هل تحتفي جامعة بغداد بمئوية ميلاد رئيسها الراحل؟

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
كثيرا ما وقف عند رسالة الجامعة

لا اعتقد أن ثمة أمرا يتفق عليه العراقيون جميعا مثل اعتزازهم وتقديرهم وإعجابهم بالأستاذ الدكتور عبدالجبار عبدالله. فالرجل كان عالما في تخصصه، مربيا متميزا، وباحثا نشيطا، ومؤلف ثبتا وإنسانا فاضلا ودودا متواضعا.

نهض بجامعة بغداد، فذاعت سمعتها الطيبة في أرجاء العالم. كتب عنه الكثير وكرم في حياته وبعد رحيله لكن الحاجة إلى التذكير به لا تزال مطلوبة خاصة في مرحلتنا الحاضرة واقصد بها مرحلة إعادة بناء العراق.

ولد سنة 1911 في قلعة صالح بالعمارة (محافظة ميسان حاليا) وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة في مدينته. وفي سنة 1930 أكمل الثانوية ببغداد وقد أرسلته وزارة المعارف في بعثة علمية للدراسة في الجامعة الأميركية ببيروت وهناك نال البكالوريوس في العلوم سنة 1934 .

وفي بيروت أسهم مع عدد من زملائه أمثال محمد حديد وعبدالفتاح إبراهيم وعلي حيدر سليمان في تشكيل جمعية طلابية عراقية. كما أسس هو وعبدالفتاح إبراهيم، وحسين جميل، ومحمد حديد، وطه باقر، وكوركيس عواد، وفاضل حسين، وخدوري خدوري، وجمال عمر نظمي وناظم الزهاوي وكامل قزانجي وعبدالقادر إسماعيل وغيرهم "جمعية الرابطة الثقافية" في بغداد سنة 1943 والتي أصدرت مجلة "الرابطة" وصار سكرتيرا لتحريرها. أرسل ثانية إلى الولايات المتحدة الأميركية للدراسة ودخل معهد ماسوشست للتكنولوجيا وتخرج سنة 1946 حاملا لشهادة الدكتوراه في العلوم الفيزياوية، وكان تخصصه الدقيق قي الأنواء الجوية. عاد إلى وطنه وعين في دار المعلمين العالية مدرسا وبعدها اختير رئيسا لقسم الفيزياء. وفي سنة 1958 أصبح أمينا عاما لجامعة بغداد ثم رئيسا لها بعد سنة، واستمر في منصبه حتى فبراير/شباط 1963 .

كان الرجل حرا في تفكيره، تقدميا في نظرته، ولم يكن منتميا لأي حزب سياسي بل كان من المؤمنين باستقلالية أستاذ الجامعة، وحيادته، وتمسكه بالعلم وكانت علاقته بزملائه متميزة وقد أحبه الطلبة. اعتقل بعد خروجه من رئاسة الجامعة وفصل من وظيفته ثم أحيل إلى التقاعد وبعد إطلاق سراحه غادر العراق ليقيم في الولايات المتحدة الأميركية حتى وفاته فيها عندما كان يعمل أستاذا لعلم الأنواء الجوية في جامعة نيويورك. وقد استطاع خلال عمله ان يدخل تخصصا جديدا يعرف اليوم بـ "علم الميزوميترولوجيا"، والذي أصبح فرعاً مهماً في علم الأنواء الجوية.

كما كتب الدكتور عبدالجبار خلال حياته القصيرة نسبياً، العشرات من البحوث العلمية في الأعاصير والزوابع وفيزياء الضباب والسحب، وكل ما له علاقة بهذا الميدان، وترجم خمسة كتب في الفيزياء وعلم الأنواء الجوية إلى العربية منها ترجمته لكتاب الصوت وكتاب مقدمة في الفيزياء النووية والذرية لمؤلفه هنري سيمات. كان الدكتور عبدالجبار عبدالله احد أربع تلاميذ لاينشتاين وقد نال أوسمة كثيرة في الولايات المتحدة منها "وسام مفتاح العلم"، وكان يجيد خمس لغات.

