انجازات قد يبددها الانقسام

بقلم: د. إبراهيم أبراش

انتابت الفرحة والفخر والثقة بالمستقبل الفلسطينيين وأحرار العالم وهم يتابعون الصفقة التي أنجزتها حركة حماس حيث تم إطلاق سراح 477 أسيرا وأسيرة ضمن صفقة تشمل 1027 أسيرا، وكانت فرحتنا أعظم ونحن نشاهد جماهير فلسطينية من كل الأطياف السياسية تخرج لاستقبال الأسرى في قطاع غزة حيث السيد إسماعيل هنية وقيادات من كل الفصائل تستقبل المحرَرين، وفي الضفة حيث الرئيس أبو مازن بجانب رئيس المجلس التشريعي عبدالعزيز دويك وقيادات حمساوية ووطنية أخرى. كيف لا يجتاحنا الفرح لإطلاق سراح الأشرف والأسمى منا جميعا بعد الشهداء.صحيح أن خمسة آلاف أسير ما زالوا في سجون الاحتلال وما زال الوطن محتلا، ولكن لولا الشهداء والأسرى والجرحى ما كان لفلسطيني اليوم أن يشعر بالكرامة والعزة.

ما حققته الصفقة إنجاز ولا شك وفي رأينا لو أن أسيرا فلسطينيا واحد تم إطلاق سراحه مقابل شاليط فهذا إنجاز لأن شاليط كان عبئا على الشعب الفلسطيني وخصوصا في غزة وكلف الشعب الفلسطيني كثيرا وحرية أي أسير أفضل من ألف شاليط، ولكن من التبسيط للأمور اختزال الصفقة بتبادل أسرى فقط بل هي صفقة متعددة الأبعاد ولا أحد غير المفاوضين والوسيط المصري يعرف بتفاصيل الصفقة، ونعتقد أن ما هو معلن من الصفقة جزء من مكونات أخرى ذات أبعاد أمنية وسياسية سيكون لها تداعيات إستراتيجية وخصوصا على مستوى علاقة قطاع غزة وحركة حماس بإسرائيل والعالم الخارجي، وعلاقة الضفة بغزة، وملف المصالحة، والتهدئة والحصار، ولذا نتمنى من قيادات شعبنا حسن إدارة الصراع ما بعد الصفقة حتى لا تذهب التداعيات نحو تكريس الانقسام.

إن كانت حركة حماس اليوم ومن خلال صفقة الأسرى تصدرت المشهد السياسي وعلا خطابها السياسي والأيديولوجي على كل الخطابات حتى يجوز القول بأن يوم إطلاق سراح الأسرى 18 أكتوبر شكل ولادة جديدة لحركة حماس، فإنه قبل شهر عمت الفرحة الشعب الفلسطيني نتيجة الحراك السياسي والدبلوماسي للرئيس أبو مازن ولمنظمة التحرير وهو الحراك الذي أبرز حجم التأييد الدولي المتعاظم لعدالة المطلب الفلسطيني في دولة، وهو الحراك الدبلوماسي الذي حاصر إسرائيل وواشنطن وكشف زيف حديثهما عن السلام والتسوية السلمية، حتى جاز القول بأن يوم إلقاء الرئيس أبو مازن لخطابه في الجمعية العامة كان يوم ولادة جديدة لمنظمة التحرير ولحركة فتح ونهجهما.في الحالتين تحدث كل طرف من أطراف المعادلة الفلسطينية عن إنجاز تاريخي وعن نجاح نهجه وفشل نهج الطرف الثاني.

لا يجوز أن نبدد فرحة الشعب بما تحقق في الحالتين وخصوصا بالنسبة لصفقة الأسرى، فان تؤدي الصفقة لفرحة 477 أسرة فلسطينية حتى الآن فهذا إنجاز، وأن تُجبر إسرائيل على كسر التابوات وتقبل بمبدأ تبادل الأسرى فهذا إنجاز أيضا، ولكن إن أردنا أن نتحدث عن نقص أو خلل في إدارة ملف القضيتين – الشرعية الدولية وصفقة الأسرى - فهناك الكثير ليقال.ولكن وحيث أن الوقت صعب والتحديات كبيرة فالمطلوب توظيف ما تحقق لإعادة بناء استراتيجية فلسطينية جديدة لمواجهة المرحلة القادمة وخصوصا أن صفقة الأسرى قد تفكك الاستعصاءات التي كانت تعيق المصالحة والتسوية السياسية أو فلنأمل ذلك.

ضمن الواقع الانقسامي الفلسطيني وضبابية مستقبل المتغيرات العربية من حولنا يمكن للرئيس أبو مازن القول بأنه لا يستطيع الحصول على أكثر مما حصل، وفي ظل نفس الوضع يمكن لحركة حماس أن تقول بأنها لا تستطيع تحقيق صفقة أفضل مما حققت.في ظل الانقسام يتم احتساب الإنجازات ليس اعتمادا على قوة الشعب وممكناته الكلية بل على الممكن لحركة فتح وسلطتها في الضفة وعلى الممكن لحركة حماس وسلطتها في قطاع غزة، أي على الممكن لحركتين وسلطتين متعاديتين ومحاصرتين وخاضعتين للاحتلال. داخل اللاشعور السياسي عند قيادتي فتح وحماس يكمن الخوف من فقدان السلطة ومن المنافس الوطني بأن يحل محله ولذا فإن كل طرف مهيئا لتقديم تنازلات للعدو لترويج نفسه كطرف مفاوض أفضل من غيره وكشريك مستقبلي للسلام والتسوية.

