هذا هو جسر الانتقال إلى الديمقراطية!

بقلم: جواد البشيتي

كل شيء في الحراك الشعبي الذي تعرفه بلاد "الربيع العربي" يعتمد اعتماداً أساسياً على الفترة، أو المرحلة، الانتقالية، لجهة طولها، وخواصِّها وسماتها الجوهرية؛ فمن غير عملية انتقالية كافية سياسياً لن نرى من التغيير السياسي والديمقراطي إلاَّ ما يَضْمَن لنظام الحكم القديم، القائم على الاستبداد الشرقي، والذي لا فَرْق جوهرياً بين "الجمهوري" منه و"الملكي"، بقاء أُسُسه نفسها، أو الأهم منها.

والحاجة عندنا إلى فترة انتقالية مخصوصة تشتد؛ لأنَّ مجتمعنا لم يعرف، أو لم يُمَكَّن من أنْ يعرف، حياة حزبية سياسية حقيقية، يتهيَّأ فيها، وبها، للمجتمع، أو للشعب، من الأسباب والشروط ما يكفي لإنشاء وتطوير تمثيل حزبي سياسي له، يقوم على التعدُّدية.

أوَّلاً، وقبل كل شيء، لا بدَّ من الحراك الشعبي، وفي نموذجيه التونسي والمصري على وجه الخصوص؛ فالآلاف وعشرات الآلاف من المواطنين يجب أنْ ينزلوا إلى الشوارع والميادين والساحات العامة في العاصمة وسائر المدن المهمة، وأنْ يعتصموا ويحتشدوا، ويعبِّروا عن مطالبهم العامة، وينظِّموا أنفسهم (وحراكهم) بأنفسهم؛ فهذا الحراك الدائم المستمر المتعاظِم السلمي هو وحده أداة الضغط والتغيير الكبرى التي لدى الشعب في صراعه من أجل الدولة المدنية الديمقراطية التي فيها، وبها، تكون السيادة الفعلية والحقيقية للشعب، وللشعب وحده.

أمَّا الهدف والغاية من هذا الحراك فهما "إقناع"، أو "اقتناع"، من لديه اليد الطولى في نظام الحكم القائم، بأهمية وضرورة بدء فترة انتقالية طويلة نسبياً، وبخواص وسمات سياسية وأمنية وإعلامية..تكفل للشعب نشاطاً سياسياً وديمقراطياً يمكن، ويجب، أنْ يتوَّج بالتأسيس لنظام حكم جديد، تكون فيه السيادة الفعلية والحقيقية للشعب.

وإنَّ أهم سمات وخواص هذه الفترة الانتقالية، على ما أرى، أنْ تَكُفَّ الدولة، من خلال كبار ذوي السلطة والنفوذ، يد الأجهزة الأمنية عن الحراك الشعبي السلمي، وأنْ تتولَّى بالتعاون مع منظِّميه الحفاظ على أمن وسلامة المتظاهرين والمشاركين فيه، وعلى الأمن والنظام العام على وجه العموم.

وفي هذه الفترة الانتقالية، التي قد تدوم سنة مثلاً، تتصرَّف الدولة (وأمنياً في المقام الأوَّل) بما يُشْعِر كل مواطن، وكل مجموعة أو جماعة من المواطنين، بزوال كل الأسباب التي كانت تمنع الناس من التعبير بحرية تامة عن أفكارهم وآرائهم ووجهات نظرهم وميولهم ومعتقداتهم ومشاعرهم ومطالبهم..؛ فـ"الشفافية" السياسية والفكرية يجب أنْ تسود، و"الباطنية" السياسية والفكرية يجب أن تنتهي؛ وينبغي للفرق بين باطن المرء وظاهره أنْ يضمحل ويتلاشى.

