في نقد ثقافة الانتقام في الثورات العربية

بقلم: د. سليم نزال

تأييد الشعوب التي تقف ضد الانظمة الامنية العربية أمر، وتأييد ثقافة الانتقام كما حصل في ليبيا مع العقيد القذافي وابنه امر اخر تماما.

ما حصل في ليبيا من اغتيال للقذافي وابنه يطرح اسئلة عديدة سأركز هنا على بما يمكن تسميته بالاخلاق السياسية للمشروع الثوري هي مسالة هامة جدا على مستوى بناء الدولة العتيدة المزمع انشاءها مكان النظام القديم.

فعندما تبدأ المجموعات التي قاتلت النظام السابق باستخدام ذات اسلحة النظام الذي قاتلت لتغييره فانه من الصعب عدم التساؤل حول كيف يكمن تسمية الامر ثورة اذا كانت هذه الثورة لم تقدم نهجا جديدا يختلف عن نهج النظام الذي تمت محاربته باسم الحرية والعدالة والكرامة الانسانية.

وعندما نرى طوابير الناس يحملون الكاميرات لاجل اخذ الصور التذكارية والرقص فوق جثة رجل ميت في احد ابشع المناظر التي رأيناها في التاريخ العربي الحديث فلا يمكن للمرء الا ان يتساءل ان كان الذي يحصل ثورة ضد نظام العائلة ام انتقام عشائري وانفلات غرائزي تحت مسمى الثورة.

من المكن ان يتفهم المرء قيام شخص ما بالانتقام لمقتل عزيز عليه. لكن انتقام الثورات لا يكون الا عبر تقديمها نموذجا أفضل سواء على مستوى الخطاب السياسي او على مستوى السلوك السياسي. واذا ما فشلت الثورة بذلك فانها يمكن ان تسىي باي شيء لكن ليس بثورة.

اهمية الثورة انها لا تقدم فقط خطابا سياسيا وايديولوجيا مختلف عن النظام السابق وحسب، الاهم انها تقوم بممارسات على الارض تقدم فيها المثل والدليل والرهان القاطع انها تمثل نهجا جديدا يختلف عن نهج النظام الذي قاتلته. فاذا كان هذا النظام يقتل الابرياء بلا محاكمة فان الثورة التي يفترض انها تشكل مشروع الدولة القادمة انها لا تلجا لذات الاساليب التي قامت لمحاربتها والا ستصبح مشروعية الثورة موضع تساؤل.

رأينا ذلك في ثورة العام 1958 في العراق عندما قام بعض ضباط الجيش بانقلابهم على النظام الملكي الذي بني العراق الحديث ورأينا كيف قتل كافة افراد الاسرة الحاكمة بوحشية مقززة ورأينا كيف تم جر جثة نوري السعيد بالسيارة والدوران بها في بغداد.

وهذه الجرائم البشعة سميت ثورة ضد العهد الملكي الفاسد ثم بدا الثوار يقتلون بعضهم البعض في ثورات أخرى لم يكن نظام نظام صدام حسين بكل العنف الذي مارسه سوى حلقة لعلها الاسوأ من حلقات تعميم ثقافة الانتقام.

على كل حال لم يكن القذافي ذلك الطاغية كما يتم تصوره الان من قبل جماعات الاخوان المسلمين الذين لهم اليد الطولي في الثورة. كان القذافي باعتراف كل الذين تابعوا سياسته خليطا من ثقافة الفكر الشمولي للحزب الواحد او الفرد الواحد والعائلة الواحدة وهو النهج الذي مارسه اتباع النهج القومي العربي وان بصيغ مختلفة في مصر والعراق وسوريا واليمن،كما كان رجلا غريب الاطوار يعتقد انه المخلص الجديد للعالم.

هذا القول ليس لتبرير سلوكه السياسي الذي اختزل ليبيا بشخصه لفترة طويلة لكن لكي لا نظل اسرى بالمطلق لبروبوغندا فضائيات الدول التي تجمع ما بين ثقافة سياسية اكثر تخلفا من الانظمة التي تنتقدها وسائل اعلامها واعلام قوي وحديث.

لقد أساءت الثورة لاهدافها والحقت اذى يصعب تقديره الان بمشروع بناء الدولة الليبة الحديثه. فمن خلال ما عرفناه من تجارب شعوب أخرى فان الخطر الاكبر يكمن عندما تسيطر ثقافة الغرائز على مشروع التغيير. عندها لا تؤسس الثورة مشروعا خلاصيا للمجتمع بقدر ما تصبح على الارجح تطبيقا للنظرية الخلدونية (ابن خلدون) في السلطة السياسية حيث تظل الدولة حبيسة العصبية الاقوى التي ما ان تضعف حتى تحل مكانها عصبية تمارس ذات النهج وان بمسميات اخرى، وهذا بطبيعة الحال قد يقود المجتمع نحو اي شيء لكن ليس نحو الديموقراطية والعدالة الاجتماعية.

د. سليم نزال

باحث في تاريخ الشرق الاوسط المعاصر. كتاباته وابحاثه مترجمة لاكثر من عشر لغات