'مالَ أَرضنا' لا تلدُ ستيف جوبز؟!

بقلم: رشيد الخيّون

لا نُعرّف بالمخترع الشهير ستيف جوبز، الذي فُجع العالم المتحضر بوفاته (5 أكتوبر 2011)، فالمعروف لا يُعرّف مثلما يُقال، وكم نسمع من عُرفاء المؤتمرات عندما يريدون نفخ أحدهم، أو ما ينقصهم من معرفة بالأشخاص الذين يقدمونهم للحاضرين، عبارة: "الغني عن التعريف"! وما سمعتُ بشخص غني عن التَّعريف حقيقةً لا مجازاً مثل عُظماء الاختراع والاكتشاف والباثين السَّلام والعازمين على صنع حياة كريمة لشعوبهم، وفي عصرنا الحاضر يأتي جوبز في المقدمة، صاحب "الآي فون" و"الآي باد" وقبلهما "الماكنتوش" وعلامته التفاحة.

لعل متشائماً، أكثر مني، سيقول لماذا أداة "لا" وليس أداة "لن" لنفي ولادة مخترع مثل جوبز على أَرضنا فمهما تعاقب اللَّيل والنَّهار عليها لا يظهر فيها من سيشغل الدنيا باختراعه أو اكتشافه. فليس لي ولا لغيري الحكم على هذه الأرض بالخلود على ما هي فيه، مستهلكة لما تنتجه عقول الآخرين، مع أن فيها وادي عبقر (الحموي، معجم البلدان)، والعبقري نسبة له، وهو وادٍ بعرض الصحراء يسكنه الجن الحاد الذكاء والعظيم الحيلة، ومازلنا نصف صاحب الفعل الخارق بالجني، وصاحب العلم بالعبقري.

أعترف أن قراءة العميان، وهي اختراع الفرنسي الأعمى لويس برايل (ت 1852)، كادت تظهر على أَرضنا لو جرى التفكير الجدي بما أومأ إليه أبو العلاء المعري (ت 449 هـ): "كأن منجمَ الأقوام أعمى.. لديه الصُّحف يقرؤها بلمسِ" ( لزوم ما لا يلزم). لكننا انشغلنا بجلد المعري على نقوداته لمن لا يرون في الحياة سوى طرائقهم. لم يُسمع للرجل، وهو المبصر بين العميان، عندما قال مترجياً هذه الأمة التي تُعير وتسمي أهل العاهات بعاهاتهم: "إذا مرَّ أعمى فارحموه وأيقنوا.. وإن لم تُكفوا أن كُلكم أعمى" (المصدر نفسه).

لقد عُرف اسحق نيوتن (ت 1727) بتفاحته، ثم جاءت تفاحة جوبز، بينما ضاعت تفاحة المعتزلة (القرن الرابع الهجري)، وهي نفسها استخدمت نموذجاً في محاولات الكشف عن الجاذبية (النِّيسابوري، المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)، وأخذ العالم يتحدث عن ثلاث تفاحات: تفاحة آدم، ونيوتن، وجوبز، بينما لم تكن لآدم تفاحة، فالشجرة التي منع من الأكل منها والدنا هي شجرة المعرفة، ولو بحثتم في الكتب المقدسة كافة ما وجدتم أثراً لتفاحة لآدم. قيل إنها الحنطة، والسُّومريون قالوا النَّخلة (سوسة، حضارة وادي الرَّافدين) إلى غير ذلك، وظل العالم يتعامل مع القصة كتاريخ وعبرة، لكن منطقتنا أبقت على أنها شجرة المعرفة المرة الطَّعم، وعلينا ألا نقربها، وربما كانت أشد المحظورات، وما بيننا وبين خالقنا الله، هناك رجل يفكر عوضاً عنا، فقال العراقيون: "ذبه برقبة عالم واطلع منها سالم"، وقال أهل الجزيرة: "خلي بينك وبين الله مطوع"! بمعنى أنت لا تُفكر، فهناك من يفكر عنك. فهذا هو حال السواد الأعظم من سكان أَرضنا. فكيف حالنا إذا رسمت تلك العبارتان في أعلى واجهات السلطة، ويسير وفقها التعليم من الابتدائي إلى العالي.

