زيادة المتطفلين وسيطرة رأس المال: الدراما السورية تمر بأزمة أخلاقية

دمشق- من سامر إسماعيل
'نبش حكايات من صميم الواقع السوري بعيداً عن خداع المشاهد'

نجحت ندوة كاتب وموقف في لقائها الشهري الأربعاء بإثارة العديد من القضايا النقدية الهامة عن واقع الدراما السورية لعام 2011 باعتمادها على شفافية الحوار الذي أداره الاعلامي عبد الرحمن الحلبي بين جمهور ثقافي أبو رمانة وضيوف الندوة التي جمعت كلا من المخرج هشام شربتجي والكاتب فادي قوشقجي والناقد الفني ماهر منصور حيث أجمع هوءلاء على ضرورة إيجاد رقابة معاصرة قادرة على فرز الجيد من الإنتاج الدرامي في سورية.

وقال المخرج هشام شربتجي "اننا بأمس الحاجة اليوم إلى اكتشاف المواهب الشابة ورعايتها ولاسيما من جيل الشباب بغية النهوض بواقع هذه المواهب وتأهيلها نحو سوق العمل بعيداً عن وصايات شركات الإنتاج الخاصة التي كرست واقعاً متناقضاً في قطاعات العمل الفني تنازل عن الكثير من أعراف المهن الفنية الإبداعية وفي مقدمتها الكتابة والإخراج ليصبح الكثيرون من المتطفلين وأصحاب الأموال قيمين على أعمال درامية لا تتمتع بأدنى الشروط الفنية الجمالية".

فكرة أيده عليها الناقد الفني ماهر منصور الذي ناقش واقع الخبرات الفنية الموجودة اليوم مستشهداً على ذلك بالجزء الثاني من مسلسل "يوميات مدير عام" الذي طرح واقع الفساد في الدوائر الحكومية وفق الصيغة التي كتب بها المسلسل في التسعينيات ليعالج وقائع تجري عام 2011 دون الأخذ بالاعتبار مجمل التغيرات والتطورات الاجتماعية التي طرأت على بنية المجتمع السوري طيلة أكثر من خمسة عشر عاماً ليؤدي ذلك إلى غياب البهجة التي تلقى بها الجمهور هذا العمل الكوميدي عند عرضه أول مرة على الجمهور العربي "مدخلاً إيانا في المتوقع البعيد عن نكهة الغموض في مثل هذه الأعمال".

بدوره قال المخرج هشام شربجي الذي أخرج الجزء الأول من "يوميات مدير عام" إن "الشركة التي قامت بإنتاج الجزء الثاني من العمل لم تراع حقوق مؤلف الجزء الأول ولا حقوقي كمخرج لهذا العمل ما يترك انطباعاً جلياً لدى القائمين على الجزء الثاني بأنهم تجاهلوا حقوقا فنية إبداعية غاية في الأهمية اتكأت في عملها على نجاح العمل في جزئه الأول دون مراعاة شروط الزمن وقواعد فن الكوميديا التي تقول ان ما يضحك المشاهد في الأمس ليس بالضرورة أن يضحكه اليوم أو غداً وهذا سر من أسرار صناعة العمل الكوميدي الناجح".

الكاتب والسيناريست فادي قوشقجي نقل أيضاً وجهة نظره مقيماً أعمال البيئة الشامية التي صنف بعضها بالضعيف وغير اللائق فنياً فيما صنف بعضها الآخر بالجيد والمعقول، معيداً دخوله إلى مجال الكتابة الدرامية بعد تحقيقه لثلاث روايات أدبية بأن العمل التلفزيوني اليوم أكثر انتشاراً وقدرة على تحقيق التواصل مع شرائح متنوعة من الجمهور "فالكاتب يتوق دائماً لإيصال أفكاره ورؤاه إلى أكبر عدد ممكن من الناس بعيداً عن الإسفاف بل بالتركيز على قيم الحداثة والمعاصرة والتنوير والأخذ بيد المجتمع إلى ضفة جديدة من التفكير الجماعي الإيجابي والحوار مع الآخر".

