زيارة العاهل البحريني الى القاهرة: استمرار النهج ومتطلبات المرحلة

بقلم: شريف ابراهيم

تأتي الزيارة التي يقوم بها العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة الى القاهرة ولقاؤه بالقيادات المصرية استجابة للدعوة التي وجهها المشير حسين طنطاوى رئيس المجلس العسكرى ونقلها رئيس الوزراء المصري الدكتور عصام شرف خلال زيارته الى المملكة في يوليو الماضي لتؤكد على استمرار النهج الذي تسير عليه علاقات البلدين منذ قيام العلاقات الدبلوماسية بينهما في أغسطس 1972، ذلك النهج القائم على التشاور المستمر بينهما حيال مختلف القضايا الدولية والاقليمية والمحلية ذات الاهتمام المشترك.

وقد عكست سرعة الاستجابة البحرينية للدعوة المصرية ادراك القيادة السياسية لضخامة التحديات وحجم المخاطر التي تواجهها المنطقة العربية في تلك الآونة الاخيرة بما يجعل من الحوار منهجاً والتعاون سبيلاً وتبادل الخبرات آلية مهمة للمواجهة.

واذا كان صحيحاً ان تلك الزيارة تأتي في اطار حرص مملكة البحرين على تأكيد موقفها الداعم والمساند للشعب المصري في مطالبه واستحقاقاته ادراكاً بأن مصر كانت وستظل العمق الاستراتيجي لدول الخليج بصفة عامة ولمملكة البحرين على وجه الخصوص وهو ما أكد عليه رئيس الوزراء البحريني الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة خلال استقباله لرئيس الوزراء المصري في يوليو الماضي بقوله "إن مصر سوف تعود اقوى مما كانت عليه لتشارك في ترتيب البيت العربي".

إلا انه من الصحيح ايضاً انها تعكس الرؤية المصرية في حرصها على توثيق تعاونها مع دول مجلس التعاون الخليجي في المجالات كافة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية ايماناً بأن الامن القومي الخليجي جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ويدلل على ذلك حرص رئيس الوزراء المصري على القيام بجولة خليجية اكد فيها أن "مصر تعتبر أمن واستقرار وعروبة الخليج خطاً أحمر لا تقبل المساس به".

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن زيارة العاهل البحريني الى القاهرة تأتي في توقيت مهم يجعلها تحمل في مضمونها حزمة من الدلالات المهمة، أبرزها ما يلي:

1- تعكس مدى ادراك الطرفين لطبيعة المرحلة ومخاطرها من ناحية، وحرصهما على اتخاذ مواقف متقاربة حيال القضايا والمستجدات والتحولات من ناحية اخرى.

2- تعكس ما تتسم علاقاتهما من رسوخ وعمق تؤكده الشواهد الحية والصلات والعلاقات بين البلدين منذ فجر الحضارة الإنسانية ويكفي الإشارة إلى اكتشاف وجود لآثار تدل هذه الروابط بين الحضارة الفرعونية في مصر وحضارة دلمون في البحرين.

ولم يقتصر الامر على التاريخ القديم فحسب، بل من المعلوم كذلك أنه كانت لشعب البحرين وقفات مشرفة إلى جانب الحركة الوطنية المصرية خلال مراحلها المتعاقبة بدءا من مساندته لثورة 1919، مروراً بتفاعله مع ثورة 23 يوليو 1952 وقراراتها الكبرى كما ارتبطت الحركة الوطنية البحرينية ارتباطاً وثيقاً بثورة يوليو خاصة خلال فترة الخمسينات والستينات وفي تلك الأثناء شهدت مدن البحرين مظاهرات حاشدة تضامناً مع الشعب المصري في مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، وصولاً إلى تجاوب البحرينيين مع حملة التبرعات لصالح المجهود الحربي بعد نكسة عام 1967، في مقابل الدور المصري المتميز في تحقيق النهضة البحرينية الشاملة والذي تجسد جلياً في الدور التنويرى الذي لعبته المؤسسة التعليمية المصرية في تأسيس التعليم وارساء اسسه ومؤسساته في مملكة البحرين كأول دولة خليجية تهتم بالعملية التعليمية.

هذا فضلا عن الدور المتميز الذي لعبته الجالية المصرية في الأزمة الأخيرة التي شهدتها البلاد بخروج بعض عناصر المجتمع البحريني وتكويناته عن النسيج الوطنى ومحاولة فرض ولاءات خارجية من خلال سياسة الاضرابات والتظاهرات غير المشروعة، لتسرع الجالية المصرية بالتطوع والعمل من اجل حماية أمن المملكة وأمان مواطنيها وهو ما تجلى ايضاً بوضوح في الانخراط في العملية التعليمية والصحية لسد العجز.

3- تعطي الزيارة دفعة قوية وجديدة إلى علاقات البلدين، خاصة وانها تجسد دبلوماسية القمة في العلاقات الدولية، ما من شأنه أن يسهم في الاسراع بتنفيذ كافة اتفاقيات التعاون بينهما وتذليل ما قد يواجهها من صعوبات ومعوقات، فمن المعلوم ان عدد الاتفاقيات الثنائية بين البلدين تجاوز الثلاثين اتفاقية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاعلامية والصناعية.

هذا فضلاً عن اقامة العديد من المؤسسات المشتركة كمجلس رجال الاعمال المصري- البحريني في ديسمبر 1999، وكذلك الجمعية المصرية البحرينية المشتركة التي تعقد اجتماعاتها عادة في اواخر ديسمبر من كل عام.

صفوة القول إن زيارة العاهل البحريني الى القاهرة ومباحثاته مع المسؤولين المصريين تؤكد بما لا يدع مجالا للشك على عمق وخصوصية العلاقات التي تربط بين البلدين والشعبين الشقيقين، لتصبح ثمة مسؤولية مشتركة على الجانبين في المحافظة على هذه الخصوصية من خلال جملة من السياسات، منها:

- تكثيف حجم الزيارات المتبادلة بين البلدين على مختلف المستويات بدءا من القمة مرورا بكبار المسئولين وصولا الى مسئولى التنفيذ في البلدين.

- العمل على تفعيل المجلس البحريني المصري الذي دعا اليه رئيس الوزراء البحريني خلال زيارته الى المملكة في يوليو الماضي.

- ايلاء مزيد من الاهتمام بالخطاب الاعلامي والرسالة الاعلامية التي تبث عن علاقات البلدين والتي حاول فيها البعض ان يعطى صورة مخالفة لواقع علاقاتهما، خاصة في ضوء الازمة السياسية التي شهدت المملكة مؤخراً، وسعى بعض الاطراف الشيعية خلال زيارتهم الى مصر الى تضليل الرأي العام المصري بحقائق الواقع ومجريات الاحداث التي شهدتها المملكة مؤخراً وجهود كل من القيادة السياسية والحكومة البحرينية في سبيل تجاوز تلك الازمة والحفاظ على مكتسبات المملكة وحقوق مواطنيها والمقيمين فيها.

وفي هذا الاطار، اقترح ان يتم تشكيل مجلس اعلامي شعبي بين البلدين يضم في جنباته ممثلي للسلطة التنفيذية (وزارة الاعلام في مصر- هيئة شئون الاعلام في البحرين)، الى جانب ممثلي الجمعية المصرية البحرينية ومراكز الابحاث المعنية بالشأن البحريني في مصر كنواة أولية لتوضيح الحقائق وكشف زيف الادعاءات وفضح الأكاذيب التي يروجها البعض.

شريف ابراهيم

باحث في الشؤون العربية