الكشف عن وثيقة لجوء الجواهري إلى براغ قبل نصف قرن

بقلم: رواء الجصاني
وثيقة تاريخية تنشر لاول مرة

تناول جمع من الباحثين، وغيرهم، وفي فترات زمنية متفاوتة، مواقف الجواهري من النظام الجمهوري الاول في العراق (1959- 1963) بقيادة الزعيم (ثم اللواء) الركن عبدالكريم قاسم، تأييداً ودعماً من جهة، وانتقاداً، واختلافاً، بل وتحذيراً مما ستؤول اليه الاوضاع، من جهة أخرى، ومعروف ما آلت اليه فعلاً .

وقد طفحت في عدد من تلكم الكتابات / البحوث ذات الصلة، عواطف واجتهادات بنيت على السماع احياناً، وبدون أية اسانيد وان راحت ضعيفة.

وقد سبق ان توقفنا عند بعضها، بهذا الشكل او ذاك، في شهادات ورؤى غير مرة، في الاعوام العشرة الاخيرة، مع تبيان بعض الاراء بصدد حركة (ثورة / انقلاب) الرابع عشر من تموز 1958 في العراق، ومن بينه كتابتنا المنشورة عام 2008 والموسومة "وصفي طاهر: رجل من العراق" وفيها العديد من المؤشرات ذات العلاقة، على ما نزعم.

وبهدف المزيد من التأرخة والتوثيق ننشر في السطور التاليات مقتطفات وفيرة من وثيقة نادرة، يعود زمنها الى نصف قرن مضى بالتمام والكمال، وفي ثناياها جملة من الوقائع التي ثبتها الجواهري بخط يده، لتسلط المزيد من الاضواء على شؤون عراقية تاريخية ووطنية، ولتضيف جملة تقييمات أرخ لها الجواهري شعراً في فرائد عديدة، فضلاً عما تناولته ذكرياته الصادرة في دمشق عام 1989.

ففي براغ التي كان الجواهري قد وصل اليها، اول الأمر، ضيفاً على اتحاد الادباء، كتب الى الجهات الرسمية بتاريخ 20/6/1961 طلباً باللجوء السياسي، قائلاً ان الاسباب الموجبة لذلك يمكن تلخيصها بما يلي:

"أولاً: تمشياً مني على النهج الذي سلكته طيلة حياتي في مجالات السياسة والصحافة والشعر والأدب من أن أكون إلى جانب الجماهير في كل ما يمسُّ مصالحها فقد تعرضت منذ سنتين، وفي خلال الحكم الراهن في العراق لكثير من المضايقات على يد الحاكمين مما يطول شرحه.

ثانياً: ان هذه المضايقات اشتدت في الآونة الأخيرة وقبل عدة شهور بحيث اصبحت ليس فقط مما تجعل استمرار الحياة عليّ وعلى عائلتي المؤلفة الآن من زوجتي وبنتين، عسيرة ، بل انها أضحت تكوّن خطراً على حياتي الشخصية. فقد بلغت قبل شهرين تقريباً حد اعتقالي وسجني – وأنا أناهز الستين من عمري – بأسباب كاذبة مفتعلة – وبعد حدوث ضجة كبيرة من الناس في العراق وفي خارجه اضطر الحاكمون لاطلاق سراحي ولكن بكفالة اولاً، ثم باقامة دعاوى سياسية خطيرة، يتحتم عليّ بموجب القوانين العرفية، أن امثل أمام المجالس العسكرية القاسية وان اتلقى احكامها الصارمة بحجة انني اخالف سياسة الحاكمين وأسعى لاثارة الشعب العراقي.

ثالثاً: لقد لجأ الحاكمون في مضايقتي ومضايقة عائلتي الى اساليب غريبة غير مألوفة لدى العالم المتمدن. مثل تحريض بعض رجال الأمن السريين، في منظمة "الامن العام العراقي" على الاعتداء عليّ كما حدث قبل اعتقالي بيوم واحد حيث رميت بسهم حجري اصاب عيني اليسرى وكاد يتلفها لولا عناية الاطباء. وقد شخص الناس الرجل الذي رماني وسموه باسمه وهو موظف في "منظمة الأمن العام" كما ذكرت. بل انني قلق الان خوفاً على عائلتي من الاساليب الارهابية الفاشستية التي قد يتعرضون لها في بغداد.

رابعاً: لقد لجأ الحاكمون الى وضع الحجز المالي على مطابع جريدتي (الرأي العام) مما أدى إلى توقفها وتعدوا ذلك الى حد وضع الحجز المالي حتى على اثاث البيت الذي نسكنه بالايجار.

خامساً: لقد لجأوا الى الايعاز وبصورة مكشوفة الى كل الصحف القذرة المأجورة لكل حاكم في العراق الى التهجم عليّ وعلى عائلتي تهجماً قاسياً ومستمراً دون ان املك حق الدفاع عن نفسي."

ويستمر الجواهري في توضيح بعض التفاصيل، وجوانب من الوقائع فيقول:

"ان كل هذه الاضطهادات معروفة ومشهورة ليس للشعب العراقي وحده بل ولكل الشعوب العربية بل ولكثير من الشعوب غير العربية التي تعرفني."،

اما توقيع طلب اللجوء فكان - بحسب الوثيقة ذاتها: "محمد مهدي الجواهري، الشاعر العراقي، ورئيس اتحاد الادباء العراقيين، وصاحب جريدة (الرأي العام) المحتجبة، وعضو المجلس الأعلى لأنصار السلام ببغداد".

أخيراً يهمنا التنويه هنا الى ان من تفضل علينا مشكوراً بتوفير هذه الوثيقة التاريخية التي تنشر لأول مره، هو الاستاذ أحمد الجبوري السكرتير الاول في سفارة جمهورية العراق ببراغ، وقد عثر عليها في ارشيف وزارة الخارجية التشيكية، خلال بحثه فيه وهو يستكمل متطلبات دراسته العليا، قبل نحو عامين.