هدوء انتخابي وسط أزمة سياسية في مصر

القاهرة - من محمد عبد اللاه ودينا زايد
لتبديد القلق من استمرار حكم العسكر

أدلى الناخبون في مصر يوم الاثنين بأصواتهم في بداية الجولة الاولى من انتخابات تشريعية تمهد لنقل السلطة الى حكم مدني من المجلس الاعلى للقوات المسلحة الذي يدير شؤون البلاد منذ اطاحت انتفاضة شعبية بالرئيس السابق حسني مبارك في فبراير/شباط.

وأجريت الانتخابات في جو هادئ وسط اقبال كبير قد يأتي بالاسلاميين الذين طال حظر أحزابهم الى صدارة مجلس الشعب.

وأغلقت ابواب مراكز الاقتراع في الساعة التاسعة مساء بالتوقيت المحلي ( 19:00 بتوقيت غرينتش) بعد زيادة مدة التصويت المقررة ساعتين بسبب الاقبال الكبير. وستستكمل هذه الجولة من الاقتراع يوم الثلاثاء وسيستمر التصويت الى منتصف الليل.

وفي ردود فعل غربية سريعة مرحبة قالت وزارة الخارجية الأميركية ان الانباء المبكرة بشأن الانتخابات المصرية "ايجابية الى حد بعيد". وقال المتحدث باسم الوزارة مارك تونر انه لم ترد أي أنباء تفيد بوقوع أعمال عنف أو مخالفات مضيفا أن الاقبال على التصويت كبير.

ووصف السفير البريطاني لدى مصر جيمس وات الانتخابات بأنها حدث سياسي مهم وقال انها أجريت بشكل منظم وسلمي. وقال "هذه الانتخابات ما زالت في بدايتها لكن حتى الان يبدو أنها سارت بشكل سلس".

واثارت اشتباكات وقعت في القاهرة ومدن اخرى الاسبوع الماضي بين الشرطة ومحتجين مطالبين بالانهاء الفوري للحكم العسكري مخاوف من وقوع اعمال عنف خلال الانتخابات.

لكن القلق لا يزال قائما في مصر من أن يكون لدى العسكريين نية البقاء في الحكم رغم أن الاحتجاجات العنيفة دفعتهم الى تحديد يونيو/حزيران موعدا أقصى لانتخاب رئيس للدولة يتسلم منهم السلطة بحلول يوليو/تموز.

وقتل في الاحتجاجات 42 ناشطا وأصيب ألفان لكن لم يكن لها صدى في الانتخابات التي أجريت اليوم في تسع محافظات هي القاهرة والاسكندرية وأسيوط والفيوم والاقصر وبورسعيد ودمياط وكفر الشيخ والبحر الاحمر.

وأمام مراكز الاقتراع التي تأخر فتح بعضها بسبب تأخر مشرفين قضاة أو مراقبين أو أوراق اقتراع وقف الناخبون بصبر في طوابير طويلة انتظارا للادلاء بأصواتهم وتناقشوا في مستقبل حكم البلاد الذي رأوا للمرة الاولى أن بامكانهم المشاركة في تشكيله.

وبصوت مرتفع تساءلت سيدة في لجنة بحي مدينة نصر في شرق القاهرة مشيرة لدور الجيش في تسهيل خروج مبارك من السلطة "أليس هم ضباط الجيش الذين حمونا أثناء الثورة.. ماذا يريد كلاب السكك الموجودون هناك في (ميدان) التحرير".

ورد عليها ناخب بلطف "الموجودون في التحرير هم شبان وفتيات كانوا السبب في أن رجلا مثلي عمره 61 عاما أدلى بصوته في انتخابات تشريعية للمرة الاولى في حياته اليوم".

ويحق لنحو 17 مليون ناخب الادلاء بأصواتهم في المرحلة الاولى من هذه الانتخابات لاختيار مجلس الشعب الجديد والتي ستنتهي يوم 11 يناير/كانون الثاني.

وتجنب الاخوان المسلمون واسلاميون اخرون احتجاجات الاسبوع الماضي التي تحدت الحكم العسكري رغبة منهم في ألا يكون هناك شيء يعترض الانتخابات التي يمكن أن تفتح أمامهم الطريق الى السلطة السياسية.

