الخطوة التركية القادمة في الشأن السوري

بقلم: د. علاء أبو عامر

قدمت سوريا لتركيا خدمات جليلة لم ينكرها الاتراك حتى وهم يهاجمون النظام في دمشق، فقد كانت الأخيرة هي الباب الواسع الذي دخلت منه تركيا إلى المشرق العربي وإيران وبيضت صفحة الدولة العثمانية في الضمير الجماعي العربي خصوصا مع المواقف العربية لإردغان تجاه إسرائيل وقضية الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة، ولكن تبقى الايديولوجيا الإسلامية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا هي المحرك الأساس لسياسته التي هي في النهاية سياسة تركية الخارجية.

ويرى كثير من المتابعين للعلاقات التركية – السورية أن هذه العلاقات التي تطورت بسرعة كبيرة فيما بين 2002 و2009، من خلال توقيع البلدين على سلسلة من الاتفاقيات (ما يقارب خمسين اتفاق تعاون) وإعلانهما إنشاء "مجلس التعاون الاستراتيجي" حيث أجرتا أول تدريبات عسكرية مشتركة بينهما.

وانتقل البلدان خطوة أخرى في تعزيز هذه العلاقات في 2010، حيث وقعا اتفاقاً تاريخياً لمكافحة الإرهاب، تبعه بعد شهرين ميثاق مكافحة التمرد.

وبحلول 2011، كانت تركيا قد أصبحت شريك سوريا التجاري الأكبر. وكانت العلاقات واعدة جداً، وفي 2009، أعلن وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو أنّ الدولتين تتشاركان " مصيراً، وتاريخاً ومستقبلاً مشتركاً".

ولكن هذه العلاقات تدهورت إلى ما يشبه حالة العداء بين البلدين بفعل الاحتجاجات في الداخل السوري

ففي مارس/آذار أعلن رئيس الوزراء تركي رجب طيّب أردوغان أنّ "من المستحيل عليه البقاء صامتاً تجاه ما يحصل من أحداث." وبعدما أكد أنّه تحدث مع الأسد مرتين، قال أردوغان إنّه يأمل أن يتبنى الأسد "مقاربة إيجابية وإصلاحية"، من أجل تجنب "أحداث ليبيا الأليمة".

ثم في نيسان، أرسلت تركيا وزير الخارجية أحمد داود أوغلو للقاء الأسد في دمشق، وهناك عرض "كل مساعدة ممكنة" لتطبيق وعود الأسد الإصلاحية من أجل المساعدة في جلب الاستقرار إلى سوريا وتأمين النظام. ولكن ونظرا لتصاعد الاحتجاجات وبالتالي تصاعد العنف في داخل سوريا وعوامل أخرى تتعلق بالأمن القومي التركي وتحالفات تركية الخارجية ومن ضمنها عضوية الأخيرة في الحلف الأطلسي، تطور الموقف التركي تدريجيا ليصل إلى مرحلة مساندة المعارضة السورية سياسيا وإعلاميا ولوجستيا، وربما عسكريا إذا صدقت المعلومات التي ساقتها صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عن تسليح وتدريب تركيا للمنشقين عن الجيش السوري والسماح لهم بعبور حدودها إلى سوريا للقيام بعمليات هجومية ضد وحدات الجيش النظامي.

ومن المثير حقا ذلك الغمز العلني من قناة التمايز السني العلوي في سوريا عندما أشار أردوغان إلى أهمية "علوية" الأسد و"سنّية" زوجته واعتبرها السوريون إشارة غير بريئة وتحريضاً طائفيا.

وفي ما يبدو أنه مسعى تركي لحشد التأييد للخطوة التركية القادمة قام السيد أحمد داود أوغلو وزير الخارجية التركية قبل فترة بزيارة إلى الأردن وكان الشأن السوري حاضرا وبشدة في لقاءه مع المسئولين الاردنيين ومن أخطر ما تسرب حول الموضوع بعض العبارات لوزير الخارجية الأردني ناصر جودة بخصوص الاستعداد للمساعدة في حالة نزوح المزيد من المهاجرين السوريين جنوبا وهو ما يعتبر موافقة مبدئية من عمان على إقامة منطقة عازلة مخصصة لاستقبال موجات بشرية سورية إذا ما دخل سيناريو الاضطراب إلى الدولة الجارة الأهم للأردنيين.

وباعتقادنا أن هذه الزيارة اشتملت على رسالتين أولهما الاستفسار عن إمكانية قيام الاردن بدور ما في الحرب القادمة والثانية تحضيره مع باقي دول الجوار السوري لهجوم محتمل على سوريا من قبل حلف الناتو تقوده تركيا.

