التراث الثقافي غير المادي للعالم الإسلامي يبعث من تلمسان

الجزائر ـ من السعيد تريعة
التقت القارات وتعانقت الثقافات بلغة الفن والحركات

تعارفت الثقافات وتحاورت المهارات وتوحدت الإنسانية بعاصمة الزيانيين لتتكلم لغة واحدة جوهرها مورث الانسان المخترق للمكان والزمان من خلال معرض التراث الثقافي الشفهي وغير المادي للبشرية بالبلدان الاسلامية المنظم بمتحف تلمسان للفن والتاريخ، ضمن تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الاسلامية 2011 بالجزائر.

تضمن حفل افتتاح المعرض المنظم من 22 الى 27 اكتوبر/تشرين الأول الجاري وأشرف عليه كل من عبدالحميد بن بليدية المنسق العام لتلمسان عاصمة الثقافة الاسلامية ومحمد جحيش رئيس دائرة المعارض، عروضا فنية استمتع من خلالها الجمهور بموروث تراث اهليل من الجزائر والمقام العراقي من بلاد ما بين النهريين وشاشمقام من مناطق طجاكستان واوزبكستان. واتبعت بعروض السيرة الهلالية من مصر وسجل حضور فن الحكاية الفلسطينية.

انطلق حفل الافتتاح بعد ان طاف الحضور بمختلف اجنحة المعرض والذي ابرز التراث الشفاهي بالبلدان الاسلامية من خلال لوحات استخدمت فيها التقنيات السمعية البصرية اضافة الى حضور بعض الفرق التي ادت عروض فنية مباشرة تتعلق بـ "التراث الثقافي غير المادي"، الذي يعرف وفقاً للتعريف الوارد في اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي، مجمل الإبداعات الثقافية، التقليدية والشعبية، المنبثقة عن جماعة ما والمنقولة عبر التقاليد، ومنها مثلاً اللغات والقصص والحكايات والموسيقى والرقص وفنون الرياضة القتالية والمهرجانات والطب وحتى فن الطهي.

وحرص القائمون على المعرض على اختيار روائع التراث الشفاهي وغير المادي بالعالم الاسلامي والمسجل لدى اليونسكو كتراث انساني، ويتم اختيار أحد الممتلكات ليصبح جزءاً من التراث العالمي بعد قيام البلد المعني أولاً بإعداد قائمة مؤقتة يُضمّنها أهم المواقع الثقافية والطبيعية الواقعة داخل أراضيه. وهذه مرحلة هامة لأن لجنة التراث العالمي لا يمكنها أن تدرس أي اقتراح بإدراج موقع ما إن لم يكن وارداً بالفعل في القائمة المؤقتة للدولة الطرف.

ولكي يمكن إدراج المواقع في قائمة التراث العالمي، يجب أن تتسم هذه المواقع بقيمة عالمية استثنائية وأن تفي بواحد على الأقل من معايير الاختيار.

*التراث الثقافي غير المادي في البلدان الاسلامية

إن التراث الثقافي غير المادي يضم الأعراف والعادات والتقاليد الشفوية وممارسة الشعائر والطقوس والدراية. وفي هذا الاطار استضافت تلمسان ثماني وعشرين دولة تحوي واحدا أو أكثر من روائع التراث الثقافي غير المادي، نذكر على سبيل المثال: الأيزو المتعدد الأصوات الشعبي الألباني، أهاليل القورارة بالجزائر، أغاني البعول في بنغلاديش، التراث الشفهي الجليدي في بنين، الفضاء الثقافي للسوسو بالا في غينيا، قناع الجل في نيجيريا، صناعة القماش من اللحاء في أوغندا، وموسيقى ششماقام في طاجيكستان، الكاراغوز، وفن مداح (رواة القصص الشعبية) في تركيا، وغيرها من الروائع الكثيرة.

ومن أجل استمرارية هذه التقاليد في بلدان الإسلام، قامت منظمة المؤتمر الإسلامي (OCI) بتصنيف 39 رائعة في 28 بلدا معظمهم في أفريقيا وآسيا.

