مصر.. سيناريوهات الإسلاميين بعد السُّجون

جاءت مرحلة السُّجون، في حياة أفراد الجماعة الإسلامية، كمرحلة جديدة حيث اختلاف الحياة داخل السجون عنها خارجها، وعلى الرغم من ذلك دخل هؤلاء الشباب السجون، بكل ما يحملون من قيم ومفاهيم وأفكار، وهم يحاولون الحفاظ عليها بشتى الطرق، لاسيما في ذلك التوجه الاجتماعي والرؤية المستقبلية، حيث في السنوات الأولى من السجون لم يختلف التوجه الاجتماعي عن ذي قبل، فكان معظم هؤلاء الشباب ينظرون إلى المستقبل على أنه هو مستقبل الجماعة والدعوة.

لقد أصبح ما كنا نظنه المستقبل الحقيقي أو مستقبل الجماعة سراباً، حيث أن الجماعة الإسلامية قد ذهبت وأسدل عليها الستار، وأصبح كل فرد منهم ينظر إلى ما ضاع من عمره بكل حزن وأسى، وأن كل هذه السنوات الطويلة ضاعت هباء. وهنا تولدت لدى الأفراد الرغبة الجامحة، في تعويض ما فات من المستقبل والأيام الخالية، فإن لم يستطع الواحد منهم تعويض كل شيء، فعلى الأقل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

فكل الطلاب، الذين كانوا في مراحل دراسية مختلفة قبل السجن، تقدموا بطلبات امتحان لإكمال دراستهم، التي أهملوها سنوات طويلة في الخارج! والذين كانوا في المرحلة الثانويةـ بمختلف أشكالهاـ تقدموا لامتحانات الثانوية العامة. وقد دخلت أعداد كبيرة جداً إلى الكليات المختلفة، خاصة كليتي: الحقوق، والتجارة، ومنهم من دخل إلى كليات مثل: الطب، والهندسة، والاقتصاد والعلوم السياسية.

خرج أفراد الجماعة الإسلامية، بعد سنوات السجن الطويلة، بنظرة مختلفة تماماً عما كانت قبل فترة السجون والمراجعات، خرجوا مع الأمل بمستقبل أفضل، واندماج كامل في المجتمع، وتعويض ما قد فاتهم من السنوات الطويلة، التي قضوها خلف جدران السجون. ولكن وجدوا الواقع مخالفاً لما كانوا يتمنون أو يحلمون، فبعد هذه السنوات الطويلة وجدوا أنفسهم يصطدمون بصخرة الواقع، حيث أن الكثير منهم فقد في هذه السنوات العائل الوحيد له، ومنهم مَنْ خرج ولم يجد أسرته من الأصل، ومنهم مَنْ وجد نفسه مطالباً بأن يتكفل بنفسه بالإضافة إلى مساعدة أسرته، التي وقفت بجواره طوال هذه السنوات، وجاء الوقت لكي يرد الجميل والفضل إلى أهله.

بالنسبة لشريحة الموظفين، كانت عودتهم إلى الحياة والمجتمع أيسر من بقية الشرائح، ولم تكن بالصعبة إلى درجة كبيرة، وتأتي بعد ذلك شريحة الحرفيين، والتي هي بطبيعة الحال ـ أسوأ حالاً من الشريحة السابقة، حيث أن أفراد هذه الشريحة يعتمدون بشكل أساسي في اكتساب رزقهم ـ أما بالنسبة للشريحة الكبرى، وهي شريحة الطلاب، التي تمثل أكثر من 70٪ من أفراد الجماعة الإسلامية، وهذه الشريحة هي أكثر الشرائح معاناة، ولديها الكثير والكثير من المشاكل، وذلك لعدة أسباب:

1) دخل أفراد هذه الشريحة السجون في أعمار مبكرة، حيث كان متوسط أعمارهم من 17- 22 سنة، ثم خرجوا ـ بعد ذلك ـ في مرحلة عمرية أخرى؛ لما أصبح متوسط الأعمار من 30ـ35 سنة. وعلى الرغم من تقدم هذه الشريحة في العمر إلا أنها ليست لديها أية خبرات في الحياة. لأن المرحلة السنية، التي كانوا عليها قبل دخول السجون، لم تمكنهم من التمرس في الحياة، واكتساب خبرات، فكيف الحال بعد هذه السنوات، والتغير القوي الذي حدث في كل نواحي الحياة، سواء الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية منها! بالإضافة إلى عدم خبرات في أي مجال من مجالات العمل، وكذا مسائل الحياة اليومية، مثل: البيع، والشراء، والتعامل اليومي، ما أدى إلى حدوث حالة شديدة من الاغتراب، لدى هؤلاء الأفراد.

