لماذا تحول الربيع العراقي إلى شتاء قارس؟

بقلم: لطيف القصاب

على الرغم من أن بعض واجهات الصحافة في العراق لاسيما الورقية والالكترونية منها ما تزال تعيش حالة المكابرة في تضخيم وصف ظاهرة احتجاجات أيام الجُمَع العراقية التي تتمركز بشكل أساسي في ساحة تحرير بغداد؛ بيد أن المراقبة المحايدة لمشاهد هذا الحدث الأسبوعي المتكرر تؤشر بوضوح إلى حقيقة انحسار هذه الاحتجاجات بدرجة تكاد تصل إلى مستوى الصفر في بعض الأسابيع.

طبيعي أن يكون وراء انحسار موجة الاحتجاجات (الشعبية) هذه جملة من العوامل الرئيسة وأخرى ثانوية. وما يعنينا هنا التركيز على رصد العوامل التي تبدو جوهرية أكثر من سواها في ما يتعلق بضمور حركة الاحتجاجات العراقية التي كان في ظن القائمين على إدارتها وإدامتها أن تكون مثل كرة الثلج تكبر أسبوعيا لكنها تحولت تدريجيا إلى شيء أشبه بحالتي السكون والبرود منه إلى حالتي الحركة والتثلج.

ضعف التعبئة

إن أول ما يقفز إلى الذهن في تحليل هذا الانحسار في حركة الشارع العراقي المطالب بالتغيير أو الإصلاح السياسي هو افتقار الجهات السياسية الداعية والمنظمة لهذه الحركة إلى قواعد جماهيرية كافية. إذ يمكن عد الحزب الشيوعي وهو من أبرز الناشطين في هذا الميدان تنظيرا وتحريضا ومشاركة من أقل الأحزاب السياسية العاملة في العراق تأثيرا على نبض الشارع؛ وذلك حين تتم المقايسة بينه وبين قوى الإسلام السياسي العاملة في البلاد؛ خاصة التيار الصدري الذي يحمّله بعض المراقبين جزءا كبيرا من المسؤولية في كبح مسيرة الاحتجاجات عندما أحجم عن تفعيل تهديداته بالدخول طرفا في حركة الاحتجاجات الساخطة على أداء حكومة المالكي قبل لحظات الشروع الأخيرة.

التوظيف الحكومي

ولعل من أبرز العوامل الأخرى التي أقحمت ربيع العراقيين في موسم شتائي قارس هو قدرة الجانب الحكومي على توظيف حركة الاحتجاجات وركوب أمواجها في بعض المفاصل (الأسابيع)، فضلا عن محاولات الالتفاف عليها. فقد نجحت بعض وسائل الإعلام المملوكة أو الداعمة للحكومة في إظهار المحتجين بشكل مثيري الشغب أكثر منهم دعاة إلى الإصلاح والتغيير الايجابي، بل استطاعت بعضها أن تُدخل في روع قطاع عريض من المجتمع فكرة أن المتظاهرين بغالبيتهم العظمى إنما يقفون ضد رغبة عموم المواطنين في إنفاذ حكم العدالة بحق مرتكبي جريمة عرس الدجيل على سبيل المثال، وكذلك تحويل ميدان التحرير إلى منبر اجتماعي أكثر منه سياسيا، ويظهر ذلك جليا من خلال إطلاق دعوات (شبابية) تطالب حكومة المالكي بإجراء امتحانات دور ثالث للطلبة الراسبين في الدور الأول والثاني!

ونستطيع القول: إن دخول أنصار الحكومة أو المتعاونين معها على خط الاحتجاجات بشكل مؤثر ومدروس أعطى انطباعا واضحا يفيد بأن الذين يدافعون عن حكومة البلاد الحالية لا يقلون شأوا وشأنا عن أؤلئك الذين يقفون في الجانب المناوئ لها.

طبيعة التجربة السياسية

ثمة قضية تتعلق بطبيعة النظام السياسي الجاري في العراق وقد تكون أسهمت بشكل فاعل في منح شهادة وفاة مبكرة لربيع العراقيين، فعلى الرغم من وجود مشكلات جمة ونقاط سلبية شتى تقدح في أصالة وحصانة العملية السياسية العراقية الجارية في العراق غير أن من الإنصاف الإشارة إلى نقاط القوة في هذه العملية. من ذلك وجود آليات دستورية كفيلة بتصحيح المسارات السياسية في قابل الأيام، وتمتلك سلطة سد الطريق أمام نزعات التسلط والاستبداد عبر عمليات الانتخابات في المركز والأقاليم والملاحظات، لاسيما مع امتياز تجربة الانتخابات العراقية على نحو الإجمال بتوفر الجانب الرقابي (الدولي) الذي من شانه الحد بنسبة معتد بها من احتمالات التزوير (الوطني)، أضف إلى ذلك إيمان العديد من القوى السياسية المشاركة في الحكم والمعارضة بالانصياع إلى أسلوب الركون إلى نتائج صناديق الانتخابات كحل أخير، فضلا عن كون التجربة المعاشة أثبتت قدرة الساسة العراقيين على إحراز تداولية سياسية سلمية للمرة الثالثة على التوالي حتى الآن.

تشظية الرأي العام

إلى ذلك فإن هناك ملاحظة قد يحسن االتوقف عندها قليلا، وتتمثل هذه الملاحظة في أن الغالبية العظمى من "الشركاء" بإدارة اللعبة السياسية العراقية الجديدة مساهمون من حيث يعلمون أو لا يعلمون في منع تفاقم حركة الاحتجاجات وتصاعد وتائرها لاحقا، وذلك بفضل نهج المحاصصة والتوافق الذي دأب سياسيو ما بعد 2003 في إشاعته وترسيخه داخل المجتمع العراقي عمليا، ونتج عنه تشطير العراقيين إلى ثلاثة مكونات أساسية (الشيعة والسنة والكرد) ما أفضى بالنتيجة إلى إضعاف المشترك الوطني العام، والحس الجامع لشتات توجهات وتطلعات العراقيين، وبالنتيجة تشظية الرأي العام العراقي إلى ثلاث جماعات متفرقة التوجهات والتطلعات؛ خاصة في إطار ما تعرف في لغة الإعلام بـ "الأغلبية الصامتة"، أي تلك الكتلة البشرية التي لا تُدين عادة بالانتماء السياسي إلى فصيل سياسي بعينه؛ إمّا على سبيل الاستقلال الفكري أو لمجرد اللامبالاة والسلبية. ومن مراقبة طبيعة الأحداث التي شهدتها دول عربية عدة في ما بات يُسمى بـ "الربيع العربي" فإن الدور الذي لعبته هذه الكتلة البشرية تحديدا، وخاصة في نطاق الفئات العمرية الشابة التي تجيد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي الالكترونية الحديثة كان يمثل حجر الزاوية في إشعال لهب الثورات العربية؛ طبعا قبل أن تمسك بمشاعل تلك الثورات لاحقا القوى السياسية الأكثر قدرة من سواها على ركوب أمواج التغيير.

لطيف القصاب

مركز المستقبل للدراسات والبحوث

http://mcsr.net