إخوان الأُردن.. الصعود والهبوط

يعود الفضل في تأسيس الجماعة في الأردن إلى الحاج عبداللطيف أبو قورة الذي كان على علاقة طيبة بمؤسس الجماعة في مصر الشيخ حسن البنا، وكان أبو قورة عضوا في الهيئة التأسيسية للجماعة في مصر، والتي كانت تضم عددا من الأعضاء من دول عربية مختلفة؛ مثل: الشيخ محمد محمود الصواف رئيس الإخوان في العراق، والشيخ مصطفى السباعي رئيس الإخوان في سورية.

بدأ الحاج أبو قورة العمل على ترخيص الجماعة في الأردن أواخر عام 1945، وجاءت الموافقة بداية عام 1946، وتم افتتاح المركز العام للجماعة في منطقة جبل عمان تحت رعاية جلالة الملك عبدالله بن الحسين، وامتازت مرحلة التأسيس بدعم وتشجيع السلطات الأردنية، وكانت الجماعة ملتزمة في ممارسة أنشطتها المختلفة بأهداف النظام السياسي الأردني، وتعقد اجتماعاتها بشكل علني، وبحضور ممثلين رسميين من الحكومة، وضباط الجيش، والقادة الدينيين البارزين.

وقد دأب الإخوان من حين لآخر على انتقاد بعض تصرفات الحكومة، خاصة فيما يعتبرونه انحرافا عن القيم الأخلاقية الإسلامية، كما انتقدت الجماعة بشدة العلاقات المتميزة للحكومات الأردنية المتعاقبة مع بريطانيا، ونددت بحلف بغداد عام 1955، وبمحاولات ضم الأردن إليه، ورفضت مشروع آيزنهاور الذي يهدف إلى ملْء الفراغ في المنطقة، وإحلال أميركا محل بريطانيا.

وعلى الرغم مما كان يعترض العلاقة من مد وانحسار، إلا أن مصالح الطرفين وميراث التعايش ظلا قويين، وذلك بسبب وقوف الإخوان إلى جانب النظام في أحلك الأوقات وأشد الأزمات في الخمسينيات والستينيات؛ وفي المقابل فقد شكل النظام ملاذا آمنا للإخوان المسلمين، في الوقت الذي كانت الأنظمة العربية تُضيقُ على الإسلاميين والإخوان، كما حدث في مصر.

دخلت العلاقة بين الإخوان المسلمين والسلطة في الأردن مرحلة جديدة عام 1989، فقد شهد الأردن تطورات داخلية خطيرة بعد أحداث أبريل)نيسان( على خلفية انهيار سعر صرف الدينار، وارتفاع نسبة البطالة، وزيادة الأسعار والضرائب، والتي أدت إلى موجة عارمة من الغضب والعنف والاحتجاج الشعبي، وتمكن الملك الراحل الحسين من احتواء هذه الأزمات، وأعلن عن بداية مرحلة جديدة، وذلك بإعادة الحياة البرلمانية، وإطلاق الحريات العامة.

تعتمد جماعة الإخوان المسلمين في الأردن على البنية الفكرية والتنظيمية التي تشكلت لدى الجماعة الأم في مصر، ونجد تماثلا في المصادر والمرجعيات المعتمدة، التي أرسى قواعدها الشيخ المؤسس حسن البنا، وعمل على التنظير والتقعيد لحركتها سيد قطب، فقد لعب البنا دورا أساسيا في انتشار الجماعة، وبناء هياكلها التنظيمية، وحدد المضامين والأهداف والوسائل، وأسهم عبدالقادر عودة في التأصيل الفكري والنظري للجماعة، وأعاد بناءه وربطه بالأصول الدينية من كتاب وسنة، وأدخل سيد قطب جملة من التعديلات والتغييرات لعبت دورا كبيرا في مسيرة الجماعة وغيرها من الجماعات، التي تعمل في إطار ما يسمى "الصحوة الإسلامية"، وحركات الإسلام السياسي، والجماعات المسلحة.