2) هذه الشريحة، بعد الخروج من السجون، صار لدى كل واحد من أفرادها أكثر من عبء، منها على سبيل المثال:

أ ) محاولة إكمال التعليم، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية، شديدة السوء والتعقيد.

ب) عدم وجود عائل لمعظم هؤلاء الأفراد. لأن معظمهم فقدوا آباءهم خلال فترة السجون، ومَنْ تبقى من الآباء أنهكه المرض وكبر السن.

ج) عدم وجود أي مهنة أو عمل، يجيده هؤلاء الأفراد ليستطيعوا التكسب والعيش من خلاله، لأنهم في الأصل طلاب، واهتمامهم كان بالدراسة وفقط.

د) الصراع النفسي، الذي يقع فيه أفراد هذه الشريحة، في الرغبة القوية في إكمال الدراسة، مع عدم الاستطاعة، وفي الوقت نفسه لابد من البحث عن عمل يعيش منه، وبالتالي فالخيار إما إكمال التعليم وإما العمل.

هـ) وعلى الرغم من المرحلة السنية، التي وصل إليها أفراد هذه الشريحة، فإن أكثر من 95٪ منهم لم يتزوج، بل ليست هناك أية بارقة أمل للزواج في الوقت الحالي.

و) إضافة إلى كل ما سبق، فإن من هؤلاء الأفراد مَنْ خرج من السجن، ووجد نفسه ربًّا لأسرة مكونة من أمه وإخوته الصغار، وربما والده المريض، أو المتقدم في السن، وهو بحكم أنه أكبر إخوته. فيجب عليه أن يتحمل العبء، ويقوم هو بالإنفاق على هذه الأسرة، بعد هذه السنوات الطويلة، التي وقفت فيها هذه الأسرة إلى جواره.

مما لا شك فيه أن التغير الذي طرأ على أفراد الجماعة الإسلامية، بعد المبادرة وبعد الخروج من السجن، جدير بالملاحظة والتأمل، حيث يعتبر حالة فريدة من نوعها في تحولها من العنف إلى المراجعة والسلم. وأن مسألة التغير في التوجه الاجتماعي لأفراد الجماعة الإسلامية، من أفراد لا يحكمهم توجه سوى توجه الجماعة، بل إنك تستطيع القول: أن هؤلاء الأفراد لم يكونوا لينظروا إلى العالم، إلا من خلال نافذة الجماعة الإسلامية، التي تحكمهم بإطار معين، ولا يستطيعون الخروج عن ثقته، ولا ينظرون إلى المستقبل الشخصي إلا على من خلال مستقبل الجماعة والعمل الدعوي.

دخل أفراد الجماعة الإسلامية إلى السجون، وهم نسيج واحد، وفكر واحد، فكانوا كرجل واحد، ولكن الغريب أنهم خرجوا أنماطاً شتى، واختلافاً كبيراً بين بعضهم بعضاً، في القضايا الفكرية والفقهية والسياسية والاجتماعية.

لذا فإن أفراد الجماعة الإسلامية ـ بعد الخروج من السجون، في ظل الظروف المحيطة بهم، والعوائق والمشكلات التي يعيشون فيها، أمامهم ثلاثة سيناريوهات هي: الاندماج في المجتمع، وتوجه اجتماعي جديد وسليم، يصب في خدمة المجتمع ليكونوا. الانعزالية والابتعاد عن المجتمع قدر المستطاع، من دون الرجوع إلى العنف. الانجراف في ظل الظروف الصعبة والطاحنة، التي يعيش فيها هؤلاء إلى مستنقعات العنف، وليس بالضرورة العنف السياسي؛ لأن للعنف أشكالاً كثيرة ومتعددة.

علي الفقي

هذا المقال خلاصة بحث نُشر في كتاب المسبار للدراسات والبحوث، تحت عنوان: "التوجه الاجتماعي أفراد الجماعة الإسلامية بعد السجون المصرية"، الكتاب الحادي والعشرين، سبتمبر/أيلول 2008.