وفي هذا المناخ، يصبح ممكناً (وضرورياً) أنْ يُقْبِل المواطنون على تنظيم أنفسهم بأنفسهم، سياسياً، من خلال إنشاء وتكوين الأحزاب والجمعيات، فكل مجموعة متشابهة سياسياً وفكرياً، وبمصالحها وحاجاتها ومطالبها، وبصرف النظر عن عدد أفرادها، يُمْكِنها، ويحقُّ لها، أنْ تنتظم في الشكل الذي تريد؛ لا بدَّ من السير في هذا المسار ولو كانت العاقبة ولادة العشرات والمئات من الأحزاب والمنظمات والجمعيات السياسية (وغير السياسية) فالمنافسة الحرة في النظام السياسي الديمقراطي لن تبقي، في آخر المطاف، من هذا السمك الكثير إلاَّ القليل منه، والذي يصلح للبقاء والاستمرار؛ فلا تخشوا ازدحام الشارع السياسي بالأحزاب، أو "الدكاكين"، فـ"السوبر ماركت (أو الموول)" تكون له الغلبة في النهاية!

كيف تنتهي (أيْ كيف يمكن ويجب أنْ تنتهي) هذه الفترة الانتقالية الضرورية والحيوية، والتي فيها الحد الفاصل ما بين نظام الحكم القديم ونظام الحكم الجديد؟

إنَّها تنتهي بما يمكن ويجب أنْ يؤسِّس لـ "الجمهورية الثانية" إذا ما كان نظام الحكم العربي جمهورياً، ولـ "المملكة الثانية" إذا ما كان نظام الحكم العربي ملكياً؛ وهذا إنَّما يعني، ويجب أنْ يعني، أنْ تنتهي (أيْ تتوَّج) الفترة الانتقالية بالانتخاب الحر لـ "جمعية تأسيسية"، تَضَع دستوراً (ديمقراطياً) جديداً للبلاد، ويتضمَّن (في ما يتضمَّن) نظاماً أو قانوناً جديداً (ديمقراطياً عصرياً) للانتخاب؛ على أنْ يُعْرَض هذا الدستور (أيْ مشروع الدستور) على الشعب، ليقول كلمته فيه في استفتاء شعبي؛ وهذا الدستور يجب أنْ يتضمَّن كل الحقوق التي يتمتَّع بها الأفراد والجماعات في الدول التي عرفت الحياة الديمقراطية الحقيقية منذ زمن طويل؛ فهذه حقوق عالمية، غير قابلة للاجتزاء والانتقاص بدواعي الخصوصية القومية والثقافية..

وإنَّ هذا الذي تنتهي (أيْ يجب أنْ تنتهي) إليه الفترة الانتقالية، بسماتها وخصائصها الجوهرية التي شرحنا وبسطنا أهمها، يعني عملياً وواقعياً التأسيس لـ "بنية تحتية (دستورية وقانونية وسياسية..)" لنظام حكم جديد (أكان جمهورياً أم ملكياً) يتحقَّق فيه، ويتأكَّد، مبدأ "السيادة (الفعلية والحقيقية والتامة) للشعب"، ويَجْعَل "التغيير (كل تغيير)" يريده الشعب، أي الغالبية الشعبية، ممكناً، ويُكْسِب مبدأ "التداول السلمي الديمقراطي للسلطة" كل ما افتقده حتى الآن من واقعية وصدقية وثقة شعبية، فـ "السلطة الفعلية الحقيقية" لا "الشكلية (أو الجزئية، أو المنقوصة)" هي التي يجب أنْ تكون محل تداول (بين الأحزاب والائتلافات الحزبية البرلمانية).

أقول ذلك وأنا أعلم أنَّ المصالح الفئوية الضيقة للقابضين على زمام الحكم والسلطة، والتي لا يمكن أنْ تكون متصالحة مع نظام الحكم الديمقراطي الجديد، هي التي تَدْفَع أصحابها إلى خوض الصراع بطرائق وأساليب ووسائل لا يمكن أنْ يترتب عليها من النتائج إلاَّ ما من شأنه أنْ يُظْهِر ويؤكِّد عمق الانفصال بين "الدولة" و"المجتمع".

جواد البشيتي