صفقة 'شاليط'.. بصيص نور في ظلام حالك

بقلم: د. خالد محمد غازي

بعد مفاوضات بلغ عمرها نحو خمس سنوات - منذ قيام حركة الجهاد الاسلامية (حماس) باختطاف الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط - تمكنت صفقة تبادل الأسري التي نجحت فيها مصر على مدار الأيام الفائتة من إطلاق سراح مئات الفلسطينيين من السجون الاسرائيلية، بما يمثل صفعة ثالثة توجهها مصر (ما بعد الخامس والعشرين من يناير) لحكومة إسرائيل، حيث سبقها المصالحة الفلسطينية وفتح معبر رفع بشكل دائم.

(1)

وتعتبر تلك الصفقة هي الأضخم في الإفراج عن الاسرى في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي وبأقل خسائر ممكنة وبشروط هي الافضل من نوعها؛ ويأتي ذلك وسط فشل مَنِي به نظام الرئيس السابق حسني مبارك طوال تلك السنوات في إتمام أي من تلك الثلاث التي أنجزتها حكومة "ما بعد الثورة".. فيما رأى محللون أن السبب الرئيسي هو اختلاف الأرضية التي تمت عبرها الصفقة خلال الانتقال من التفاوض غير المجدي إلى المقاومة في ثوبها التفاوضي الجديد.

وأرجع البعض أسباب نجاح صفقة "شاليط" إلى ثمة عوامل مهمة؛ منها: التدخلات المصرية الجادة والحازمة- في نفس الوقت - لدي الحكومة الاسرائيلية بضرورة اتمامها وانهاء الصراع عليها؛ باعتبارها تخدم عملية السلام في منطقة الشرق الاوسط، فضلاً عن المرونة التي أبداها الطرفان (حركة حماس - وحكومة اسرائيل)، اضافة إلى عامل المفاجأة؛ حيث كان لها دور كبير في حشد التأييد الواسع للصفقة خصوصاً في إسرائيل، إذ تكتمت على مداولاتهاوخاصة في الأيام الأخيرة، وعلى غير العادة لم يتم تسريب شيء عنها، وقد استغل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، الأمر، وأدار مفاوضات الصفقة عبر ممثلين له، وأوفد إلى القاهرة "يورام كوهين" رئيس الشاباك، و"ديفيد ميدان" مسئول ملف الأسرى، بعيداً عن ضغوط الرأي العام والصحف ووسائل الاعلام وتعدد الرؤى والآراء، وعندما بدأت الأخبار تتناثر حول التوصل إلى الصفقة، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى عقد جلسة طارئة لحكومته ساعة بث النشرات الإخبارية المركزية في قنوات التليفزيون وتحمس لاتمام الصفقة كبار المعلقين والنافذين في الرأي العام حتى قبل معرفتهم بتفاصيلها.

ومن مؤشرات المرونة التي أبدتها إسرائيل التراجع عن موقفها المبدئي الرافض للإفراج عن المتهمين بقتل جنود إسرائيليين ومستوطنين.. وقابل ذلك تراجع حركة حماس عن مطالبها بالإفراج عن ستة من كبار الأسرى وعلي رأسهم "مروان البرغوثي" أمين سر حركة فتح، الذي يقضي حكما بالسجن مدى الحياة.

ويرى محللون اسرائيليون أن ما جعل إسرائيل تبدي هذه المرونة المفاجئة أنه لم يعد هناك أي إمكانية لتحرير "شاليط" بالحل العسكري، فضلاً عن أنه صعوبة التوصل إلى معلومات استخباراتية تحدد مكانه، اضافة إلى أن حركات التحرر التي انتجها الربيع العربي والتحولات في الدول العربية أجبرت نتنياهو على الرضوخ باعتبار أن الفرص للإفراج عن الجندي الأسير بدت تتلاشى، الأمر الذي دفعه للموافقة على الصفقة، وما كان لها أن تخرج للنور دون موافقة قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الجدد.

