طبقة الثوار: مقدمات لاحتكار الثورة المصرية

بقلم: محمد صبح

بدأ دور الشباب المصري في ثورة الخامس والعشرين من يناير، بقيام عدد صغير منهم، لا يتجاوز العشرات أو المئات بالتخطيط والدعوة إلى التظاهر السلمي، من أجل المطالبة بالحقوق والحريات العامة وتحسين الأوضاع المعيشية، دون أن يصل طموحهم في ذلك إلى مستوى إحداث ثورة، وكان دور هذه المجموعة هاماً ومؤثراً ومبهراً للغاية، قياساً بما ترتب عليه فيما بعد من قيام وتأجج الثورة المصرية.

تضاعف العدد وازداد في المراحل التالية لاشتعال الثورة، بانضمام أعداد غفيرة، اندرجت في أغلبها ضمن المشاركين لا المخططين أو القادة، وعقب نجاح الثورة بلغ العدد حدا شمل كل شباب مصر تقريباً، بما في ذلك بعض من الذين سعوا ولعبوا أدواراً في إجهاضها، فتساوى المشاركين من الشباب في النضال بالذين كانوا متبطلين منه!

ووسط انطلاق أجواء التقدير والعرفان الشعبي العارم بدور الشباب في الثورة، استعذب الشباب كفئة عمرية كانت مغمورة ومهملة ألوان التقدير، لاسيما وأنها أمدته بشعور طاغي بالتميز لم يعايشه من قبل، وخلقت لديه تفضيلاً للإبقاء على ذاته في إطار هذه الصورة، فانساق في العمل على إذكائها وتعزيزها بمواقفه، حتى أفضى به توجهه الداخلي إلى الاستقلال بذاته وفئته العمرية في نطاق طبقة خاصة استمرئ على تسميتها بطبقة الثوار.

وللحقيقة فالشباب لم يأتلفوا ولم يتضامنوا فيما بينهم من خلال الممارسات لتشكيل هذه الطبقة، وانضوائهم في إطارها جاء كاتجاه نفسي واجتماعي، دون تخطيط مقصود، والأقرب إلى الصواب أن أسباب تشكيلهم لها، نمت تحت مستوى الوعي، لكن من السهل ملاحظة آثارها التي تجسدت، في تأجج حماسهم الجماعي المفاجئ، للاشتغال بالعمل السياسي والاهتمام بالشأن العام، رغم تنوعهم المذهبي والفكري اللافت، وتوزعهم بين تيارات سياسية متعارضة.

فانتماء الشباب إلى تلك الطبقة يعبر عن توجه عام، وليس له أي مظاهر تنظيمية في الواقع، ويمكن القول أن تشكيل هذه الطبقة، كان نتيجة لقبولهم بالتحول من فئة عمرية، إلى طبقة محتكرة لفضل القيام بالثورة وإنجاحها، وهذا توجه سياسي ونفسي واجتماعي خاطئ يقوم على إغفال الحقائق وخداع الوعي الوطني واستغلال التعاطف الشعبي بقصد أو بغير قصد استمتاعاً بنشوة تحقيق الذات.

ومن المفضل تناول الأسباب التي أدت بالشباب إلى الاستقلال بأنفسهم كطبقة ثوار، قبل تناول مظاهر هذا التوجه كما ظهر في الواقع، يتمثل السبب الأول في تعرض الشباب للحرمان والكبت من كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، طوال فترة النظام الفاسد السابق، ولا ينكر أحد أن هذا السبب كان من أقوى الأسباب التي حفزتهم على التخطيط للمظاهرات والمشاركة فيها، ورغم أن شأنهم في معاناة الكبت كان شأن بقية الفئات الأخرى في المجتمع، إلا أن أجواء التقدير الشعبي التي أعقبت نجاح الثورة وفي أثنائها، دفعت بتنفيسهم اللاشعوري لأن يأخذ هذا الاتجاه، في تضخيم الذات من أجل استعادة التوازن المفقود في داخلهم، والذي ظل محصوراً في المقدمات المعبرة عن ردة الفعل الأولية العنيفة، القائمة على تعويض مركبات النقص بمركبات الإشباع.