وتضم القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية روائع من عدة دول تشمل البلدان الاسلامية، والتي نذكر منها على سبيل الميثال لا الحصر:

"الأهليل" في "غورارا" الجزائر و"الغيغنز" " 2005نيكاراغوا، وأغنية صنعاء اليمن، واحتفال المولوي سيما تركيا والحكاية الفلسطينية فلسطين والخنجر الأندونيسي الملتوي "كريس" إندونيسيا، والرسوم الرملية في فانواتو، والمجال الثقافي في سوسو بالا غينيا، والمجال الثقافي في مقاطعة بويسون أوزبكستان، والمجال الثقافي لاحتفالات الـ "يارال وديغال" مالي، والمجال الثقافي لبدو البتراء ووادي الرام الأردن والمقام العراقي العراق والموسيقى الشعبية الألبانية بأداء أصوات متعدّدة ألبانيا وتقليد الغناء الفيدي الهند ورامليلا، الأداء التمثيلي التقليدي لملحمة "رامايانا" الهند وفنّ أكينز، الرواة الملاحم من قرغيزستان.

بالإضافة إلى فن المداح رواة القصص العامة تركيا لغة غاريفونا ورقصها وموسيقاها بليز – غواتيمالا – هندوراس – نيكاراغوا ومجال جامع الفناء الثقافيّ المغرب ومسرح ماك يونغ ماليزيا ومسرح وايانغ للدمى إندونيسيا ومقام أذربيجان وملحمة السيرة الهلاليّة مصر، وموسيقى شاشمقام أوزبكستان – طاجيكستان والأنغكلونغ الأندونيسي إندونيسيا والبرعة موسيقى ورقص في وديان ظفار في عُمان واللقاءات التقليدية "صحبة" تركيا والمعارف التقليدية لحياكة السجاد في قاشان إيران والمعارف التقليدية لحياكة السجاد في منطقة فارس إيران وموسيقى الباخشي في خراسان إيران (جمهورية - الإسلامية) والـرديف للموسيقى الإيرانية إيران والباتيك الإندونيسي إندونيسيا، والنوفروز، النوروز، النافروز، الناوروز، النيفروز أذربيجان – الهند – إيران – قيرغيزستان – باكستان – تركيا – أوزبكستان، وفن العاشق الأذربيجاني أذربيجان.

*أهليل تراث الجزائر يطل عبر العالم

أهليل قورارة: هو تراث شعري وغنائي من منطقة قورارة الواحية الجزائرية التي تبعد عن العاصمة باتجاه الجنوب الغربي بحوالي ألف كلم.

كان هذا النوع من الغناء منتشرا في منطقة تميمون وما جاورها، منذ القديم، وكان يعرف قبل الإسلام باسم أزنون ليحمل بعده الاسم الحالي أهليل. ويرى البعض أن هذه التسمية مشتقة من "أهل الليل" باعتبار أن هذا الغناء يؤدى في الليل، بينما ربطها البعض الآخر بالهلال، ويذهب آخرون إلى أن الكلمة جاءت من التهليل لله ومن عبارة "لا إله إلا الله". والأهليل هو عبارة عن نوع من الغناء الموروث بالصحراء الجزائرية. تتناول كلماته المغناة سير الصحابة والأولياء الصالحين. وهو ما جعل أحد المختصين يعتبره من الغناء الصوفي المستلهم من الطريقتين "التيجانية" و"القادرية" المنتشرتين في الجزائر ومنطقة شمال افريقيا.

أدرجت منظمة اليونسكو أهليل قورارة ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي للبشرية التي تضم 90 من أبرز المأثورات اللامادية. وصيانة لهذا التراث الغنائي انتظم في شهر يناير/كانون الثاني 2008 المهرجان الأول بتيميمون. كما تمّ إطلاق جائزة لأحسن بحث أكاديمي حول هذا التراث الفني الأصيل وجائزة أخرى لجامع أكبر عدد من قصائد الأهليل.

