كهول بنشاط الشباب: العالم يودع فكرة التقاعد

لندن

نعمل من الصغر حتى أرذل العمر

فتح القرار البريطاني بالغاء سن التقاعد من العمل الذي كان محددا بـ 65 عاماً الباب على جدل معاصر حول حث الناس على الشغل، وانعكاساته على بقية مجتمعات العالم.

ويقترن القرار الذي اعاد تعريف "كبير السن" بالاحصائيات والتقارير الطبية الحديثة التي تعزو ارتفاع معدل الاعمار الى التقنيات المعاصرة وطبيعة العمل الذي لا يستهلك الجسد بسبب الالات المتطورة.

ويرى الاقتصاديون ان الوقت مازال مبكرا لتسلل هذه القضية الى المجتمعات العربية التي مازالت قطاعات واسعة فيها تعاني الفقر والتخلف.

والغت بريطانيا الحد الاقصى لسن التقاعد الالزامي بحيث تمنع القوانين الجديدة اصحاب الاعمال من احالة الموظفين على التقاعد ما ان يبلغوا الخامسة والستين.

وعقب مشاورات اجرتها الحكومة العام الماضي قررت في كانون الثاني/يناير الغاء تلك القاعدة وبدأت بتنفيذ ذلك على مراحل منذ نيسان/ابريل.

ودخلت اللوائح الجديدة حيز التنفيذ بالكامل السبت بحسب ما اكدت متحدثة باسم وزارة الاشغال والرواتب.

ورغم الحق السابق لاصحاب العمل في اجبار الموظفين على التقاعد مع بلوغهم السن القانونية، مازال 850 الف شخص ممن تجاوزت اعمارهم الخامسة والستين يعملون في بريطانيا.

وجاء الغاء السن القانونية للتقاعد في اطار اصلاحات للرواتب ينفذها الائتلاف الحاكم الذي يجمع المحافظين بالاحرار الديموقراطيين.

وسبق وان اعلنت بريطانيا إنها ستستغني عن نحو نصف مليون وظيفة في القطاع العام، وسترفع سن التقاعد وتخفض الرعاية الاجتماعية الحكومية في إطار أكبر تقليص للإنفاق في نحو 30 عاما

وبعد أشهر من مفاوضات مريرة أكد وزير المالية جورج أوزبورن أنه سيمضي قدما في جميع تخفيضات الإنفاق تقريبا التي حددها في ميزانية صدرت في يونيو/ حزيران.

غير أنه قال إن الإنفاق الرأسمالي سيزيد ملياري جنيه استرليني سنويا عن المخطط له من قبل بسبب صعوبة التخلص من التزامات تعاقدية.

وأبلغ أوزبورن البرلمان "التصدي لعجز الميزانية شيء لا يمكن تجنبه. لكن القرارات بشأن كيفية القيام بذلك يمكن تغييرها. هناك اختيارات. واليوم نمارسها. الاستثمار في المستقبل بدلا من الفشل في سداد فواتير الماضي. هذا هو اختيارنا".

وانقسمت آراء الاقتصاديين بين من يقولون إن هذا الإجراء الصارم مطلوب ومن يجادلون بأن ذلك سيعيد بريطانيا إلى الكساد مرة أخرى. لكن الجميع يتفقون على أن النمو سيتباطأ، وأن بنك إنجلترا المركزي سيتعين عليه الإبقاء على السياسة النقدية الميسرة للغاية في المستقبل المنظور

وقال أوزبورن في البرلمان إن سن التقاعد للرجال والنساء سيرفع إلى 66 عاما بحلول 2020. وأضاف قائلا "رفع سن التقاعد هو ما تقوم به دول عديدة الآن وسيوفر بنهاية الدورة البرلمانية القادمة أكثر من خمسة مليارات جنيه استرليني (7.86 مليار دولار) سنويا".

وقال إنه سيخفض سبعة مليارات جنيه من ميزانية الرعاية الاجتماعية إضافة إلى 11 مليارا خفضها في يونيو/ حزيران. وأشار إلى أن نحو 490 وظيفة ستختفي على الأرجح على مدى أربع سنوات.

وشجبت النقابات العمالية بالفعل قرار خفض الوظائف. لكن المعارضة العامة للخفض في بريطانيا كانت محدودة حتى الآن بالمقارنة بما يحدث في فرنسا، حيث تحاول النقابات إجبار الحكومة على التراجع عن القرار من خلال احتجاجات وإضرابات وحصار مستودعات للوقود.