وطالبت الولايات المتحدة والدول الاوروبية الحليفة لمصر التي تدرك أهمية معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية العسكريين بتسليم السلطة بسرعة بعد أن رأت فيما يبدو أن تراخي قبضتهم على السلطة يمكن أن يهز الاستقرار في أكثر الدول العربية سكانا.

وبقيت خيام المعتصمين في ميدان التحرير بعد ليلة من المطر الغزير جعلت عددهم يقل كثيرا.

ولم تشهد الانتخابات حوادث عنف خطيرة فيما يبدو لكن مشاجرات نشبت بين نساء وقفن في طابور طويل أمام مركز اقتراع في الاسكندرية فتح بابه متأخرا لعدم توافر الاوراق اللازمة.

وفي قرية النواورة بمحافظة أسيوط تجمهر أقارب المرشح عنتر علي بكر الحمادي الذي استبعد لعدم أدائه الخدمة العسكرية أمام مراكز اقتراع وألقوا عليها الحجارة مما أدى لتوقفها عن العمل أكثر من ساعة.

كما قطعوا الطريق السريع بين القاهرة وأسوان لمدة ساعة تقريبا قبل أن تنجح قوات الجيش والشرطة في اعادة فتحه.

ومن شأن الاقبال الكبير على الاقتراع اعطاء الانتخابات شرعية وتسهيل انتقال السلطة للمدنيين.

ووقف ما لا يقل عن ألف من الناخبين خارج مركز اقتراع في حي الزمالك الراقي بالقاهرة لدى فتح أبوابه في الثامنة صباحا (06:00 بتوقيت غرينتش). وقالت وفاء زقلمة (55 عاما) التي تدلي بصوتها لاول مرة "نحن سعداء جدا أن نكون جزءا من الانتخابات".

وفي مدينة الاسكندرية على البحر المتوسط وقف الرجال والنساء في طوابير منفصلة طويلة بينما انتشرت في الشوارع لافتات حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الاخوان المسلمين ولافتات حزب النور السلفي وحزب الوسط وهو حزب اسلامي معتدل.

وكانت تلك الاحزاب محظورة أو ممنوعة من مزاولة النشاط.

وزاد عدد قوات الجيش على قوات الشرطة التي تحرس مراكز الاقتراع من الخارج.

وقال وليد عطا (34 عاما) ويعمل مهندسا بينما كان يقف في طابور بالاسكندرية "هذه أول انتخابات حقيقية في مصر منذ 30 عاما. المصريون يصنعون التاريخ".

وفي مدينة دمياط على البحر المتوسط قال ناخبون انهم سيعاقبون جماعة الاخوان المسلمين على ما يرون أنها انتهازية بدت منها في الشهور الماضية.

وقال أيمن سليمان (35 عاما) الذي يعمل مرشدا سياحيا "أعتقد أن الاخوان المسلمين خسروا في الاشهر الثلاثة المنصرمة أكثر مما كسبوا في الاعوام الثلاثين الماضية".

وأضاف أنه سيعطي صوته لحزب الوسط. وقال مراقبون في المدينة ان حزب النور السلفي يمكن أن يحقق أكبر المكاسب الانتخابية في المدينة.

لكن جماعة الاخوان لها اسم معروف كما أنها منظمة ولها رصيد نضالي ضد مبارك بالقياس الى غيرها من الاحزاب والجماعات السياسية القائمة اليوم.

وخارج مراكز الاقتراع وقف أعضاء في جماعة الاخوان لارشاد الناخبين وطلبوا منهم انتخاب مرشحي حزب الحرية والعدالة.

وقالت الناشطة الحقوقية منى ذو الفقار في سخرية ان الاخوان لم يقدموا الفواكه للناخبين في مراكز الاقتراع. وأضافت أن انتهاكات كثيرة وقعت للحظر المفروض على الدعاية خارج أماكن التصويت.

وقالت الناخبة أميرة أحمد فهمي بعد أن أدلت بصوتها في القاهرة "كنت أمام المدرسة (مقر مركز الاقتراع) الساعة السابعة صباحا. فتحوا الساعة الثامنة تماما وأدليت بصوتي بسهولة. بعد ربع ساعة كنت في الشارع".

لكن في مراكز اقتراع أخرى في القاهرة لم تصل الاوراق اللازمة للعملية الانتخابية الا بعد ساعات طويلة من موعد بدء التصويت.

