أبوظبي السينمائي في عين ناقد عراقي

ابوظبي

يتابع الناقد السينمائي العراقي عدنان حسين أحمد مهرجان أبوظبي السينمائي منذ انطلاق دورته الأولى جنبا إلى جنب مع مهرجانات خليجية ودولية، ومتابعة نقدية جادة لجديد السينما في العالم، الأمر الذي جعله يحمل رؤية لمجمل ما يقدمه المهرجان من جديد في برامجه وأفلامه وفعالياته، وهنا نحاول أن نتعرف على رؤيته للدرة الخامسة للمهرجان والتي انقضى منها خمسة أيام حيث تمتد إلى 22 أكتوبر الجاري.

** لماذا برأيك يحرص مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي على أن يكون فلم افتتاحه مرتبطاً بقضية إنسانية أساسية؟

** لابد لفلم الافتتاح أن يكون مميزاً ومختلفاً عن بقية الأفلام الأخرى المشاركة في المهرجان، ولعل تميّز فلم الافتتاح (السيد لزهر) لمخرجه الكندي فيليب فالاردو إنما يكمن في مجموعة من القضايا الإنسانية التي يعالجها الفلم وعلى رأسها قضية المهاجرين العرب إلى كندا أو الغرب الأوروبي عموماً. فالهجرة من العالم العربي ليست قضية فردية، وإنما هي ظاهرة عالمية خطيرة وواسعة الانتشار آخذين بنظر الاعتبار أن عدد المهاجرين العرب وغير العرب قد بلغ أكثر من خمسين مليون مواطن تركوا بلدانهم الأصلية واندمجوا في البلدان المانحة لحق اللجوء السياسي والإنساني (والجنسي)، وهذا الرقم الآخذ في التزايد هو رقم مخيف حقاً. ومن خلال شخصية السيد بشير لزهر، جزائري الجنسية نكتشف هذه الشريحة الجديدة التي لجأت إلى كندا، كيف تعاطى معها البلد المضيف سواء في المدرسة أو المحكمة القضائية أو بقية دوائر الدولة الخدمية الأخرى. قد يكون السيد لزهر كذّب هنا وهناك، وهو أمر نرفضه تماماً، لكنه تعيّن في تلك المدرسة التي كانت في أشد الحاجة إلى معلّم بديل يحل محل المعلمة مارتين لاشانس التي انتحرت لأسباب مجهولة حتى وأن كنا كمتلقين نعرف أنها مريضة منذ زمن طويل، وأنها مصابة بالقلق والكآبة والاحباط، لكن اختيارها لموقع الانتحار في الصف المدرسي تحديداً، هو الذي ضاعف لدينا الرغبة والفضول في معرفة سبب الانتحار وتعقّبه والبحث في تفاصيله الغامضة. وهذا الانتحار بحد ذاته هو قضية إنسانية تهم شريحة واسعة من المتلقين، ليس في كندا وحدها، وإنما في مختلف بقاع العالم. أن عائلة بشير لزهر نفسه قد عانت هي الأخرى من ظلم النظام القمعي الذي سبّب في مقتل زوجته وابنه نور الدين وزوجته اللذين ماتا حرقاً، فيما واجهت ابنته أنيسة مصيرها المحتوم وهي تقفز من الطابق الثالث هرباً من ألسنة التيران التي اندلعت في شقتهم. ليس هذا حسب، وإنما هناك العديد من القضايا الإنسانية الأخرى التي تتعلق بمصير اللاجئ الذي يحصل على حق اللجوء ويحاول أن يتكيف مع المجتمع الجديد ويندمج فيه، إضافة إلى جملة من القضايا الإنسانية الأخرى التي تتعلق بالتلاميذ الصغار من كلا الجنسين وكذلك المعلمات اللواتي صادفناهن في سياق هذا الفلم الإنساني الذي مسّ دواخل المشاهدين وهزّ أعماقهم على مدار أربع وتسعين دقيقة مرّت مثل حلم خاطف.

** احتفى مهرجان أبوظبي السينمائي العربي أم احتفت به الأفلام العربية، حيث نجد إقبالاً سينمائياً عربياً كبيراً مصرياً ومغربياً وتونسياً وعراقياً وخليجياً؟

** لاشك في أن عدد الأفلام العربية المشاركة في الدورة الخامسة لمهرجان أبوظبي السينمائي الدولي هو عدد كبير لم نشهده في الدورات الأربع السابقات، أي أن المهرجان قد احتفى فعلاً بالسينما العربية عموماً، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال هيمنة الأفلام المغربية والمصرية على وجه التحديد، وكذلك بعض الأفلام العربية من هنا وهناك بحسب عدد الأعمال الفنية المنجزة هذا العام. إن مهرجان أبوظبي السينمائي هو مهرجان عربي من دون شك، ويعطي الفرصة لغالبية الأفلام العربية التي تتوفر على سوية فنية لكي تجد طريقها إلى شاشات أبوظبي التي عودتنا خلال دوراتها الخمس على احتضان ورعاية أفلام المخرجين الشباب والمكرّسين أيضاً، كما أنه يتيح الفرصة للمشاركات الأجنبية في المحاور الأخرى للمهرجان سواء في المسابقات الرسمية الخمس أو في بقية محاور المهرجان مثل عروض السينما العالمية ومحور (عالمنا) أو محور (البرامج الخاصة). فالمهرجان لا يريد أن يتقصر على جهة محددة لأن همّه أن يكون مهرجاناً عالمياً تأتي أفلامه من الجهات الأربع للكرة الأرضية وهذا ما هو حاصل فعلاً.

