات يؤمنها الجيش المصري بنسبة 95 % كما صرح اللواء إسماعيل عثمان، الأمر الذي يعني أن قوى الجيش الآن متواجدة في قلب الشارع المصري في كافة محافظات مصر ومدنها وقراها، أو على الأقل وضع يده على خطة نشر قواته، فالشارع المصري الذي يحمل 85 مليون نسمة يصعب اختراقه وترتيب الأوراق على أرضه، وقد جاءت الانتخابات لتشكل تمهيدا لذلك، ففي حال حدود أي أمر من جانب القوى السياسية وخاصة الإسلامية يسهل للجيش نشر قواته داخل الشارع في وقت قياسي وببساطة ودون تعقيد.

لقد يختلف الكثيرون مع الرؤية السابقة لكني لست متفائلا بسيناريوهات المرحلة القادمة سواء من جانب المجلس العسكري أو القوى السياسية إسلامية أو ليبرالية.

محمد الحمامصي