تفجرت خلافات حادة بين النظام والإخوان مع بدايات مفاوضات السلام عام 1991، وتعززت الفجوة مع إقرار قانون انتخاب جديد يقوم على مبدإ الصوت الواحد للناخب، وهو القانون الذي رأى الإخوان أن هدفه الأول والرئيس تحجيمُ تمثيلهم النيابي، والحيلولة دون قدرتهم على إعاقة تمرير معاهدة السلام القادمة، التي وُقعت فعلا بين الأردن وإسرائيل عام 1994، ثم أُقرت من خلال مجلس النواب الثاني عشر الذي تشكل عام 1993 وفقا لهذا القانون.

واعتُبر مجيءُ زكي بن إرشيد أمينا عاما لجبهة العمل الإسلامي في آذار 2006 -الذي يعتبر مقربا من حماس- تصعيدا خطيرا، حيث تطورت الأزمة بين الطرفين لاحقا بإعلان الحكومة وضع يدها على "جمعية المركز الإسلامي" التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، بذريعة وجود فساد مالي وإداري داخل الجمعية، لكن الأبعاد السياسية كانت أبرز من أن تخفى، إذ نشأت قناعةٌ لدى مؤسسة الحكم بأن جمعية المركز تمثل مدخلا رئيسيا لقوة الإخوان المالية، ومصدراً حيويا للتجنيد الحركي، واكتساب القاعدة الجماهيرية. وفي انتخابات 2007 تقدم الإخوان باثنين وعشرين مرشحا وامرأتين، وأسفرت النتائج عن وصول ستة مرشحين فقط، ولم تنجح مرشحات الجبهة في الوصول إلى البرلمان، وسط أجواء من التشكيك في نتائج الانتخابات، واتهامات صريحة بالتزوير والتلاعُب.

عمدت الحكومة بعد ذلك إلى الحد من سيطرة الإخوان، من خلال حمل إدارة الجامعات على تغيير تعليمات الانتخابات، لتجري وفق قاعدة صوت واحد للناخب الواحد عام 1998، وتعرضت القيادات الطلابية الإخوانية في هذه الفترة للاعتقال على خلفية أحداث سياسية ونشاطات احتجاجية ومعارضة. وقد أسهمت المرأة بشكل قوي في سيطرة الإخوان على الاتحادات الطلابية.

لقد شكلت النتائج المتواضعة لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، والتي حصلت عليها في الانتخابات النيابية بتاريخ 20/11/2007 صدمة كبيرة لمعظم المراقبين والمحللين، فقد جاءت نتائج الانتخابات مفاجئة، حتى لأولئك الذين كانوا يعتقدون أن شعبية الجماعة في تراجع، إذ لم تصل أكثر التقديرات تشاؤما إلى أفق توقع حصول الجماعة على 6 مقاعد من مجموع 110 من مقاعد مجلس النواب الأردني.

بلغت مستويات الأزمة ذروتها بين الإخوان والنظام من خلال اتهامات متبادلة، كانت الانتخابات البلدية في سبتمبر/أيلول 2007 أبرز نقاط الاختلاف والنزاع، فقد سحب الإخوان مرشحيهم بعد ساعات من بدء الاقتراع، احتجاجا على ما اعتبره الإخوان "تزويرا تجاوز الحدود"، بلغ ذروته مع "تصويت أفراد من القوات المسلحة بصورة علنية، أما المؤسسة الرسمية فقد باتت تنظر إلى الإخوان كخطر حقيقي على الاستقرار السياسي يشبه الظاهرة الخمينية"، بل إن الرواية الرسمية بدأت تعتبر الإخوان دولة داخل دولة، وتضعهم في سياق المحور الإيراني السوري، وقد تعززت هذه الرؤية عقب سيطرة حماس على قطاع غزة، واتهام حماس باختراق جماعة الإخوان في الأردن.

يبدو أن مستقبل العلاقة بين الإخوان والنظام يتجه نحو مزيد من التصعيد، فقد انقلبت العلاقة الودية التي جمعت بينهما لعقود طويلة إلى نزاع وصراع.

محمد زاهد جول