كل هذا وتركيا غارقة في متابعة يوميات الشأن السوري عبر تنظيم المعارضة السورية في الخارج وعلى راسها جماعة الإخوان المسلمين الذي استضافتهم حكومة أردوغان وهيئت لهم المناخ من خلال سماح الحزب الحاكم في أنقرة لهم بالعمل علناً في إسطنبول، ومن خلال اسـتضافة مؤتمراتهم في اسـطنبول وانطاليا نجحت تركيا مؤخرا بتشـكيل مجلس وطني انتـقالي على الطراز الليبي بزعامة المعارض العلماني الدكتور برهان غليون، وبمواكبة كل ذلك قامت بتنفيذ العقوبات الأميركية والأوروبية على شخصيات في النظام السوري ومنها الرئيس الأسد شخصيا وسعت أنقرة إلى تحريض القوى الكبرى من أجل استصدار قرارات من مجلس الأمن توفر غطاء شرعيا دوليا للإطاحة بالنظام السوري.

ومع ذلك يبدو سيناريو الحرب الأهلية في سوريا مقلقا للأتراك حيث تتشابه التركيبة المذهبية بين البلدين (سنة وعلويين) وهناك خشية لدى كثير من الاوساط التركية عبر عنها أحمد داود اوغلو شخصيا، من انتقال الاضطرابات إلى الداخل التركي تأثرا بما سيجري في سوريا.

وقد فسر بعض المحللين السياسيين الغربيين عبارة "ما يحصل في سوريا شأن تركي داخلي" بأنها لا تعني التدخل التركي في الشؤون السورية، بقدر ما ترمي إلى أنّ ما قد يحدث في الجارة سيؤثر عليها بكلّ الطرق. فمن مصلحة حكومة رجب طيب أردوغان ألا تقع حرب أهلية على تخوم بلده، وألا يستمر تدفق اللاجئين السوريين عبر الحدود المفتوحة. فزيادة عدد اللاجئين قد تغيّر الأوضاع الاستراتيجية لدول المنطقة المعنية، ويدفع الحكومة الإسلامية في أنقرة إلى التصعيد.

وفي ظل هكذا وضع تجد تركيا نفسها في موقف لا تحسد عليه خصوصا في ظل استنكاف حلب ودمشق أهم مدينتين في سوريا وأكثرهما سكانا عن المشاركة الفاعلة في الانتفاضة ضد نظام الرئيس بشار الأسد وهو ما يعني إطالة عمر الانتفاضة وبالتالي ارتفاع كلفتها بالنسبة للدول التي تمول الاحتجاجات بحسب بعض التقارير الصحفية السورية وهي دول الخليج العربي وتركيا وتيار المستقبل في لبنان.

ويبدو أن الأتراك كانوا قد حددوا ساعة الصفر بالاتفاق مع الرئيس الأميركي بارك أوباما وأطراف المعارضة الخارجية وقد علم الرئيس الأسد بذلك من خلال أطراف صديقة وهو ما يفسر تهديداته التي أطلقها مؤخرا، ولكن يبدو أن مبادرة الإنقاذ العربية لسوريا قد فاجأتهم وفاجئهم أكثر القبول السوري غير المشروط بها، وعلى ما يبدو فقد اُسقط في ايديهم، لذلك ردوا على المبادرة بالتصعيد تجاه سوريا متوعدين باتخاذ إجراءات غير مسبوقة وجاءت التصريحات على لسان كبير مستشاري الرئيس التركي إرشاد هورموزلو الذي اشار ايضا إلى أن مسألة الالتزام بأي عقوبات دولية تفرض على النظام ليست موضع نقاش. وأوضح هورموزلو لـ"الشرق الأوسط" أن بلاده سوف "تتخذ إجراءات لحماية المدنيين السوريين ومنع استخدام العنف"، رافضا الخوض في أي تفاصيل إضافية.

ليخلص إلى القول أنه إذا كانت المبادرة العربية الجديدة "تلبي مطالب الشعب السوري وتضمن عدم سفك المزيد من الدماء فلم لا"، ليعود ويشدد على ضرورة أن تلبي "المطالب المشروعة للسوريين وأن يكون القرار بيد الشعب السوري". تصريحات هرموزلو ومن قبله تصريحات أردوغان تدل على أن تركيا أحرقت جميعا سفنها باتجاه النظام في سوريا وأنها ستعمل وبكل ما أوتيت من قوة للإطاحة به، ويذكر بعض المراقبين أن أطراف في المعارضة مازحت رئيس الوزراء التركي بالقول إن شاء الله سنحتفل في دمشق قريبا فأجابها لا في حلب أولاً.

والسؤال المطروح هنا ما الذي يجعل السيد أردوغان ومن خلفه حزب العدالة والتنمية اصحاب نظرية "صفر أعداء" يتورطون في الشأن السوري بهذه الحدية؟

هل هي مشاعر إنسانية صادقة تجاه السوريين؟ بالتأكيد لا، في السياسة لا يوجد عواطف بل مصالح.

هل تقوم تركيا بهذه المهمة نيابة عن الادارة الاميركية وحلف الناتو عوضا عن فرنسا التي تولت الدور الأساسي في ليبيا؟ ربما وهذا أقوى الاحتمالات، أو ربما هو تقاطع مصالح مع جماعات المعارضة السورية خصوصا جماعة الإخوان المسلمين لتحقيق حلم إعادة بعث دولة الخلافة في آسيا الغربية كمقدمة لخلافة إسلامية تعم المنطقة؟ اسئلة كثيرة تطرح هنا، والاجابة ربما تكون كل هذه الاسباب مجتمعة.