وفي عدد من مراكز الاقتراع في ضاحية القاهرة الجديدة قال شهود ان بدء التصويت تأخر أكثر من ساعة.

وقالت شاهدة عيان في حي المطرية بالقاهرة وأخرى بحي مدينة نصر ان مؤيدي مرشحين كانوا يوزعون أوراق دعاية أمام مراكز الاقتراع على الرغم من حظر الدعاية لمدة 48 ساعة قبل بداية الاقتراع.

وقال مندوب ان ناخبين من منطقة فقيرة وقفوا أمام مراكز اقتراع في ضاحية القاهرة الجديدة وفي أيديهم أوراق مدون بها أسماء مرشحين فرديين وأسماء قوائم حزبية للاستعانة بها في الاقتراع فيما يبدو.

وقالت صحف محلية ان أحزابا قدمت طعاما لناخبين خلال الايام الماضية لحثهم على انتخاب مرشحيها.

وقال شهود عيان في محافظة الفيوم جنوب غربي القاهرة ان الاخوان نقلوا ناخبين بحافلات من منازلهم أو من أماكن تجمع الى مراكز اقتراع مثلما كان يفعل الحزب الحاكم المحلول في عهد مبارك.

وقال شهود عيان في مدينة الاسكندرية ان ناخبين تلقوا أموالا مقابل الادلاء بأصواتهم لرجل أعمال مرشح.

ووقف شبان وفتيات يقترعون لاول مرة في الطوابير الطويلة وقد ملأهم الحماس.

وقالت هيام هشام (21 عاما) وهي جامعية تخرجت حديثا انها انتخبت قائمة "الثورة مستمرة" لانها تضم ثوارا. وأضافت "أنا ضد من يعمل دعاية في المسجد أو في الكنيسة" مشيرة الى دعاية أحزاب اسلامية في مساجد وتقارير عن حشد مسيحي لتأييد قائمة تضم مرشحين علمانيين بعضهم مسيحيون.

وأضافت "سأحكم على مجلس الشعب بعد أن يتكون".

وقالت رنا منير (22 عاما) التي درست الاعلام "قبل الثورة لم أكن أهتم بالسياسة. كان مهما جدا بالنسبة لي أن أدلي بصوتي اليوم بعد أن زادي وعيي السياسي".

لكن محمد ضياء وهو طالب جامعي يعتصم في ميدان التحرير منذ أكثر من أسبوع قال "لم أذهب الى الانتخابات حتى لا أقر بشرعية المجلس العسكري الذي يجري هذه الانتخابات. ولا أثق بنزاهة الانتخابات".

وقال أيمن عباس الذي يبلغ من العمر 37 عاما "لم أذهب حتى لا أترك الاعتصام".

ويستطيع الناخبون الادلاء بأصواتهم أيضا الثلاثاء في هذه الجولة الى منتصف الليل بحسب اللجنة القضائية العليا للانتخابات.

وتجرى كل مرحلة من مراحل انتخابات مجلس الشعب على يومين.

ويتطلع الناخبون المصريون الى الاستقرار بعد أسبوع اراقة الدماء في ميدان التحرير بالقاهرة وفي بضع مدن أخرى.

ويجري شغل ثلثي مقاعد مجلس الشعب بالقائمة الحزبية المغلقة وهي نظام جديد على أغلب الناخبين. ويجري شغل الثلث الباقي عن طريق المنافسة الفردية.

وقال ناخب يخشى غرامة التخلف عن الاقتراع وقدرها 500 جنيه (83 دولارا) انه رسم أوزة على الورقة. وأضاف "لا أريد أن أعطي صوتي لاحد من المرشحين في دائرتي".

وجرت العادة على التلويح بالغرامة وقت الانتخابات لكن السلطات تتغاضى عن تحصيلها.

وقال المستشار يسري عبد الكريم نائب رئيس اللجنة القضائية العليا للانتخابات ان اللجنة استعانت بثلاثة الاف صندوق اقتراع اضافية بسبب الاقبال الكبير من الناخبين.

وانعكس هدوء الانتخابات على الاسواق المالية التي تضررت من الاضطرابات هذا الشهر. وتراجع تأمين الديون المصرية لاجل خمس سنوات من العجز عن السداد بمعدل عشر نقاط أساس الى 539. واستقر الجنيه المصري الذي تدهور الاسبوع الماضي الى ادنى مستوى منذ يناير/كانون الثاني 2005.