صفقة شاليط تثير جدلاً إسرائيلياً أيضاً

بقلم: معتصم حمادة

لعل الجدل الذي أثارته صفقة الأسرى في الصف الإسرائيلي يشكل فرصة إضافية لإلقاء المزيد من الضوء على الخارطة الإسرائيلية ورسم إحداثيات جديدة للنشاط الدبلوماسي والسياسي، ويما يخدم مصلحة شعب فلسطين وقضيته الوطنية.

لن أتطرق إلى ردود الفعل والتعليقات الفلسطينية على صفقة التبادل، بين الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط ودفعات من المعتقلين الفلسطينيين في سجون العدو.

ليس لعدم أهمية ذلك، بل لأن بعض هذه الردود، والتعليقات، نزلت وانحدرت، إلى مستوى المناكفة والمهاترة، التي لا تخدم الموضوع الفلسطيني، بقدر ما تسيء إليه، وتلحق به ضرراً.

من الواضح تماماً أن خلفية هذه المهاترات إما الاستغراق في الانقسام، بحيث يمتد الانقسام حتى إلى القضايا المتفق عليها، لنؤكد حقيقة انقسامنا على أنفسنا. وإما انطلاقاً من عقل سياسي يشكو الضعف ويذهب بعيداً في محاكمته للأمور، بحيث يفقد صفته كعقل، وتبدو أحكامه غير عقلانية تماماً، كتلك الأحكام التي صدرت عن البعض إزاء الخطوة الفلسطينية نحو الأمم المتحدة، فأدخلت الحابل بالنابل، وخلطت ما بين الأوراق، تلك التي على صلة بالموضوع وتلك التي بلا صلة، فانكشف مرة أخرى العقل السياسي لدى البعض، عاجزاً عن قراءة اللحظات التاريخية، والمنعطفات المهمة، الأمر الذي يدعو لإبداء القلق الشديد (في الحالتين: الصفقة..والخطوة نحو الأمم المتحدة) خاصة وأن بعض هذه الآراء غير المتزنة، صدرت عن جهات يفترض بها أن تكون مسؤولة عن شعب، وقضية ومصير وطن وحركة وطنية ومقاومة.

كما لدى الفلسطينيين ردود فعل وتعليقات، كذلك لدى الإسرائيليين، بعضها يشبه في تطرفه ومزايداته المواقف الفلسطينية، وبعضها الآخر، يستحق التوقف، إما لأنه خبيث، ويحاول أن يسخر من ذاكرة التاريخ، وإما لأنه موضوعي، يستحق أن نلفت النظر إليه، وإما لأنه "واقعي" بالمقياس الإسرائيلي، يجب أن لا يفلت من بين أيدينا، وأن نحاكمه وأن نكشف حقيقة "الواقعية" الإسرائيلية.

شمعون بيريس، رئيس الدولة عند العدو، يفترض أن يوقع قرار الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين. لذلك وقع، كعادته في مرات سابقة، وأرفق توقيعه بعبارة تحمل موقفه الخبيث، وتكشف محاولته الالتفاف على التاريخ وذاكرته.

كتب "لن أنسى..لن أغفر" وهو بذلك يحاول أن يقدم نفسه، كما يقدم من معه، على أنهم ضحايا عمليات إجرامية وإرهابية على يد هؤلاء المعتقلين الخارجين إلى فضاء الحرية.

طبعاً لن تدخل في سجال مع بيريس، بحيث نذكره بالوقائع التاريخية التي اعترف بها المؤرخون الإسرائيليون الجدد، وكشفوا من خلالها العشرات من المجازر الجماعية، التي تنطبق عليها أوصاف جرائم الحرب، وبحيث نذكره بما أوردته نشرة "زخروت" العبرية ـ العربية، من شهادات لمسلحين يهوداً في العصابات الصهيونية، عن جرائم إرتكبوها ضد الفلسطينيين في معارك النكبة (التي زورتها إسرائيل وأطلقت عليها أسم "حرب الاستقلال").ولن نذهب مع بيريس إلى الأشهر القليلة الماضية، ونتجول معه في غزة وجنين، وصبرا وشاتيلا، وباقي المخيمات، وكذلك في الخليل وغيرها.بل سنذهب معه إلى كتابه حول الشرق الأوسط الجديد الذي دعا إليه، لنقرأ معه عبارات السلام والتغني بالسلام وضرورة أن ينسى كل منا تاريخه المأساوي، وأن ينسى حقده على الآخر، وأن يفتح للسلام صفحة جديدة، بحيث نصل معاً إلى ما أسماها بيريس بالحلول الوسط، وهي كلها، للحقيقة، تتم على حساب الفلسطينيين، لأنها تقوم على توفير الحد الأقصى من المكاسب للإسرائيليين، والاستجابة للحد الأدنى من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.بيريس في كتابه حاول أن يقدم نفسه رجل سلام، لكنه السلام الذي يخدم مصالح مشروعه الصهيوني، ويحاول هنا أن يقدم نفسه ضحية، لكنها الضحية التي تحتجز شعباً بأكمله (وليس فقط ثمانية آلاف فلسطيني) خلف قضبان الاحتلال. فعلى من تقرأ أكاذيبك يا بيريس؟

الصفقة لقيت انتقاداً، كشف فيه أصحابه عن خلفياتهم السياسية، وعن طبيعة الجدل الذي يدور في الأوساط الإسرائيلية، في اختلاف اتجاهاتها.

