دار الأوبرا السلطانية منبر للتواصل الحضاري في عُمان

مسقط ـ من د. حسين شحادة
عظمة المكان وهيبته تتالق عبر تفاصيل المعمار العماني

يأتي افتتاح دار الأوبرا السلطانية في 14 أكتوبر/تشرين الأول تتويجًا لمسيرة التنمية الثقافية المستدامة التي تشهدها السلطنة وانطلاقًا من أهمية التنمية الثقافية كإحدى ثمار النهضة الحديثة ودورها الفاعل في التقارب بين الحضارات.

إن مبنى دار الأوبرا متعدد الاستعمالات يمكنه أن يستضيف فعاليات مختلفة كحفلات الأوبرا والحفلات الموسيقية والمسرحية والمؤتمرات والملتقيات الثقافية والفنية. كما ان انصهار التراث المحلي مع الحداثة في دار الأوبرا السلطانية يعد علامة بارزة توضح مدى الاهتمام بالانفتاح الحضاري على العالم وصولًا إلى التنوع الثقافي الذي تفتخر به عُمان.

وستقدم دار الأوبرا السلطانية مسقط العديد من الفنون الرفيعة والبرامج المبتكرة التي تدعم مجالات المعرفة والإلهام لكافة المرتادين من عُمان وأنحاء العالم.

يعد إنشاء دار الأوبرا السلطانية خطوة كبرى في تطور التصاميم المعمارية العمانية، حيث تم استثمار العمارة التقليدية العربية الإسلامية والأخذ بعين الاعتبار التناسق والتناغم بين العناصر والتشكيلات المختلفة. كما ان الأوبرا سيكون لها دور في تلبية تطلعات ورغبات كافة أذواق روادها إضافة إلى الدور الفاعل للدار في الارتقاء بمجالات الثقافة والفنون.

وتعتبر دار الأوبرا تحفة معمارية حيث تلمس بعض تفاصيل القلاع العمانية المتمثلة في الفتحات المتكررة الواقعة في أعلى الجدران الخارجية إضافة إلى استلهام تراث المشربيات الخشبية التي تميز البيوت العربية في تصميم بعض التشكيلات الخشبية داخل المبنى وفي تصميم الفوانيس والثريات.

وشيد مبنى الأوبرا في 8 طوابق تقع 3 منها تحت الأرض و5 تقع فوقها، ويمتد مبنى الأوبرا من شمال الموقع إلى جنوبه ويقطع المبنى رواقان من الأعمدة يمتدان على جانبيه الشرقي والغربي.

ويشكل إنشاء دار الأوبرا السلطانية مسقط منجزًا جديدًا من منجزات النهضة العمانية في إطار الجهود الحثيثة المتواصلة التي تقوم بها السلطنة بهدف إعطاء جل الاهتمام للإنسان العماني في كافة مراحل الحياة ومنها مجالات الثقافة والفنون تمكينًا للمجتمع من التواصل مع حضارات وثقافات العالم.

كما يأتي إنشاء دار الأوبرا السلطانية خطوة كبرى في تطور التصاميم المعمارية العمانية وهي التصاميم التي يمكن للناظر بجلاء تلمسها كذلك في جامع السلطان قابوس الأكبر بمسقط وعدد من المنشآت الأخرى، حيث تم استثمار العمارة التقليدية العربية الإسلامية وعناصر هذه العمارة لخدمة الأغراض المستهدفة، إلى جانب الأخذ بعين الاعتبار التناسق والتناغم بين العناصر والتشكيلات المختلفة مع مراعاة اختيار المواد المناسبة التي اشتهرت بها العمارة العربية الإسلامية

مثل استعمال الحجارة الكبيرة والأخشاب التي يتم تزيينها بنقوش بالغة الدقة والتعقيد، إضافة إلى الإيحاءات التاريخية المستمدة من التراث المعماري بالمنطقة.

إن دار الأوبرا السلطانية سيكون لها دور في تلبية تطلعات ورغبات كافة أذواق روادها، إضافة إلى الدور الفاعل للدار في الارتقاء بمجالات الثقافة والفنون، وبحيث تصبح منارة مضيئة تسهم في التفاعل من خلال تلك الجوانب إقليميًّا والانتقال بها لاحقًا إلى العالمية.

ويمكن تلمس بعض آثار التراث المعماري الذي يعود للعهد المملوكي، كما يتم مشاهدة الزخرفة المغولية الهندية في الكوات العديدة على الجدران. ويمثل الرخام دورًا أساسيًّا في تصميم دار الأوبرا، إذ إن استعمال رخام (الترافرتين) الجيري بشكل كبير ينتج بريقًا بديعًا في الأجزاء الداخلية والخارجية، مما يضفي على المكان سمات الاتساع والإضاءة، كما أنه ينتج مجالًا للرؤية العميقة من خلال الأروقة والعقود المتتابعة.

وهكذا يتميز الأسلوب المعماري الكلي لدار الأوبرا السلطانية مسقط بأنه عابر للأزمنة وبهذا يقف برسوخ قدم على أرضية التراث المعماري الإسلامي، كما يحمل نفحات من الماضي الذي يعانق الحاضر والقادر على المضي بخطوات واثقة في رحلة الزمان المتطورة نحو المستقبل.