عندما تصبح المواجهة بين إسرائيل والحركة الصهيونية وواشنطن من جانب وحركة فتح والسلطة من جانب آخر فالنتيجة لن تكون أفضل مما تحقق، وعندما تكون المواجهة أيضا بين إسرائيل والحركة الصهيونية وواشنطن من جانب وحركة حماس وسلطتها في غزة من جانب آخر فلن تكون النتيجة أفضل مما تحقق.في ظل المعادلتين السابقتين سيوظف كل طرف فلسطيني وبطريقة متعسفة شعار تحقيق ما هو ممكن وأن السياسة فن الممكن الخ، وسيختلق انتصارات بأي شكل حتى وإن كانت انتصارات وهمية، ولن يعترف بخطئه وتقصيره في نهجه وإستراتيجيته ولا في إدارته للملف الوطني، بقدر ما سيرمي مسؤولية عدم تحقيق الأفضل على إسرائيل أو على خصمه السياسي الوطني.لكن لو غيرنا المعادلة لتصبح إسرائيل وحلفاؤها في مواجهة حركة تحرر وطني لشعب موحد تعدداه 11 مليون فلسطيني وله قيادة واحدة وإستراتيجية موحدة لكانت محصلة المواجهة أفضل بكثير لصالحنا.

هناك درس آخر علينا الاستفادة منه مما جرى مع استحقاق الدولة وصفقة الأسرى وهو أن حاجة شعب خاضع للاحتلال للعمل السياسي والدبلوماسي لا تقل عن حاجته للعمل المقاوم بكل أشكاله، فالدبلوماسية الفلسطينية حققت إنجازات وبلغت رسالة للعالم بأن الفلسطينيين شعب مسالم وينبذ العنف والتطرف ويؤيد الشرعية الدولية ولا يهدف للقضاء على إسرائيل بل يريد العيش بسلام في دولته المستقلة بجانب دولة إسرائيل، أيضا المقاومة المسلحة والصمود والصبر يمكنهم تحقيق إنجازات وقد حققت كثيرا من الانجازات.طبيعة إسرائيل كدولة لها علاقات دولية متشعبة وتروج نفسها للعالم بانها دولة تريد السلام وبانها واحة الديمقراطية الخ تحتاج للدبلوماسية لكشف هذه الأكاذيب، وطبيعتها الاستيطانية والديمغرافية وبنيتها الداخلية يتطلب شكلا من المقاومة المسلحة العقلانية، ولذا المشكلة لم تكن في خيار السلام ولا في خيار المقاومة بل في غياب استراتيجية وطنية توفق بينهما.

ولو عدنا قليلا للوراء إلى السبعينيات التي كانت مرحلة التألق والصعود للقضية الفلسطينية حيث طبقت الآفاق واعترف العالم حينها بعدالة القضية وبمنظمة التحرير ممثلا للشعب الفلسطيني، تلك المرحلة كانت مرحلة المزاوجة بين العمل المقاوم داخل الوطن وخارجه والعمل السياسي والدبلوماسي، حدث هذا بعد أن غيرت منظمة التحرير مبدأ "الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين" المنصوص عليه في الميثاق الوطني ليصبح "الكفاح المسلح والعمل السياسي يسيران جنبا لجنب كأداتين لتحرير فلسطين" وهو ما عبر عنه الرئيس الراحل أبو عمار في الأمم المتحدة عندما خاطب العالم قائلا "جئتكم بغصن الزيتون بيد والبندقية بيد"، لم يقل أبو عمار جئتكم بغصن الزيتون فقط بالرغم من أنه ذاهب للأمم المتحدة ناشدا السلام، ولم يقل جئتكم بغصن زيتون بيدي والبندقية بيد آخرين.آنذاك كانت قيادة واحدة واستراتيجية واحدة ومقاومة مسلحة داخل الخط الاخضر وعبر الحدود اللبنانية والسورية والأردنية وفي الخارج، ومع ذلك احترم العالم إرادة الشعب الفلسطيني كما احترم آنذاك إرادة الشعب الفيتنامي وقبله الشعب الجزائري وكل الشعوب التي ناضلت من أجل الاستقلال.

المطلوب اليوم الانتقال من خطاب انتصار الاحزاب لخطاب انتصار الوطن.وسواء تعلق الأمر بإنجاز الشرعية الدولية أو انجاز صفقة الأسرى فستتبدد نشوة الفرح والانتصار ويعود الطرفان لمواجهة الواقع وهو الانقسام والاحتلال والاستيطان والتهويد وقضية اللاجئين، والسؤال الذي سيفرض نفسه بعد نشوة "النصر" ماذا بعد؟ هل ستبقى حركة فتح تنتظر قبول عضوية فلسطين بالأمم المتحدة حتى تعود لمفاوضات تراهن عليها لقيام الدولة العتيدة؟ وهل سيبقى خمسة آلاف أسير فلسطيني في الأسر حتى تخطف المقاومة شاليط جديدة للمساومة عليه؟

د. إبراهيم أبراش

Ibrahemibrach1@gmail.com

www.palnation.org