(2)

وفي رأي له وجاهته للمحلل السياسي د. عبدالمنعم سعيد إن هناك أكثر من دلالة جديرة بالالتفات إليها في هذه الصفقة، منها تحقيق مكاسب جديدة وملموسة في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي، فشلت الحلول العسكرية والاشتباكات والتحريض والمقاومة وسفك الدماء من الطرفين، وليس عن طريق الامم المتحدة والموائد المستديرة.. كذلك فان طريقة التعامل مع الاحتلال تحتاج إلى المثابرة والصبر، حيث انها صفقة السنوات الطويلة تجاوزت الخمس سنوات كانت كلها شروط من الاحتلال الاسرائيلي وكان يتمتع بالعناد والصلف ويشعر بضعف الطرف الآخر (الطرف الفلسطيني).

وهناك مظاهر أخرى أكثر تجسيداً لواقع العلاقة بين الاحتلال الاسرائيلي والطرف الفلسطيني (حركة حماس)؛ منها: ان المنطقة العربية ودولها إذا أرادت أن تساعد الفلسطينيين حقا؛ فعليها أن تقف وراء خيارات المقاومة قبل خيارات التفاوض؛ لأن التفاوض بلا قوة يعني الاستسلام. وهو ما قام به المجلس الاعلى للقوات المسلحة (الحاكم العسكري في مصر)، حيث زالت الحساسيات التي كان يضعها نظام السابق للرئيس مبارك مع حركة الجهاد الاسلامية (حماس)، واستطاعت الادارة المصرية الجديدة أن تقوم بدور فعال في إتمام الصفقة دون ضغوط أو إملاءات وظهر ذلك جليا في تصريحات خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس التي أشاد فيها بالدور المصري.

(3)

وبحسب ما ذكرته الصحف الاسرائيلية، أن أحد أهم الأسباب التي أدت إلى نجاح تلك الصفقة هو تغير موقف الرئيس الاميركي باراك اوباما وإدارته؛ ففي الماضي كانت واشنطن تعترض على إتمام الصفقة خوفا من ارتفاع أسهم حماس في الشارع الفلسطيني والعربي، والتأثير على دور موقف الرئيس محمود عباس وإضعافه، وبالتالي ضرب التيار المؤيد لمفاوضات السلام في الحلبة السياسية الفلسطينية، لكن موقف ابو مازن ذاته في الامم المتحدة وطلبه العضوية ومساندة الرأي العام العالمي ضد الاحتلال الاسرائيلي وغطرسته والادارة الاميركية بشكل غير معلن فلم يبق امام الادارة الاميركية من أبواب غير باب القبول والسماح لاسرائيل باتمام الصفقة وانهاء الصراع بين الطرفين، وكذا الانتقام من "أبومازن" كان أحد أهم أهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي خصوصاً بعد تراجع "حماس" عن عدد من شروطها السابقة وموافقتها على ترحيل غالبية الأسري المحررين من الضفة الغربية وتنازلها عن خمسة واربعين من مجموع ستين أسيراً من الوزن الثقيل بينهم مروان البرغوثي التابع للسلطة الفلسطينية.

(4)

لقد كشفت الصفقةكذب الدعاية التي تبثها أجهزة الاعلام الاسرائيلية ووسائلها الدعائية الموالية لها، عن مدى قوة اسرائيل وتعدد أسلحتها وكثرة جواسيس الموساد الذين ينتشرون من المحيط إلى الخليج، حيث أنهم لم يستطيعوا التوصل إلى معلومات ولو غير مؤكدة عن مكان اختطاف الجندي الأسير؟ وهل هو داخل قطاع غزة او غيرها من الاماكن؟ كما أن اسرائيل لم تستطع الكشف عن أية مخططات تعتزم المقاومة الفلسطينية تنفيذها، فقد فشلت تماما في معرفة أي معلومات عن مكان شاليط طوال السنوات الفائتة، كما فشلت في تنفيذ أية عملية مسلحة لإنقاذه رغم التحدي الذي كانت تظهره المقاومة ليل نهار.

إلا أنه لا يزال الطريق طويلًا لتحرير بقية الأسرى ولكنه بصيص نور في ظلام حالك ساعد الربيع العربي على ظهوره، وتظل إرادة المقاومة وصبر الشعب الفلسطيني أهم معاول هدم أسوار الاحتلال ولو بعد حين.

د. خالد محمد غازي

رئيس تحرير وكالة الصحافة العربية بالقاهرة

k@k-ghazy.com