وشيدت دار الأوبرا السلطانية في مساحة شاسعة تبلغ ثمانين ألف متر مربع في منطقة قريبة من شاطئ القرم في العاصمة مسقط وتبلغ المساحة المبنية ما يربو على خمسة وعشرين ألف متر مربع، وموقع دار الأوبرا يمتد من جهة الغرب إلى جهة الشرق يحده من جهة الشمال "شارع الخارجية"، ومن جهة الجنوب "شارع السلطان قابوس"، والى أقصى الغرب يوجد موقف للسيارات (1) مخصص لضيوف دار الأوبرا ويرتبط من خلال ممشى مرتفع بمبنى المجمع التجاري "السوق" (2) الذي يحتوي على محلات ومطاعم ومعارض وأمام موقف السيارات مباشرة يوجد الميدان الكبير (3)، وهو ساحة مفتوحة كبيرة تقع بجوار دار الأوبرا، وتم تصميمها لتستضيف العروض الخارجية، وقد زود الميدان بوسائل دعم صوتي وضوئي تمكنه من استضافة أنواع مختلفة من العروض والفعاليات كالمسرحيات والحفلات الموسيقية وتطل على الميدان شرفات المطاعم الموجودة في المجمع التجاري.

وفي الطرف الشمالي للرواق الغربي يوجد مسرح (الأستوديو) ويسمى أيضًا "الصندوق الأسود" الذي يمكنه أن يستضيف فعاليات يحضرها نحو 80 شخصًا، ومن هذا الرواق كذلك يمكن الوصول إلى المبنى الرئيسي عبر شرفة تفضي إلى بهو الميدان الذي يحتوي على مبنى بيع التذاكر.

وتقع واجهة المبنى في الجانب الجنوبي، حيث تسمح التسقيفة هناك بوقوف السيارات التي يمكن للضيوف أن يترجلوا منها داخل القاعة الجنوبية الداخلية (8) ومنها إلى الردهة الرئيسية لدار الأوبرا (9)، وداخل دار الأوبرا توجد القاعة الرئيسية (10) التي يمكن أن تستضيف 110 أشخاص وتقع على الجانب الشمالي الجنوبي للمبنى، كما يمكن الوصول إلى المبنى الرئيسي عبر الرواق الشرقي (11) من خلال القاعة الشرقية (12). كما يحتوي الطابق على مجلسي استقبال في كل من الجهتين الشرقية والغربية للمبنى بالإضافة إلى الجناح الخاص (20) المخصص لكبار الشخصيات في ذات الجانب من المبنى يوجد طريق جميل التصميم مخصص للموكب السلطاني يؤدي إلى بهو الاستقبال السلطاني ويطل الطريق على الحدائق والمسطح الأخضر الكبير الذي يشكل منطقة عرض إضافية.

ويحتوى الطرف الشمالي للمبنى على خشبة المسرح (14) إلى جانب غلاف خشبة مسرح قابل للحرك ومنطقة مسقوفة يمكن من خلالها الوصول مباشرة إلى خشبة المسرح لتحميل وتنزيل المشاهد والمعدات والتجهيزات، ويحتوي الطرف الأبعد من المبنى على المكاتب الإدارية وغرف تغيير الأزياء.

أما المناطق العليا في المبنى أي الطابقين السابع والثامن من المبنى فيحتويان على المزيد من المرافق لأداء الفعاليات التي تقام في الهواء الطلق، ويتسم الطابق الثامن بإطلالته على مشاهد بديعة الجمال، إذ يطل على البحر من جهة الشمال وعلى الجبال من جهة الجنوب.

إن الأوبرا التي تم افتتاحها في 14 اكتوبر/تشرين الأول جاءت لتؤكد أن السلطنة ماضية وبكل الامكانيات المتاحة للتطوير الذي يتوافق مع العصر الذي نعيشه وتمضي الخطوات سريعة ومحسوبة وليست نمطية وإنما هي تؤكد للعيان أن عمان المتحضر يعزف على أوتار الحياة العصرية ولاشك أن "الأوبرا السلطانية" - التي سوف تشهد العديد من الفعاليات المنتظرة - ليست مكانا مبهرا من حيث المباني والجماليات فقط والتي جاءت بشكل لافت ومبهر بحق ولكن هي تعني الكثير والكثير من المعاني الأدبية والفنية لأنها سوف تنعش الحركة الفنية في السلطنة بل في المنطقة بأسرها.

وبدون شك فإن العالم سوف يرى على الطبيعة ذلك المشهد الحضاري العماني الذي تدخل به التاريخ من أوسع أبوابه؛ حيث سيسجل وبكل فخر أن السلطنة من أهم الدول الخليجية والعربية التي تهتم بالفنون على كل مستوياتها. بالإضافة إلى ذلك سوف تنعش المكان الحركة التجارية لأنه يضم بين جدرانه "المركز التجاري" المعروف بالمركز التجاري لدار الأوبرا والذي من المقرر افتتاحه في مطلع 2012 والذي سيحمل اسم "أوبرا جاليريا" ويضم مجموعة من العلامات التجارية، وبالتالي المكان سوف تكون له العديد من الأنشطة الفنية والتجارية والاجتماعية، وهو ما يجعل المبنى الكبير مفخرة وأسطورة عمانية.

وكما جاء في تصريحات مدير المشروع المهندس حامد بن عبدالله الغزالي الأخيرة للصحف بأن "دار الأوبرا السلطانية مثال حي للنهوض بالفكر والأدب العماني". وتعبّر تلك التصريحات عن مدى التقنية التي تتمتع بها "دار الأوبرا السلطانية" ويكفي أن مقاعد الجلوس في قاعة المسرح ستكون قابلة للتعديل وفقا لنوعية العرض سواء كان أوبرا أو مسرحية أو حفلا موسيقيا.

الحقيقة نحن أمام ملحمة تاريخية تسجل أسطورة بحق عمانية لنا أن نفخر بها على كل المستويات الخليجية والعربية.

تحية من القلب لكل من شارك في هذا العمل التاريخي الذي يخطو بعمان دوما إلى الازدهار والتقدم. الحدث الكبير الذي يضيء السلطنة ألا وهو افتتاح "دار الأوبرا السلطانية".