لقد أسهم في بناء جامعة بغداد الفتية ورصن توجهاتها البحثية، وخلق نوعا من العلاقات الأخوية بين منتسبيها، وقام بإعادة كل زملائه من الأساتذة الذين فصلوا في العهد الملكي الهاشمي.

لم يكن من أولئك الأساتذة الذين حصروا أنفسهم في دواخل اختصاصاتهم العلمية الصرف، بل كان متعدد الاهتمامات ومنها عشقه للأدب العربي وللشعر والتاريخ وله آراء مهمة في التقدم العلمي الإنساني ومن ذلك قوله إن التحولات التي شهدتها البشرية بعد الحرب العالمية الثانية تميزت "بفيض من المنجزات التكنولوجية التي يسرت ما كان في عداد المستحيلات وأضافت إلى سيطرة الإنسان على القوى الطبيعية ومكنته من ترويضها والتحكم بطاقاتها حتى كاد الإنسان أن يحقق ما ادعاه لنفسه قبل آلاف السنين من سيادة لممالك الطبيعة ومن هيمنة عليها".

وكان يؤكد أن العلم يتقدم بمراحل واضحة الحدود تنقله من مرحلة إلى أخرى وان الباحثين استطاعوا الاهتداء إلى الكثير من النظريات وان "مدنيتنا العلمية الراهنة كانت بعض نتاج الجامعات ومعاهد البحث".

ومما أذهله – وهو العالم الفيزياوي – أن ثمة إهمالا للعلوم الإنسانية تلك العلوم التي كان واجبها التعاون مع العلوم الطبيعية لاستكمال صورة الكون بعالميه الداخلي والخارجي وللتوصل إلى تثبيت الوعي الصحيح ورسم المخطط العام لبناء المدنية الفاضلة وعندي أن مثل الجامعة التي تعنى ببعض نواحي المعرفة وتهمل سائر النواحي كمثل من يعدم بعض حواسه فتنمو سائر الحواس. فهو قد عجز عن استيعاب الصور الكاملة لما حوله فخلق لها في مخيلته صورا مشوهة ناقصة.

وكثيرا ما وقف عند رسالة الجامعة وكيفية قيامها بخدمة بيئة توطنها والى شيء من هذا القبيل يقول: "إن الجامعة الحقة هي التي ترسم لنفسها منهجا متزنا معتدلا لا يطغى فيه فن من الفنون أو علم من العلوم على حساب سواه". وان على الجامعات في هذا العالم المضطرب حيث تباينت الأهواء واستقطبت النزعات "ان تعمل على إعادة التوازن والتقليل من الاستقطاب لتقود الشعوب نحو مدنية خيرة، يستخدم فيها العلم والتكنولوجيا كأدوات لنيل السعادة ووسائل لبلوغ الرخاء والسلام".

وقد دعا جامعة بغداد التي كان يترأسها بين سنتي 1959-1963 لان تجعل شعارها "التحري عن الحقائق العلمية بما يضمن رفع مستوى العراق والإضافة إلى تراثه وإنماء ثرواته وبما تحتمه مشاركة العالم في بذل الجهود لهتك أسرار الطبيعة واستغلالها لمصلحة البشر المشتركة". وكان يطالب بإطلاق الحرية في البحث والتمسك بالروح الجامعية لبناء الوطن على أسس علمية متينة.

ووفق هذه الرؤى الواضحة، بذل الرجل جهودا حثيثة لوضع الركائز العلمية والإدارية والمالية لجامعة بغداد التي لم يكن عمرها آنذاك يتجاوز العام الواحد.

كان الأستاذ الدكتور عبدالجبار عبدالله عالما وطنيا أحب وطنه العراق وأخلص له وكان يتمنى أن يرى العراق وقد أصبح من أكثر الدول تقدما، لذلك بذل الكثير من الجهود لكي يمتلك بلده الطاقة النووية السلمية من خلال عمله نائبا لرئيس لجنة الطاقة للسنوات 1958-1963. توفي رحمه الله في التاسع من يوليو/تموز 1969 ولما يتجاوز الـ 58 من العمر، رحمه الله وجزاه خيرا على ما قدم لوطنه وللإنسانية.