لم يخل عصر من العصور التي مرت على أرضنا، من محاولات نهوض، تقدمها أناس يعرفون جيداً ما لله وما للإنسان، فحاولوا الوقوف ضد من يريد أن يرث السماء على الأرض بشخصه ولمصلحته، ويكون هو الآمر الناهي في العقول، والمستحوذ على الضمائر، فكانت محاولات المعتزلة، وإخوان الصفا (القرن الرابع الهجري) ونقودات المعري لما ينفذ باسم الدين من فرقة وإخضاعه لسياسة الرؤساء، فقالوا عنهم وعنه "الملحد البارد" (ابن الجوزي، المنتظم)، وهذا اعتراف ضمني بأن الرجل كان ملحداً بما يُعمل باسم الدين، وما يغلق العقول باسم الله.

بعد قرون ظهر رجل عز عليه أن يتقدم الغرب وأرضنا ما زالت بعيدة عن استخدام البخار استخداماً معقولاً، ففي واحدة من جلسات البرلمان العثماني (مجلس المبعوثان) 1914 وقف الشاعر والفيلسوف، قياساً بأبناء عصره، جميل صُدقي الزهاوي (ت 1936) صارخاً: "إننا نعرف البواخر تسير بالبخار لا بالبخاري". وقصة ذلك أن هناك أوقافاً، من المزارع والبساتين، تُمنح غلتها لقُراء كتاب البخاري في البواخر الحربية. فلما بُحثت تلك الأوقاف قال الزهاوي عبارته المذكورة وأضاف: "لماذا لا تُنفق تلك الواردات على نشر التعليم ليتقن الناس استعمال البُخار مادام هو الذي يسير البواخر، بدل أن ننفقها على قراءة البخاري الذي ليس له في تسييرها منفعةٍ وأثر" (فيضي، مذكرات). لكن المجلس ضاق بالزهاوي "وكال له المتدينون ألفاظ الكفر والإلحاد، وهجم بعضهم عليه يريدون ضربه، فتدخل النواب العِراقيون ثانية لإنقاذه" (المصدر نفسه). وكان سليمان فيضي (ت 1951) أحد هؤلاء في مجلس المبعوثان. أسألكم بالله من هو الأقرب إلى الله الزهاوي الذي طالب بالتعليم العلمي، أم الذين هاجموه وكفّروه؟!

من مطالبات الزهاوي الآُخر، والتي أراد بها أن يظهر جوبز بأرضنا، لا نبقى ننتظر ما يأتي لأسواقنا مِن أرضه، أنه في عام 1914 طالب مجلس المبعوثان أن تُنشأ كلية طب ببغداد، لتخليصها مِن طبابة الشَّعوذة التي عادت عودة قوية في مجتمعاتنا اليوم، وأن تُدرس المدارس بالعربية لا التُّركية.

لكن ما أغاظ الآخرين ضد الزَّهاوي هو ما واجههم به عندما جاء ذكر الآية الكريمة: "إنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ" (الأَنبياء: 105). نهض من مقعده فقال (انتبهوا إلى الزَّمن 1914): "لا يظن أحدٌ بأن القصد من الصالحين هم العباد والنساك، وإنما القصد الصالحون لإعمارها"! قال الشاهد: "ضج النواب المعممون وصاحوا: انزل يا زنديق! انزل يا كافر! فلما استمر في خطابه هاجموه وهموا بضربه، فتدخل نواب العراق لتهدئة الوضع، وانزلوا الخطيب من المنبر" (فيضي، المذكرات). أكان الزَّهاوي خاطئاً في تفسيره أم صادقاً؟! فما آلت الأمور بأوروبا وما آل إليه حالنا أراه كان صادقاً وحريصاً، وهو الأقرب إلى الله.

كان جوبز حسب منطقنا ابناً غير شرعي، لهذا تبرّأ منه والده السوري، ومعلوم ماذا يعاني مثل هذا الطِّفل في مجتمعاتنا، فكم عانى المؤرخ محمد بن حبيب (ت 245 هـ)، صاحب "المحبر"، والذي كان العديد من المؤرخين عيالاً عليه، من كونه ابن ملاعنة. لذا لو عاد ستيف إلى بلاد والده ما صار صاحب أكثر الاختراعات أثراً في البشرية. انتهي بما بدأت: "مالَ أَرضنا" لا تلده.

(نشر في الاتحاد الظبيانية)

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com