محمد الريس: تراث الإمارات رافد أساسي لإلهامات لوحاتي

كتب ـ محمد الحمامصي
اليد من أصدق اللغات في جسم الإنسان

يعتبر الفنان فريد محمد الريس أن أحد أهم أهدافه يكمن في تجديد وإحياء الفنية الكلاسيكية المعاصرة في الإمارات، وتشكل محاولاته المتواضعة بداية عصر فني جديد، تعكس بزوغ فجر جيل جديد من الفنانين الإماراتيين الشباب، الطموحين الذين لا يؤمنون بكلمة المستحيل.

عرضت أعمال الريس في قصر الإمارات وقاعة الغاف، فضلاً عن أماكن أخرى كثيرة.

وأكد الفنان أن الفن بالنسبة إليه لا ينتهي أبداً، فلا حدود للإبداع، و"من واجبي بل من واجب كل فنان أن يكون واثقاً وملتزماً وموهوباً، معتمداً على موهبته، فرشاته وألوانه لإنجاز عمله الفني، وهذا أمرٌ بالغ الأهمية بالنسبة لمشهد الفن التشكيلي في الإمارات، وأضاف" الفن أحد أكثر الأنماط فعاليةً وقدرةً على التعبير، فهو لغة عالمية تتخطى الزمان والمكان والشرائح المجتمعية، والفن منبرٌ فريدٌ للحوار الثقافي والتبادل بين الأفراد، سواء كانوا شباباً وشيوخاً، من الشرق أو الغرب، وهو لغة الشعور والعاطفة التي تتجاوز الكلمات، هذه اللغة المفهومة من قبل الجميع".

وفي هذا الحوار معه نتعرف على المزيد من آرائه وأفكاره.

* بداية نود التعرف على بدايات تجربتك الفنية؟

** بدأت قصة عشقي للرسم منذ اكتشاف والدي لموهبتي قبل التحاقي بالمدرسة، وكان المعلم الأول بالنسبة لي، فقد علمني الأساسيات وأن أرسم بأصعب أداة في الرسم وهي الألوان المائية، مع اهتمامه والتحاقي بالمدرسة والمسابقات نمت هذه الموهبة، توقفت عن الرسم لمدة خمس سنوات في المرحلة الجامعية، وكدت أترك من خلالها الرسم، ولكن عدت بعدها مجددا في عام 2006 والتي أعتبرها سنة ولادتي الفعلية في عالم الفن التشكيلي، مع الممارسة والبحث المتواصل اشتركت في أول معرض كفنان تشكيلي عام 2008، وكنت في هذا المعرض الأصغر سنا بين الفنانين المشاركين.

مررت خلال تجربتي بمراحل عديدة والتقيت بفنانين كان لهم دور كبير فيما أنا عليه الآن، منذ أول معرض اشتركت فيه وجدت نفسي الوحيد الذي يستخدم الألوان المائية، وهذا ما أجده حاليا أيضا، لهذا أخذت أنمى مهارتي أكثر فأكثر، فمعظم الفنانين يتجنبون التعامل مع الألوان المائية لصعوبتها. خلال هذا السنوات مررت بمراحل عديدة من حيث الموضوعات التي أتناولها، فبدايتي كانت كأي فنان حريص على التأسيس الصحيح وهي المدرسة الكلاسيكية، إلى أن بدأت أضع ألواني الخاصة ومواضيعي التي أحب أن أنقلها للمجتمع، وبفضل الله حققت في هذه السنوات بعضا مما كنت أصبو إليه منذ الصغر ولا يزال أمامي الكثير، فالفنان مهما وصل من مراحل الاحتراف لا بد أن يبحث ويستكشف، كل يوم جديد هو فرصة للاستكشاف ومهما وصل الفنان من إبداع يكون أمامه الكثير، فلا نهاية للإبداع.

* هل ثمة مدرسة فنية سواء على مستوى الفن التشكيلي تأثرت بها أو انتميت إليها؟

** كما ذكرت سابقا، بدأت كأي فنان حريص على التأسيس الصحيح، وأول المدارس التي يجب أن يتأسس عليها الفنان هي المدرسة الكلاسيكية، فهي تعتبر من أصعب المدارس لأن فيها الكثير من أساسيات الرسم كالمنظور والبعد والتلوين، ولكن كرأي شخصي لا أحب الارتباط بمدرسة معينة لأن الفنان في النهاية هو إنسان يتأثر بما حوله ويجب أن يرسم وينقل رسالته بصدق، وهو لن ينجح كثيرا إذا قيد نفسه بمدرسة معينة، لأن الفنان هو الذي يجب أن يقود ويسيطر على لوحته وألوانه ولكن إذا قيد نفسه بمدرسة معينة، فاللوحة هي التي سوف تقوده وتتحكم فيه وسيكون مقيدا بهذه المدرسة، الفنان يرسم ويعبر ما يحلو له، ومن ثم تأتي المسميات (المدارس)، وأنا كذلك أرسم ما بداخلي وما أحبه، ولكن بعض الأشخاص ربطوا أعمالي بالكلاسيكية والتأثيرية.

