قبل أن تنتشر محاكم التفتيش: ليبيا ما بعد القذافي

بقلم: أحمد أبودوح

بعد ثمانية أشهر من المراوغات السياسية والعسكرية وقتال الشعب للشعب، طوى الليبيون صفحة مريرة من تاريخهم إمتدت لتصل لأكثر من 42 عاما من القهر والإستبداد والظلم الذين أسس لهم النظام القمعي الديكتاتوري الذي سقط بمقتل قمة هذا الهرم الأوتوقراطي العقيد معمر القذافي.

ربما يجد المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا الآن نفسه في موقف صعب جراء ما قد يواجهه من صعوبات على الصعيدين الداخلي والخارجي في سعيه نحو معالجة مشكلات ربما لم تطفُ على السطح بعد نظرا للحمة النابعة من توحيد الهدف التي يتمتع بها الشعب الليبي الآن، ونظرا لغياب النقاش والجدل السياسيين وسيطرة الطابع الميداني والعسكري على المشهد.

فعلى الصعيد الداخلي يجد المجلس الوطني الآن نفسه في مواجهة شعب مسلح في ظل انهيار شبه كامل للوضع الأمني الناتج عن الغياب الشرطي، وسيطرة القيادة العسكرية الثورية على مجريات الأمور، ما قد ينجم عنه "انفلات أمني" ربما يكون سببا رئيسيا في إعاقة محاولات النهوض والتنمية للبلاد، مثلما حدث ومازال يحدث كل يوم الآن في مصر.

من ناحية أخرى، فإن المجلس الانتقالي سوف يكون مطالبا في المرحلة المقبلة برسم موقفا محددا تجاه فلول نظام القذافي وأنصاره، إما بالإقصاء التام، وعليه فسوف نرى انتشارا كبيرا لمحاكم التفتيش الثورية في جميع أنحاء ليبيا الجديدة، وسوف يطال العزل السياسي والإداري كل من تعامل بشكل أو بأخر مع النظام الساقط كأسلوب متبع في أغلب الأحيان عندما تمتلك الدولة التي قام شعبها بثورة وأسقط النظام القائم بعض الجدية في التحول نحو دولة ديمقراطية حديثة.

أو ربما يلجأ إلى المصالحة السياسية التي سوف تتطلب التخلص أولا من حالة الاستقطاب التي عادة ما تكون مسيطرة على الشعوب في أعقاب القيام بثورة وتعدد القوى التي تسعى إلى الوصول إلى الحكم، يتبعها عقد "مؤتمر المصالحة" ليضم جميع طوائف الشعب المختلفة للمشاركة في إعادة البناء دون إقصاء أو تمييز.

أيضا سوف يؤدي انتقال زمام الأمور من أيدي العسكريين في الميدان إلى مكاتب السياسيين المغلقة إلى الانزلاق نحو بعض الصراعات الناجمة عن الاختلاف الطبيعي في الأيديولوجيات والرؤى التي قد تظهر بصورة واضحة مع شروع المجلس الوطني الانتقالي في تشكيل "حكومة إنتقالية" لإدارة شئون البلاد، وأيضا مع إصدار إعلان دستوري مؤقت ليكون بديلا عن الدستور الليبي الذي سقط مع زوال الشرعية عن القذافي ونظامه الحاكم.

أما على الصعيد الخارجي، فإن المجلس الانتقالي ملزما الآن بإظهار النوايا الحسنة تجاه الأوروبيين الذين يرجع لهم الفضل في تغيير مسار الحرب بعد أن كاد القذافي أن يجهز على الثورة في مسقط رأسها – بني غازي – وبالتالي فإن المرحلة المقبلة في تقديري سوف تشهد زيادة ملحوظة في نشاط شركات النفط الأوروبية على الأراضي الليبية، وأيضا ارتفاعا في معدل التبادل التجاري والتعاون على المستويين الاقتصادي والدبلوماسي بين الطرفين كرد للجميل - أوإن صح التعبير – سداد للفاتورة الثقيلة حقا والضرورية أيضا لنجاح الثورة وإسقاط النظام.

سوف لا يختلف الأمر كثيرا تجاه الخليجيين الذين نجحوا في استصدار قرار الجامعة العربية المؤيد لتطبيق الحظر الجوي في السماء الليبية، بل وشارك بعض منهم في تنفيذه، وبالتالي فهناك توقعات لسعي مجلس التعاون الخليجي لضم ليبيا أيضا مثلما حدث مع الأردن والمغرب، لتكون أول جمهورية تنضم رسميا إلى هذا المجلس الذي لا ينظر – حقيقة – إلى طبيعة نظام الحكم لدى الدولة الصديقة بقدر ما ينظر إلى ما تمتلكه هذه الدولة من ثروات وما تستطيع أن تقدمه للمجلس من مصالح وخدمات.

يأتي تساؤل مهم ليطرح نفسه بقوة الآن: ما موقف الإسلاميين من التطورات التي سوف تشهدها الساحة السياسية الليبية في الفترة المقبلة؟

الحقيقة أنه عند النظر إلى المدرسة التي يعود إليها المستشار مصطفى عبدالجليل وعدد كبير من أعضاء مجلسه الانتقالي سوف تتشكل لدينا بعض ملامح النظام القادم، كما أننا سوف ندرك أنه من الصعوبة بمكان تجاهل حقيقة أن الإخوان المسلمين الليبيين قد لعبوا دورا كبيرا في الحرب انطلاقا من عقيدة الجهاد التي تحتل أولوية متقدمة في معتقداتهم، وبالتالي فإنهم سوف يحظون بتأييد شرائح واسعة من الشعب الليبي خلال الانتخابات البرلمانية التي سوف تتم بعد ثمانية أشهر من الآن.

لقد حسم الليبيون أمرهم، ونجحوا بالفعل في عبور المرحلة الأولى من حزمة التحديات التي يواجهها هذا الشعب وهي إسقاط النظام.. فهل ينجح المجلس الوطني الانتقالي في العبور بالبلاد إلى بر الأمان؟ وهل سوف نرى في ليبيا الجديدة دولة ديمقراطية مدنية حديثة؟ أم أنه من الممكن أن تكون التحديات التي تفرض نفسها على مسار التحول الديمقراطي الليبي أكبر من المتوقع مع النظر إلى الطبيعة القبلية والبدوية المسيطرة هناك والتي من الممكن أن تشكل ثورة مضادة وضحت ملامحها بالفعل في مناصرة بعض القبائل للقذافي حتى اللحظة الأخيرة؟!

أحمد أبودوح