رمز الربيع العربي تطرد إحباطاتها في انتخابات تونس

سيدي بوزيد (تونس) - من أندرو هاموند
مع الانتخابات، المستقبل في متناول اليد

في البلدة التي انطلقت منها شرارة انتفاضات "الربيع العربي" اصطف التونسيون امام مراكز الاقتراع للمشاركة في الانتخابات التي ما كانت لتجري على الارجح لولا تصرف أحد ابنائها بدافع من اليأس العام الماضي.

لقد أشعل محمد البوعزيزي النار في نفسه في ديسمبر/كانون الاول الماضي احتجاجا على عجرفة وفساد الدولة البوليسية التي حرمته هو ومعظم ابناء الشعب التونسي من حقوقهم السياسية والاقتصادية.

انتابت حالة من اليأس الشاب الجامعي العاطل بسبب مصادرة الشرطة للعربة التي يبيع عليها الخضر والفاكهة لانها غير مرخصة.

وتوفي البوعزيزي متأثرا بجراحه بعد ذلك بأسبوعين لكن الانتفاضة التي أوقد رحيله شرارتها أدت الى فرار الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الذي حكم البلاد 23 عاما الى السعودية في 14 يناير/كانون الثاني.

وأدلى الناخبون التونسيون بأصواتهم في انتخابات المجلس التأسيسي الذي سيضع دستورا جديدا ويشكل حكومة مؤقتة في ما يمثل حقبة جديدة قد تحدد المعايير للدول العربية الاخرى التي طالب المحتجون فيها بالتغيير ولحكومات سارعت الى تطبيق اصلاحات تفاديا لاندلاع اضطرابات في الشوارع.

وقام مسؤولو الانتخابات بتونس بفرز الاصوات الاثنين.

وقال مكرم سليماني وهو مزارع امام مبنى البلدية الذي أحرق البوعزيزي نفسه عنده في مستهل الربيع العربي الذي هبت نسماته على دول كثيرة "انه الرمز وهو السبب في الثورة".

وأضاف "لم ينو احراق نفسه حتى الموت. لكنه ضحى بنفسه من أجل شيء في نهاية المطاف. كان القدر والناس كانوا ضاقوا ذرعا".

كانت سيدي بوزيد نقطة انطلاق مثالية لعام من الثورات أطيح خلاله بالرئيس المصري حسني مبارك في فبراير/شباط والزعيم الليبي معمر القذافي في اغسطس/اب فيما لايزال الرئيس السوري بشار الاسد واليمني علي عبد الله صالح يقاومان احتجاجات شعبية للاستمرار في الحكم.

وسيدي بوزيد بلدة اقليمية منسية في حزام شبه قاحل لا يطل على الساحل التونسي وهي تبين الفجوة في توزيع الموارد في البلاد التي تبدو على عاصمتها ومدنها الساحلية في الشمال مظاهر واضحة للثروة والاستهلاك.

ويتطلع التونسيون الى تحسن الاقتصاد الذي تباطأ في أعقاب الثورة. وعلى الرغم من أن سيدي بوزيد لا تزال محبطة وتعاني من ارتفاع معدل البطالة فان السكان يقولون انه لا خيار سوى المشاركة في بناء المستقبل.

ويقضى جعفر العفي (23 عاما) -الذي يساعد والده في متجر الخضر والفاكهة الذي يملكه لانه عاطل عن العمل- نهاره على مقهى يتجمع فيه الشبان العاطلون.

وتذكر كيف كانت الشرطة تتعامل مع المواطنين في عهد بن علي وهو وزير داخلية سابق أطاح بالرئيس التونسي الاسبق الحبيب بورقيبة في انقلاب ابيض. ويقول العفي ان المشاركة وحدها هي التي ستحقق التغيير.

وقال "الاغلبية ستصوت لانها تريد أن يجد الناس حلولا" وكان ينوي الادلاء بصوته في وقت لاحق الاحد.

وأضاف "الزاوية الاقتصادية هي الاهم. يجب أن يكون هناك المزيد من التوازن بين الشمال والجنوب. قبل ذلك كنت اذا أخبرت أحدا من سوسة أنك من سيدي بوزيد كان سيسألك أين".

ولا تزال الكتابات على الجدران التي ترجع الى ايام الثورة والاشهر التي تلتها منتشرة في البلدة بالعربية والانكليزية والفرنسية مثل "دافع عن حقك" او "ارفع رأسك عاليا يا تونسي الكل فخورون بك".

وتركت عائلة البوعزيزي البلدة.

وصرف لهم بن علي 20 الف دينار تونسي (14 الف دولار) في محاولة يائسة لتهدئة الاضطرابات فتركوا المنزل المكون من طابق واحد بأحد أحياء سيدي بوزيد الفقيرة حيث كان أفراد الاسرة ينامون على حشيات على الارض وانتقلوا الى فيلا في ضاحية المرسى الراقية بالعاصمة.

وقالت منوبية والدة البوعزيزي في مقابلة عشية الانتخابات التاريخية "هذه الانتخابات لحظة انتصار لروح ابني الذي مات دفاعا عن الكرامة والحرية ووقوفا في وجه الظلم والاستبداد".

وأضافت "كل هذا لم يكن ليكون لو لم يثر ابني ضد القمع والتهميش والاهانة".

وتابعت وقد اغرورقت عيناها بالدموع "ما اتمناه هو ان يحافظوا على امانة ابني وان يفكر من سيحكم البلاد في مصير الفقراء والمهمشين في المناطق الداخلية للبلاد".

ويشكو البعض في سيدي بوزيد من أن أسرة البوعزيزي أدارت ظهرها لهم وحسنت وضعها من خلال وفاة ابنها.

وقال العفي "لكل واحد قصة عن البوعزيزي وبالتالي لا تستطيع أن تعرف ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي. لا أريد التكهن. من يدري لماذا ذهبوا فعلا الى تونس العاصمة".