ولأن مركبات النقص كانت هائلة، جرى كذلك التحول إلى الإشباع بنفس القوة المتطرفة، وبدلا من استعادة التوازن في الإطار الطبيعي كغيرهم من المواطنين تحولت مركبات النقص إلى مركبات عظمة واحتكار وهيمنة وعصمة.

وفي الإمكان الاستدلال على صحة ذلك، من ملاحظة المدلولات التي اقترنت مؤخرا بمفهوم كلمة الشباب في الاستعمال، فمغزى الكلمة أصبح مكتنزاً لمعاني الانجاز الثوري، ويتحلى بإشارات التبجيل والحظوة في القلوب، الأمر الذي أدى إلى تحول الكلمة إلى أيقونة مختزنة ومسكونة بالخوارق، بطريقة أضحت تفوق مكانة كل المدلولات الملهمة للوجدان الإنساني، كمدلول الوطنية والحرية والعدالة والثورة، ومن العجيب انتكاس الحال بهذه الملهمات الإنسانية وتراجع مقامها إلى مقام التبعية، حيث أصبح يقال ثورة الشباب ووطنية الشباب.

ويتواصل العجب ولا ينقطع في ظواهر عدة، منها تمحك ومسارعة أعداد كبيرة من المنتمين إلى الفئات العمرية الأكبر سناً، إلى الانتساب لفئة الشباب من أجل الظفر بنصيب من حظوة القلوب التي يستأثر بها الثوار، فلا عجب إذا رأيت شباباً جاوزوا الخمسين أو الستين بين أفراد هذه الطبقة، وعذرهم في اللجوء إلى هذا الاحتيال، هو الحرمان من الحصول على التقدير المستقل نظير مشاركتهم في الثورة!

السبب الثاني الذي يبعث في الشباب هذا التوجه هو تردي الوضع الأمني، وتلكؤ قادة المجلس العسكري المتنفّذين الحقيقيين في السلطة، في تلبية وتحقيق مطالب الثورة، الأمر الذي ترتب عليه بقاء المبرر لاستدامة الفعل الثوري من قبل طبقة الثوار إلى الآن، وهم يدركون أنهم يستمدون حضورهم الباهر والمشرق على الساحة من الفعل الثوري، ويجدون في استدامته تقوية لإدماج كينونتهم بنصاعة الثورة وألقها المبهج، وربما كانوا يتوقون في اللاوعي إلى استمرار هذه الأجواء حتى يدوم استمتاعهم بالحضور الطاغي على الساحة، ذلك الذي يعوضهم عن الغياب المطبق في السابق.

السبب الثالث هو تغاضي وعدم اهتمام، بقية أبناء الشعب المصري من الذين شاركوا في صنع الثورة، بالاعتراض على تضخم دور الشباب ومكانتهم على حساب الفئات الأخرى، حتى أضحت الثورة تنسب إلى الشباب في الأدبيات المتداولة، على خلاف الحقيقة والواقع، فالثورة هي ثورة كل الشعب المصري ومن يراجع مقاطع الفيديو والصور الملتقطة لمشاهد الثورة، يجزم من خلال مقارنة أعمار المشاركين أن كافة أبناء الشعب المصري حتى الأطفال والرضع جسدوا حضورهم في مجريات الثورة وأحداثها، وهو ما يؤكد أن غلبة المشاركة كانت لغير فئة الشباب، وبناء على ذلك ومن باب الالتزام بالحقائق يجب تسمية الثورة بثورة الشعب المصري والامتناع عن تسميتها ثورة الشباب، لأنها انجاز تاريخي شارك في تحقيقه الشعب بوعي جماعي، وليس أدل على صدق هذه الحقيقة، من اعتراف وتأكيد مخططي المظاهرات أنفسهم، بأنهم لم يخططوا لإحداث ثورة في البدء، وكان هدفهم مقتصر على تنظيم المظاهرات، التي قدر لها أن تأخذ منحى الثورة بفضل زخم المشاركة الشعبية وتبلور الوعي الوطني على خيار الثورة.