من الواضح أن تركيا متفاجئة من الحل العربي ومتفاجئة أكثر من سرعة الموافقة السورية على هذا الحل الذي اوقف العاصفة التي كانت ستهز أرجاء المنطقة والتي نعتقد وبناء على كل المعطيات المتوفرة أنها كانت عاصفة غزو عسكري تركي مسلح لسوريا، وهذا ما يفسر تصريحات أمين عام حلف الأطلسي بأن الحلف لا يفكر إطلاقا لا الآن ولا في المستقبل في التدخل العسكري في سوريا. إذ أنه من الواضح وفق التحليل السابق أن المهمة أوكلت لتركيا للقيام بها مع دعم أطلسي لوجستي.

وهنا وكما عودتنا السياسة السورية المرنة منذ الرئيس الراحل حافظ الأسد التي على ما يبدو مازال يتقنها وريثه الدكتور بشار الأسد والمحيطين به أنه وكلما تعرضت سوريا لأزمة مصيرية فإن القيادة لا تضيع الوقت بل تجترأ الحلول بشكل سريع لتفادي عواقب الصدام مع الغرب وإسرائيل وهناك تجربة سابقة لسوريا مع تركيا فيما بات يعرف بأزمة أوجلان.

ومع أن موافقة القيادة السورية، قد تعطي الرئيس السوري المزيد من الوقت للعب على التناقضات المحلية والاقليمية والدولية إلا أنه لا بد من التسليم في النهاية أنه وبدون تقديم تنازلات وخلق حياة ديمقراطية حقيقية في سوريا فإن من منحه طوق النجاة اليوم لن يمنحه إياه غدا.

السياسة التركية الجديدة رحب بها العامة في وطننا العربي وتحول أردوغان إلى بطل في عدة عواصم عربية وملئت صوره شوارع المدن والقرى لكن هذا التعاطف الشعبي لطالما شككت به النخب السياسية والثقافية العربية بما فيها تلك النخب المؤيدة للتغير في سورية وبنفس الدرجة كان هناك رفض لها لدى اصحاب القرار في العالم العربي ولو التقى بعضهم معها مرحليا لتقاطعها مع أهدافهم في اسقاط النظام السوري، فدول الخليج التي تريد إنهاء علاقة سوريا بإيران وحزب الله اللبناني لا ترغب في رؤية تركيا تسرح وتمرح في بلاد الشام الواقعة على حدودها، من هنا فإن التوافق في بعض المواقف لا يلغي التنافر في مواقف أخرى خصوصا تلك التي تتعلق بالأمن القومي لدول المنطقة، فالطموحات التركية أكبر من موضوع إسقاط النظام في سوريا، حيث يرغب الأتراك بحكم جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وتحويل سوريا ومن خلفها لبنان وفلسطين والأردن إلى منطقة نفوذ تركي بامتياز كما فعلت إيران في العراق وكما أن إيران تحلم بفارس القديمة والقومين العرب وجماعات الإسلام السياسي تطمح بعودة الاندلس، كذلك هي القومية التركية تريد أن تعيد أمجاد الدولة العثمانية ابتداء من المشرق العربي بعد أن عجزت عن تحقيق ذلك في اسيا الوسطى التركية بفعل الصد الروسي المهيمن هناك.

الشعب السوري ومن ضمنه معارضة الداخل سعى وما زال يسعى وسيسعى في المستقبل إلى الحرية والديمقراطية والعدالة في بلدهم وسيبذلون الغالي والنفيس إلى أن تتحقق أهدافهم وستساندهم في ذلك كل الشعوب العربية، وهم لا يريدون لبلادهم الدمار والخراب، معارضة الخارج وبالرغم من ادعاء الحرص على حرية الشعب السوري يهمها تحقيق أهدافها وأحلامها ليس إلا، وليس مهمً لديهم كم من الدماء ستسيل قربانً لتحقيق أهدافهم فبمطالبتهم بتدخل عسكري خارجي يكونون قد وضعوا أنفسهم في خدمة مخططات الغير وهم على ما يبدو لا يتعظون من تجارب جيرانهم، فحقدهم السياسي قد جعلهم يقبلون بأن تصبح سوريا ملعبا تركيا كما فعلت المعارضة العراقية باستجلاب الغزو ومن ثم حوولوا بلادهم من دولة مستقلة كان يحكمها ديكتاتور إلى ساحة ملحقة بالسياسة الايرانية.

تركيا جار مرحب به دائما وتربطها بالعرب علاقات تاريخ وجغرافيا كما هي ايران ولكن تحويل البلاد العربية إلى ساحات نفوذ تتقاسمها مع غيرها من الدول هو شيء مرفوض، ويجب مقاومته فمازال في النفوس وفي مناهج التعليم العربية الكثير من الذكريات الأليمة عن المرحلة الأخيرة للدولة العثمانية ومن الواضح أنها لن تنسى ببساطة.

د. علاء أبو عامر

استاذ العلاقات الدولية –غزة