** ماذا تمثل دلالة الاحتفاء بنجيب محفوظ سينمائيا في دورة هذا العام؟

** أنا أعتقد أن التفاتة القائمين على مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي إلى نجيب محفوظ قد جاءت في محلها، وفي الوقت المناسب أيضاً، لأنها مناسبة للاحتفاء بمئوية هذا الكاتب الروائي الذي امتدت حياته على مسافة تسعة عقود أنتج خلالها ثلاثين رواية ومئة قصة قصيرة، وهو للمناسبة أول روائي عربي يكرّس الكثير من جهده للسينما، فلاغرابة أن يعرض له المهرجان ثمانية أفلام مميزة من بينها (بداية ونهاية)، (بين السماء والأرض)، (بين القصرين)، (اللص والكلاب) و (الجوع). وقد أخرج هذه الباقة المهمة من الأفلام مخرجون كبار من طراز صلاح أبو سيف، حسن الإمام، كمال الشيخ وعلي بدرخان إضافة إلى مخرجين مصريين آخرين. وجدير ذكره في هذا الصدد أن هناك مخرجين أجانب كيّفوا وأخرجوا بعض روايات محفوظ من بينها رواية (زقاق المدق) التي أخرجها خورخة فونس. إن كاتباً كبيراً بحجم محفوظ يستحق هذا الاحتفاء المييز الذي يليق باأدب نجيب محفوظ وإبداعه على حد سواء.

** ما تقييمك لدور صندوق سند في تمويل الأفلام وأيضا منحة شاشة للسيناريو؟

** أنا أعتبر صندوق (سند) رئة جديدة يتنفس من خلالها السينمائيون العرب لأنه يتيح لهم دعماً مادياً كبيراً تصل قيمته إلى (20) ألف دولار أميركي للمشاريع التي هي في مراحل التطوير الأولى و (60) ألف دولار في مراحل الانتاج النهائية. تأسس هذا الصندوق عام 2010 وساهم منذ عامه الأول في دعم مشاريع رأت النور من بينها (موت للبيع) للمخرج المغربي فوزي بن سعيدي، و (أل غوستو) للمخرجة صافيناز بوصبايا، و (في أحضان أمي) لعطية ومحمد الدراجي، و (على الحافة) لليلى كيلاني و (تحرير 2011: الطيب والشرس والسياسي) لأتين أمين وتامر عزت. وفيما يتعلق بمنحة شاشة للسيناريو فهي تسير في الإطار ذاته وتقدم دعماً كبيراً لم تشهده المنطقة العربية من قبل وهذا السبق يحسب لمصلحة مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي الذي أصبح واحداً من بين أهم المهرجانات العربية التي تستوعب هذا الكم الكبير من الأفلام والضيوف المتنوعين الذين يتوزعون بين الصحافة والإعلام والنقد السينمائي، هذا إضافة إلى النجوم العرب والأجانب الذين يعززون المهرجان بحضورهم الآسر.

** هل تؤشر مسابقة أفلام الإمارات التي تحتضن أفلام من الإمارات والخليج لمستقبل سينمائي في هذا البلد؟

** لاشك أن هذه المسابقة على وجه التحديد سوف تلعب دوراً مهماً في تعزيز التجارب السينمائية الراسخة والشابة على حد سواء. فمن خلال تواجدنا في السنوات الخمس الأخيرة اكتشفنا أن السينما الخليجية بدأت تتنفس وتؤسس لها فضاء معقولاً من الحضور الفني. ولولا مسابقة أفلام من الإمارات والخليج لما رأينا هذا الزخم الكبير من الأفلام خصوصاً الوثائقية والروائية القصيرة وبعض الأفلام الروائية الطويلة التي تُنجز هنا وهناك. فهذه المسابقة وغيرها من المسابقات والأنشطة الفنية الموازية هي التي تدفع بعجلة السينما الخليجية والإماراتية منها على وجه التحديد إلى الأمام وسوف تكون هذه الأفلام المنجزة خلال السنوات الأخيرة خميرة لسينما إماراتية أو خليجية مميزة في المستقبل غير البعيد إنشاء الله.

** كيف تثمن المهرجان في دورته الخامسة؟

** كما أسلفت لا يحتاج هذا المهرجان الذي ولد شبه مكتمل إلى شهادة مني ومن غيري من المعنيين بالنقد السينمائي. فالمهرجان في دورته الخامسة لا يختلف كثيراً عن الدورات الأربع السابقات اللهم إلا في الحضور الكبير والمهيمن للأفلام العربية وأخص بالذكر منها المغربية والمصرية وحتى الخليجية. وهذا ليس عيباً لأن المهرجان يظل عربياً ويحمل هذه السمة المميزة له، ولكن أشدد على القول بأن السينما العالمية بما تنطوي عليه من قدرات وإمكانات فنية عالية تدفع بالمهرجان إلى أمام كلما حضرت بشكل متوازن، لأن الإفراط يحدث خللاً في هذه الموازنة، مثلما تحدث الهيمنة أو الحضور الزائد عن الحد خللاً من نوع ما بحيث يؤثر على تواجد السينما العربية. فخيار الأمور أوسطها كما يقال. لابد من الإشارة في هذا الصدد إلى تسلل بعض الأفلام الضعيفة التي تضر بسمعة المهرجان فلابد لأي فلم مشارك في هذا المهرجان المميز أن يكون نوعياً ومتوفراً على الاشتراطات الفنية المطلوبة التي لا تجرح ذائقة المتلقي.