وأوضح صاحب رواية "أطياف الشمس" أن "على المادة التلفزيونية اليوم أن تحمل إضافة لقيم الترفيه أفكاراً ومواقف للكاتب مما يجري في مجتمعه وفق حيز معقول من الرقابة الإيجابية القادرة على ترك مساحات جديدة أمام كتاب الرواية التلفزيونية تساعدهم على نبش حكايات من صميم الواقع السوري المعاصر بعيداً عن خداع المشاهد أو مغالطة وعيه للوصول به إلى آفاق غنية من الفرجة والمتعة والمعرفة في آنٍ معاً".

موقف أوضحه الناقد ماهر منصور بقوله ان هناك جدارين واطئين اليوم في مجال الدراما السورية هما النص والإخراج ما ساهم بقصد أو بدونه في ظهور أعمال لا تمت إلى العمل الفني الراقي بصلة بل كرس موسماً درامياً بعد آخر في زيادة حالة الفوضى والتبعية لمزاج شركات الإنتاج النفطية التي جعلت من مسلسل كباب الحارة نموذجاً لتنميط مدينة عريقة كمدينة دمشق وتحت حجة الافتراضي ما ساهم بدوره في إنتاج العديد من أعمال البيئة التي شوهت الكثير من القيم الشعبية والفلكلور الدمشقي الأصيل وقدمته بصيغة سياحية محضة.

الكاتب قوشقجي بادر إلى القول انه كلف نفسه مشقة القدوم إلى الكتابة الدرامية في سبيل قضايا لها علاقة بالتحرر الاجتماعي والتطور ومواكبة روح العصر شارحاً في شخصياته الدرامية طبيعة الإزدواجية في الشخصية الشرقية العربية بشكل عام نتجت عن شرخ حضاري واضح بين قيم الماضي وتقاليده من جهة وبين الرغبة لدى الإنسان العربي في الانعتاق من عبادة الذكريات والتوجه بروح عالية نحو المستقبل بعيداً عن رواسب الأمس والأيديولوجية وكل ما يمت بتقديس القيم الغيبية والبطريركية.

بدوره أوضح الفنان هشام شربتجي أن بعض شركات الإنتاج والنجوم المتسلطين في الدراما السورية أصبح لهم نفوذ استخدموه في إبعاد وتهميش العديد من الفنانين والمخرجين والكتاب وفق أمزجة شخصية لا علاقة لها بتقاليد العمل الفني ولا تسهم في تطوير صناعة الدراما ما خلق واقعاً جديداً قوامه أخلاق السوق المدعومة برؤوس أموال وفضائيات عربية أقصت أسماء هامة واضعة محلها أسماء لا علاقة لها بشروط الصورة والكتابة الجيدتين ودون التفكير بمصير الكثير من الشباب والشابات الجدد الوافدين إلى سوق العمل من المعهد العالي للفنون المسرحية.

بدوره قال الكاتب فادي قوشقجي أنه غير متشائم بعد من واقع الدراما السورية لكنه جزم بوجود أزمة أخلاقية في أوساط هذه الدراما تعمل وفق مزاج أموال غير وطنية وتطبق منطق الربح السريع على صناعتها دون الرجوع إلى صيغة حديثة قادرة على تقديم فرص لجميع الموهوبين في الأعمال التلفزيونية من غير اللجوء إلى مرجعيات جماعات الضغط الموجودة بين شلل الفنانين والمخرجين والممثلين المكرسين على الساحة الفنية.

وختمت كاتب وموقف أمسيتها الدمشقية بحوار ضيوف الندوة مع الجمهور الذي طرح أسئلة ملحة على المحاضرين تنوعت بين ضرورة حماية وعي المشاهد السوري من الأعمال التجارية الرخيصة وبين حتمية ترسيخ سبل جديدة لدعم الدراما الوطنية بمنأى عن أجندات المحطات المنتجة وبدعم جدي من مؤسسة الإنتاج التلفزيوني والإذاعي بغية تحقيق مستوى لائق للفن البصري في سورية.(سانا)