* ما طبيعة الرؤى والأفكار التي ترتكز عليها في أعمالك؟

الفنان محمد الريس

** الفنان ابن بيئته ويتأثر بما حوله، وكانت لهذه البيئة الأثر الكبير في أعمالي، فمنذ الصغر أحببت رسم المناظر في بلدي من بر وبحر، وإلى هذا اليوم فالبر والبحر هما المكانان اللذان أختلي بهما وأجد فيهما الهدوء، لهذا معظم لوحاتي ترتكز على تراث ومعالم بلدي، ولا أعني بهذا المدرسة الكلاسيكية، فهذه المدرسة تعني رسم وتلوين المنظر كما هو في الطبيعة بالضبط، أما أنا فأدخل ألواني الخاصة ولا أتقيد بالألوان كما هي فالطبيعة، وأُدخل عناصر إلى اللوحة هي بالأساس غير موجودة في هذه المناظر وذلك لحفظ توازن اللوحة، وأحد الأسباب التي تدعوني لرسم هذه المناظر، أنها تعتبر بالنسبة لي أكثر من مجرد منظر، نعم من الممكن أن يراها المشاهدون كمنظر طبيعي لكن هنالك فصص وذكريات وراء كل لوحة كانت سببا لرسمها، وأرى أيضا أنه من الضروري توثيق تراثنا لأن النهضة العمرانية الكبيرة في دولتنا من الممكن أن تكون سببا في اندثار بعض المناظر، فيجب توثيقها للأجيال القادمة، فتراثنا جزء لا يتجزأ منا، وهناك قصص وقضايا أحب أن أناقشها من خلال لوحاتي وغالبا ما استخدم اليد لنقل هذه القضايا، فاليد من أصدق اللغات في جسم الإنسان.

* حدثنا عن أهم النقلات الفنية التي مرت بها تجربتك؟

** بالنسبة لي فإن كل مشاركة أو أعمل أعتبره مرحلة وأراجع بعدها كل ما تحقق وأقيّم ما حولي من جميع النواحي ومن ثم أنتقل لمرحلة أخرى لأنجز الأكبر والأفضل، ولكن أستطيع القول بأن أهم مرحلتين خلال مسيرتي كانت بعد رجوعي للرسم مجددا بعد انقطاع دام خمس سنوات، أخذت سنتين بعدها فالبحث الشخصي والممارسة بشكل مكثّف ومغاير عما كنت فيه في السابق، فالفنان التشكيلي ليس بحاجة لمعهد أو جامعة بل البحث الشخصي والممارسة كفيلة بتطوير مهاراته وفنه ودائما أقول بأن الفنان هو مدرسة نفسه، أما المرحلة الأخرى المهمة في تجربتي كانت في عام 2008 عند التقائي بالأستاذ والفنان مطر بن لاحج، استفدت كثيرا من نصائح هذا الفنان والتي كان لها الأثر الكبير جدا في أعمالي ومسيرتي، أخذت أعمالي في هذه الفترة تأخذ اتجاها مغايرا عما كانت في السابق، كثيرة هي جلسات الحوار بيننا لتقييم ما أُنجز في السابق وما هو المطلوب مستقبلا، ولهذا اليوم يعتبر مطر ومعلما وأخا بالنسبة لي.

* كيف ترى المشهد التشكيلي في الإمارات وموقعه داخل المشهد العربي أو العالمي؟

** بالنسبة للمشهد التشكيلي في الإمارات، فالتطور ملحوظ وقد بدأت الحركة التشكيلية في الإمارات تأخذ موقعا متميزا على المستوى العربي، والفرص المتاحة اليوم لم تكن متوفرة قبل عدة سنين، فالبيئة التشكيلية في الإمارات بيئة جاذبة ولهذا نرى الكثير من دور العرض العالمية هنا وأيضا الكثير من الفنانين المتميزين والعالميين أيضا، وهذا التطور في استمرار وسيكون بشكل أكبر بعد عدة سنوات، والأمثلة كثيرة فنرى المزادات العالمية مثل مزاد كريستيز وبونمهامز والمعارض العالمية مثل آرت دبي وآرت ابوظبي، ولا ننسى متحف اللوفر وجوجنهام اللذين سيكتملان بعد فترة في أبوظبي، ونتيحة لهذه الحركة الفنية النشطة لا أستبعد أن تكون الإمارات سواء أبوظبي أو دبي عاصمة للفن التشكيلي كما هي نيويورك حاليا. وهنا أوجه رسالة إلى الفنانين المحليين وخاصة الجيل الشاب بأن يكونوا جديين أكثر ويركزوا على تطوير مستوياتهم وعدم الاستعجال من أجل المشاركة في بعض المعارض، فيجب عليهم نقل صورة مشرفة وقوية للفن في الإمارات.