ومن أبرز مظاهر هذا التوجه على الشباب، تنصيب طبقة الثوار لأنفسهم مراجع لسلطة الدولة، والتصرف على أساس من الاعتقاد بصواب فرض وجهات نظرهم لا الاعتقاد بصوابها فقط والفرق واضح، وهذا مسلك خاطئ وخطير للغاية سيفضي في حالة استمراره إلى تقويض ونقض سلطة الدولة، التي تعود في مرجعيتها إلى إرادة الشعب بأكمله، باعتبار صدور سلطة الدولة في الحقيقة عن الشعب وتجسيدها لذاته الجماعية، فالشعب هو مصدر السلطة والأمر الطبيعي أن يقوم بها ويباشرها في الممارسة، ويجب أن يتنبه الجميع إلى أهمية مراعاة الالتزام بهذا القانون المنظم لواقع نشأة الدول والمجتمعات، عند النهوض الصحيح بأوضاع مصر، وهو كون "الشعب مصدر السلطة والقائم بها" فمن الواجب أن تقاد مصر قيادة جماعية من خلال المؤسسات من قبل كل أبنائها.

فوجود مصر الحضاري لا يتحقق إلا باجتماع حضور إمكانات مواردها مع حضور إمكانات شعبها، وعندما ُيفرض على مصر الوجود بأحدهما دون الآخر، فمردودها يكون مسخرا لمصلحة أطراف خارجها.

ولقد عايشت مصر وضع استنزاف مواردها وتعويق تقدمها الحضاري فترات عديدة من تاريخها المديد، وقبل اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير كان هذا الوضع قائما، وكانت مصر مفتقدة فيه لحضور شعبها في تحقيق وجودها، لذلك كانت مصر بلا إرادة حقيقية، وبلا مكانة واقعية ومطعون في حريتها، العدل غير مطبق وسلطة القانون كانت أداة للتنكيل بالشعب وتبديد ثرواته، وعندما قامت الثورة، وكانت تعبيرا خالصا عن إرادة الشعب المصري، استعادة مصر امتلاك إمكانات مكونيها ثانية.

كان ذلك هو طابع الأجواء ومازال، ولقد ترتبت على هذه الاستعادة انقطاع مصر عن عهود الاستبداد والديكتاتورية والاستغلال، وكان مفترضا أن تتحرر مصر تحررا حقيقيا من الديكتاتورية، غير أن ذلك المطمح لم يتحقق إلى الآن، وكل ما جرى هو استبدال مصر لأزياء دكتاتوريتها، حيث خلعت عنها ديكتاتورية الفساد المجسدة في النظام البائد، وانزلقت إلى دكتاتورية التحلل من سلطة الدولة.

لقد احتكر النظام السابق سلطة الدولة، ووظفها في تحقيق مآرب ومصالح غير وطنية، قام بالاستغناء عن ضرورة توفير الشرعية الشعبية للسلطة، واكتفى بأن تحافظ السلطة على رمزية تمثيلها للشعب فقط، ووعي ما بعد الثورة عند طبقة الثوار وغيرهم من القوى، ُيمعن في تعطيل سلطة الدولة وإسقاط كينونتها المستمدة افتراضا من تضامن وتوحد إرادة الشعب.

الفرق بين حالتي النظام السابق وما بعد الثورة أن النظام السابق ظل محافظا على اندماج السلطة بمصدرها الطبيعي وهو الشعب، ووعي ما بعد الثورة شرع في فرض مصدر آخر، يتمثل الآن في إرادات المجموعات والقوى السياسية المتواجدة على الساحة نظير مشاركتها في الثورة!

محمد صبح