يشترك في أداء الأهليل النساء والرجال، وهم واقفون يرددون نفس الكلمات مع مرافقتها بالتصفيق الذي يتلاءم مع الألحان التي تدعم بحركات أجسادهم. ويؤدى من قبل فرق تتألف غالبا من سبعة منشدين يكونون في أماكن عامة أثناء الليل في المناسبات الدينية والأفراح أو عند زيارة مقامات الأولياء الصالحين. ويرى أحد الباحثين أن هناك نوعين من هذا الفن: يطلق على الأول اسم تقرابت، ويُؤدى جلوسا بآلات موسيقية خاصة في المناسبات الدينية، والثاني هو "أهليل" ويؤدى وقوفا باستعمال آلتي الناي والطبل.

هناك عدة آلات يقع توظيفها في الأهليل هي: الإمزاد، البندير، الطبلة، الدف، بالإضافة إلى البانجو، الكمان، القيثارة، والناي. أما الأشعار المغناة فإن كانت يطغى عليها القصائد الصوفية والدينية، فإنها تتناول أيضا موضوعات دنيوية مثل الحب والحرب والشهرة والكرامة والعطف. ومن أشهر أغانيه "النبي الأعظم":

صلى الله على صاحب المقام الرفيع

والسلام على الطاهر الحبيب الشفيع

قدر الداعي والمدعي ومن هو سميع

قدر الشاري في السوق ومن جاء يبيع

قدر الطايع للحق رآه في أمره سميع

قدر ما قبضت اليد الكافلة بالجميع

قدر الحلفة والدوم والزرع والربيع

*فرقة السيرة الهلالية المصرية في معرض التراث بالجزائر

تشارك فرقة السيرة الهلالية التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة لمصر فى مهرجان التراث الثقافي غير المادي بالجزائر، وتعدّ "السيرة الهلالية" - المصنفة ضمن التراث العالمي غير المادي - من أكبر وأضخم السير الشعبية في الأدب الشعبي العربي وفي الفلكلور المصري.

وتحكي السيرة عن قبيلة بني هلال ورحلتهم من أراضي شبه الجزيرة حتى وصولهم إلى المغرب العربي بعد الجفاف الذي ضرب أراضيهم وتتكوّن السيرة من حوالى مليون بيت من الشعر .

وتتناول السيرة تاريخ قبيلة بأكملها من خلال عدة قصص مرتبطة ببعضها في تسلسل زمني يروي مغامرات وبطولات أبنائها من أبرزهم: "أبي زيد الهلالي" و"دياب الأحمر".

وتبرز السيرة أهمية المرأة في مجتمع القبيلة العربية من خلال شخصيات متألقة مثل "الجازية الهلالية" ابنة الملك سرحان التي كان لها ثلث الرأي في أيّ حكم من أحكام القبيلة.

*المقام العراقي.. تراث يتجاوز الجغرافيا

تميز العراق بحضارات يمتد تاريخها الى آلاف السنين، وكان للجانب الفني نصيب كبير في تلك الحضارات وخاصة الموسيقى والغناء. وأثبت الدكتور صبحي انور رشيد في كتابيه "الآلات الموسيقية في العراق القديم" و"الآلات الموسيقية في العصور الاسلامية"، بما لا يقبل الشك، أن الكنارة مثلا قد ظهرت في العراق قبل حوالي خمسة آلاف سنة ومثلها كان العود، استنادا الى ما جاءت به الآثار من أدلة وشواهد.

وتوالت ابداعات العراقيين عبر العصور، فكانت مؤلفات الكندي والفارابي وابن سينا ومن جاء بعدهم تراثا مهما في تطور الموسيقى العربية ونظرياتها.

والمقامات العراقية واحدة من الصيغ الغنائية التراثية التي وصلت لنا شفاها عبر العصور. واختلف المتخصصون في تاريخها، فبينما يرجع الباحث الحاج هاشم الرجب المقامات الى 300 او 400 سنة، يعتقد شعوبي إبراهيم أن تاريخ المقامات العراقية يرجع الى العصر الأول للخلافة العباسية.