* هل ثمة مشكلات تعاني منها الحركة التشكيلية في الإمارات؟ وما حلولها من وجهة نظرك؟

** لا أسميها مشكلات، بل من أهم السلبيات في الحركة التشكيلية المحلية هو دخول أشباه الفنانين أو دخلاء الفن في هذا المجال، ومن أهم العوامل التي أدت إلى ظهورهم هو قلة وعي المجتمع المحلي بالفن التشكيلي، صحيح بأن نسبة الوعي بدأت تزداد بشكل ملحوظ، ولكن لا يزال الكثير لا يفقه كثيرا بالفن التشكيلي، مما ساعد هؤلاء الدخلاء بإيهام المجتمع بفنهم وأنهم فنانون حقيقيون، وهذا له تأثير سلبي كبير على سمعة الفن الإماراتي، المشكلة تكمن في أن الفن المحلي كان معروفا بقوته في التسعينيات، وكانت هذه السمعة القوية متصلة بأسماء فنانين محليين معروفون بفنهم الراقي، ولكن اليوم ما إن غابت تلك الأسماء عن بعض المحافل، ترى أشباه الفنانين وأعمالهم التي تؤثر سلبا على سمعة الفن التشكيلي المحلي، لهذا وأقولها للأسف، ترى كثيرا من متذوقي الفن يتغيبون كثيرا عن حضور بعض المعارض التي فيها فنانون محليون والسبب كما ذكرت أن بعض الأشخاص أثروا على سمعة الفن المحلي. يجب أن نحافظ على سمعة الفن المحلي ولا يجب لهذه السمعة أن تتراجع بل يجب تحسينها أكثر مما كانت عليه، نرى كثيرا من الفنانين يهتمون أكثر بالمشاركة في معرض معين على أن يهتم بعمله وكيفية تطوير فنه، هذا عكس ما كان في السابق، الفنان المحلي كان لا يعرض عملا إلا بعد أن أخذ وقتا طويلا في تطوير مهاراته، أما الآن نرى المشاركة وبأي عمل هو الأهم بالنسبة للبعض، بالنسبة لي أن أشارك بلوحة واحده فقط ويقف أمامها المشاهدون ويتمعنون قيها خير من أن أشارك بـ 100 لوحة ويمرون أمامها مرور الكرام.

والحل برأيي أن تكون هناك رقابة من الهيئات الرسمية على دور العرض وأن يكون لها رأي في تقييم الأعمال والفنانون أيضا.

* وماذا عن الحركة النقدية إذا كانت موجودة؟

** نعم يوجد لدينا نقاد ويوجد أيضا من يسمي نفسه ناقدا وهو بالأساس لا يعي كثيرا في الفن، لدينا نقاد محليون كفء ولكنهم قلة، وبشكل عام زيادة عدد النقاد الواعين سيزيد من تطور الفن التشكيلي بشكل كبير وهذا ما نحتاجه بالفعل، ولكني أرى أن قلة عددهم يعتبر مؤشرا طبيعيا لأن الفنانين التشكيليين الأكفاء قلة ومتذوقي الفن قلة، وبالتالي النقاد أيضا قليلون.

* أخيرا ماذا تأمل لتجربتك سواء على المستوى الشخصي أو العام؟

** بالنسبة لي فأنا أحاول جاهدا نقل رسالتي لجميع الناس سواء داخل الدولة أو خارجها، وإيصال ثقافة بلدي لهم، كثير من الناس لا يعلمون شيئا عن الإمارات، فتخيل إعجاب شخص في الخارج بدولة الإمارات من خلال لوحة، أحاول جاهدا نقل صورة مشرفة لفننا لجميع الناس وكيف أن الفنان المحلي قادر على المشاركة في المحافل العالمية، من الأهداف التي أحاول تحقيقها في المستقبل هي مشاركتي في المتاحف العالمية وأنا لازلت على قيد الحياة. فالإنسان يجب أن يترك بصمة لبلده وللمجتمع وأيضا للأجيال القادمة.