وتتلقى أعداد متزايدة من البريطانيين رسائل شكر من الملكة إليزابيث الثانية على بلوغهم سن 100 عام، بعد أن شهدت ارتفاعاً بمعدل خمسة أضعاف في السنوات الأخيرة ؛ وكشفت دراسة نشرتها صحيفة "دايلي اكسبريس" أن عدد المعمرين في بريطانيا وصل الآن إلى 12.640 رجلاً وإمرأة بالمقارنة مع 2500 عام 1980، و100 معمر عام 1911، بفضل تحسن الرعاية الطبية ونوعية الغذاء ومقاييس الحياة.

وتوقعت أن يرتفع عدد المعمرين إلى أرقام قياسية في بريطانيا خلال السنوات المقبلة، جراء ارتفاع نسبة السكان الذين تزيد أعمارهم عن 85 عاماً بمعدل الضعف، ومن واحد من بين كل 100 بريطاني عام 1985، إلى واحد من بين كل 50 بريطانيا اليوم، وصولاً إلى واحد من بين كل 20 بحلول العام 2035.

وقالت إن معدل المعمرات في بريطانيا بلغ 9 مقابل كل رجل، لكن المعدل انخفض إلى 5 في عام 2010 بفضل تحسن معدلات وفيات الذكور، ما يعني أن متوسط العمر المتوقع لكلا الجنسين وصل إلى مستوى قياسي في بريطانيا.واضافت الدراسة أن الطفل الوليد في بريطانيا بإمكانه الآن توقع أن يعيش 78 عاماً والطفلة 82 عاماً، مشيرة إلى أن 140 ألف بريطاني وبريطانية سيبلغون سن 100 عام خلال العقود الثلاثة المقبلة.

وقالت إن تزايد عدد المسنين في بريطانيا رفع متوسط عمر السكان بمعدل 39.7 عام، بالمقارنة مع 35 سنة 1985، واستأثرت مقاطعة سامرست الغربية بأعلى متوسط عمر في البلاد بـ 52 عاماً، تلتها مقاطعة نورفورلك بـ 51 عاماً.

وكان التقرير السنوي الذي تصدره مؤسسة يو سويتش البريطانية للأبحاث قد قال ان بريطانيا هي أسوأ بلد يمكن العيش فيه في أوروبا‏،‏ وذلك بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة واختلال الميزان بين العمل والحياة وانخفاض الانفاق الحكومي في مجالي الصحة والتعليم‏.‏

وتعد هذه هي المرة الاولى التي تحتل فيها بريطانيا الموقع الاخير في مؤشر يو سويتش السنوي لنوعية الحياة الذي يقارن بين الاوضاع في عشر دول أوروبية بالاعتماد على 16 عاملا من بينها: مستوى الدخل، وضريبة المبيعات، وتكلفة السلع الاساسية كالوقود والغذاء والطاقة، إضافة إلي عوامل أخرى كعدد ساعات ظهور الشمس، وعدد أيام العطل والإجازات، وعدد ساعات العمل، ومتوسط الأعمار المتوقع.

وبينما جاءت بريطانيا في الموقع الأخير، احتلت فرنسا المركز الاول عن جدارة للعام الثالث على التوالي، بينما حلت إسبانيا في المرتبة الثانية، وهولندا في المرتبة الثالثة.

ورغم تمتع البريطانيين بدخول أعلى من المعدل الاوروبي- باعتبارهم أصحاب رابع أعلى دخول في القارة- فإن ترتيب بلادهم تدني بسبب ساعات العمل الطويلة وقصر الاجازات السنوية وتأخر عمر التقاعد وارتفاع اسعار الغذاء والطاقة وبنزين السيارات، إضافة إلى قلة عدد الساعات التي تسطع فيها الشمس.

كما كان للانفاق الحكومي المتدني نسبيا في مجالي الصحة والتعليم تأثير كبير في تأخر بريطانيا مقارنة بقريناتها الاوروبيات، وهو امر سيزداد سوءا نظرا لخطط الحكومة البريطانية لخفض الانفاق العام، فبينما لا تنفق بريطانيا سوى11% من دخلها القومي في المجال الصحي، يبلغ المعدل الاوروبي 12%، كما يبلغ الانفاق الحكومي البريطاني في مجال التعليم 36،5% من الدخل القومي، وهو رقم يقل عن المعدل الاوروبي ايضا.

كما تأثر ترتيب بريطانيا سلبا نتيجة لظروف العمل السيئة نسبيا، فالعمال البريطانيون يعملون في المتوسط 4،36 ساعة في الاسبوع، ولا يتقاعدون حتى يبلغوا الخامسة والستين من العمر، بينما لا تزيد ايام الاجازات التي يتمتعون بها على 28 في المتوسط.