وبسبب عدم وجود دراسة أكاديمية تحدد تاريخ المقامات العراقية، لا يمكننا اعتماد أحد هذين الرأيين السابقين. ومع ذلك، فإن كل الدلائل تؤكد قدم هذه الصيغة الغنائية التي وصلتنا شفاها عبر السنين بسبب التصاقها بالذائقة الشعبية العراقية من جانب، ووجود نسبة كبيرة فيها من الحرية في التصرف والابداع الذاتي للمغني مما أكسبها مجالا لإضفاء روح وطابع الحالة الفنية في كل عصر تمرّ به.

وقد واجه الجيل الجديد في تعلــّمه للمقام مشكلة عزوف غالبية قراءه عن تعليمه للشباب، غير أن الراحل شعوبي إبراهيم كان أكثر خبراء المقام تحمسا في تعليمه للشباب.

وقد تطورت كتابة النوتة الموسيقية واستحدثت علامات جديدة توصف شكل الصوت الموسيقي وحركته المتموجة او الساكنة ... الخ.

إن النسبة المئوية للارتجال التي تتميز بها المقامات العراقية جعلت من هذا القالب الغنائي نموذجا حيا لن يموت، بل يتجدد عبر السنين من خلال تطويره وصبغه بملامح العصر الذي يمر فيه، وإضافة مقاطع غنائية جديدة اليه، بل ان بعض المبدعين من المغنيين خلقوا مقامات جديدة بسلالم موسيقية لم تستخدم من قبل، كما فعل الفنان محمد القبنجي.

لذا وجب علينا كتابة المقامات بشكل علمي وتسهيل تعليمه للشباب كي يسهم المبدعون منهم بدورهم في وضع بصمات عصرهم عليها، كما فعل من سبقهم من الأجيال الماضية.

*موسيقى شاشمقام اطلالة اسيا الوسطى

موسيقى شاشمقام تراث سجل في 2008 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية (أعلنت أصلاً في 2003) بلدان: أوزبكستان, طاجيكستان على مدى أكثر من عشرة قرون، نما تقليد موسيقى شاشمقام الكلاسيكي في مراكز آسيا الوسطى الحضريّة المعروفة مسبقاً بما وراء النهر، أي المنطقة التي تضم اليوم طاجسكتان وأوزبكستان.

وتعني شاشمقام "ستّة مقامات" وهي مزيج من الموسيقى المغنّاة وموسيقى الآلات والتعابير الملحّنة والإيقاعيّة والأشعار. يؤدى هذا الأسلوب بصورة منفردة أو من قبل مجموعة مغنين وأوركسترا من العود والكمان والطبول والمزامير. عادة ما يُفتتح العرض بأداء موسيقي يليه النصر، أي قسم الأداء الصوتي المؤلف من مجموعتين منفصلتين من الأغاني.

وفي الجاهليّة، كان شاشمقام متأثراً بشكل دائم بالتطوّرات الطارئة على علم الموسيقى والشعر والرياضيّات والصوفيّة. وشاع نظام المقامات في القرنين التاسع والعاشر فتأسس العديد من المدارس على يد المجتمع اليهوديّ في مدينة بوخارة، وهي مركز شاشمقام التاريخي والروحي. ويقتضي هذا الفنّ موسيقيين متدرّبين لأنّ نظام وضع النوتات المعياري لا يُمكن أن يُسجّل إلا إطار العمل الأساسي. وبالتالي، فالنقل الشفهي من المعلّم إلى الطالب يظلّ السبيل الأساسي لحفظ الموسيقى وقيمها الروحية.

منذ السبعينيات، هجر العديد من مؤدي شاشمقام من طاجسكتان وأوزبكستان للانضمام إلى الجالية اليهوديّة في الشتات في إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. ومنذ أن نالت أوزبكستان وطاجكستان استقلالهما عام 1991، تمّ اتخاذ العديد من التدابير لضمان استمرار شاشمقام. وحدهم بعض المؤدين حافظوا على أنماط الأداء المحليّة كما علّمهم إياها مدرّسون مستقلّون. وبوفاة العديد من أساتذة شاشمقام، باتت الغالبيّة العظمى لمؤدي هذا الفنّ اليوم في طاجسكتان وأوزبكستان من خريجي معهد طاشكينت الذي يُدرّب على تأليف موسيقى شاشمقام.

السعيد تريعة ـ الجزائر