بعض هذه الأوساط انتقد حكومته نتنياهو لأنها أطلقت سراح معتقلين فلسطينيين متهمين من قبل إسرائيل بجرائم إرهابية (وفقاً لمقاييس إسرائيل) وللطعن أكثر في طبيعة الصفقة، صور هؤلاء الأمر وكأن حكومة نتنياهو أطلقت سراح مجموعات من المجرمين الفلسطينيين، وأن على الإسرائيليين أن ينتظروا قريباً نتائج هذه الصفقة: المزيد من القتلى الإسرائيليين على يد من أطلق سراحهم.

كما انتقد آخرون هذه الصفقة، لأنها بنظرهم سوف تشجع وتحفز الفلسطينيين على أسر ("خطف" حسب التعبير الإسرائيلي) المزيد من الإسرائيليين جنوداً ومدنيين، للمبادلة بهم، وإطلاق سراح دفعات جديدة من "المخربين".

مثل هذه الانتقادات لم تخرج نفسها من الدائرة التي تقول إن الصراع مع الفلسطينيين سيدوم ويدوم طويلاً، وأن إمكانية الوصول إلى السلام مستحيلة.

مثل هذه الآراء لا تستطيع أن تتصور إسرائيل إلا دولة معادية، تمارس الاحتلال والاستيطان والقتل والاعتقال.هذه هي برأيهم، إسرائيل "على طبيعتها" لذلك تراهم يتحسبون لمستقبل هذه الإسرائيل الدولة ـ الثكنة، والتي لا يستقيم لها العيش، ولا تعيش حياة طبيعية إلا في حروب ضد الآخرين.

إسرائيل هذه التي تصاب بمرض عضال إذا ما هي انتقلت من الحرب إلى السلام.

مثال ذلك انظروا إلى تشخيصها للشعب الأردني، الذي مازال شعباً عدواً، رغم معاهدة وادي عربة (وإلا فلماذا لا تطلق إسرائيل سراح الأسرى والمعتقلين الأردنيين في سجونها) وانظروا إلى تشخيصها للشعب المصري الذي ما زال عدواً، رغم معاهدة كامب ديفيد (وإلا فلماذا لا تطلق إسرائيل سراح الأسرى والمعتقلين المصريين في سجونها).

• أوساط أخرى، وذات صوت منخفض. وضعت إصبعها على الجرح حين تساءلت ما قيمة إطلاق سراح ألف أسير فلسطيني، ولا يطلق سراح الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. هذه الأصوات دعت حكومة نتنياهو إلى الوصول إلى حل سلمي مع الفلسطينيين، ووضع حد للصراع معهم، وإنهاء احتلال إسرائيل للمناطق الفلسطينية، وإزالة العراقيل الإسرائيلية من أمام قيام دولة فلسطينية.

هذه الأصوات، تتحلى بالديمقراطية، لكنها في الوقت نفسها، تقدم نفسها باعتبارها أكثر حرصاً على إسرائيل من حكومتها. فهي ترى في الاحتلال والاستيطان، والسياسة الإسرائيلية في الضفة ما يلحق الضرر بسمعة إسرائيل دولياً، لذلك وحرصاً منها على هذه السمعة، وعلى موقع إسرائيل أمام الرأي العام الأوروبي تحديداً، تدعو إلى حل مع الفلسطينيين.

لا ترسم هذه الأصوات حدود هذا الحل، ولا ترسم ما يجب على إسرائيل أن "تقدمه" في إطار هذا الحل، لكنها في كل الأحوال، ترى في الاحتلال عملا خاطئاً يجب التراجع عنه. وأياً كانت خلفية هذه الأصوات، فإن دعوتها لإنهاء الاحتلال، لا بد أنها ـ مهما كانت نسبية ـ دعوة جيدة. من المفترض البحث عن الأساليب والطرق لتشجيعها على المضي في هذا الاتجاه.

وهكذا، وكما في الحالة الفلسطينية جدل ونقاش حول الصفقة، كذلك في الحالة الإسرائيلية.

ولعل هذا الجدل والنقاش في الصف الإسرائيلي فرصة إضافية للفلسطينيين لإلقاء المزيد من الضوء على الخارطة الإسرائيلية الداخلية، ورسم إحداثيات جديدة للنشاط السياسي والدبلوماسي، وبما يخدم مصلحة شعب فلسطين وقضيته الوطنية.

معتصم حمادة