بارت وفوكو حاكمان في امبراطورية الاشارات متورطان في محاولة اغتيال المؤلف

لندن: من كرم نعمة

الكتاب: المؤلف.
المؤلف: أندرو بينيت.
المترجم: سُرى خريس.
الناشر: مشروع كلمة- هيئة أبوظبي للثقافة والتراث
الطبعة: الاولى- أبوظبي 2011.

اذا كان من المستحيل ان تتحدث أي شخصية عن شكسبير، أو عن أي شاعر أو كاتب مسرحي فتصفه "بالمؤلف" في زمن يعود الى ذلك العصر قبل 500 سنة حيث عاش شكسبير، فكيف تسنى لمؤلف هذا الكتاب ان يجد اجابة لتداعيات مرتبطة بهذه التسمية "من هو المؤلف؟".

يقول الباحث أندرو بينيت واستاذ النقد في جامعة بريستول "لا يبدو محتملاً أن يقوم أي معجب بويليام شكسبير، مهما كان متحمساً لاعماله، أو مهما كان هازلاً أو حتى غير واثق من هوية الشاعر، بطرح السؤال التالي: هل انت مؤلف مسرحيات شكسبير؟".

وفي اجابة أولية يقترح بينيت في كتابه "المؤلف" الذي ترجمته سُرى خريس وصدر هذا العام عن مشروع كلمة في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، احدى علامات الفرق الواضح بين مفهومنا للمؤلف ومفهوم شكسبير، تتجلى من خلال حقيقة أن كلمة "مؤلف" على النقيض من المفهوم العام لكلمة سلطة أو للشخص الذي يعد مسؤولاً عن أمر ما، وهكذا تظهر ست مرات فقط في الاعمال الكاملة لشكسبير، التي تحتوي على ثمانمائة وثمانين ألف كلمة، ولنا ان نتخيل كم مرة تتكرر كلمة "مؤلف" في الكتابات المعاصرة وحتى قبلها.

لا يتيه هذا الكتاب بقدرة مؤلفه في مسار تاريخي أو جدل لا يفضي الى شيء، بقدر ما يكشف وببراعة منهجية دلالات "المؤلف" ككلمة وكأثر وعلاقتها بالنص المكتوب.

فهو يستعير من مارجوري غاربر أحد الطرق في البحث عن المؤلف في سياق نقاش يدور حول الوجود "الطيفي" لشكسبير في مسرحيات وفي خيالنا على حد سواء، فالبحث عن "المؤلف" يضاهي البحث عن الابوّة، ويكشف عن الباحث أكثر مما يكشف عن عملية البحث.

كذلك يبدو موضوع هذا الكتاب هو تلك الشخصية المثيرة للاهتمام، أي المؤلف أو ذلك الشخص المعبر عنه بـ"لا أحد" الذي طالما أبهرنا.

ويعالج كتاب أندرو بينيت جزئياً المسافة التي تفصل مفهوم المؤلف في زمن شكسبير عن مفهوم المؤلف في زمننا هذا، ويناقش أيضا المسافة بين الشخصية المجهولة وشخصية المؤلف، وبين عملية تسمية أو تجريد المؤلف من اسمه، وبين حضوره وغيابه أو بين حياته وموته.

وينصب اهتمام هذا الكتاب على السؤال الذي يطرحه الشاعر ويليام وردزورث ألا وهو "ماذا نعني بكلمة شاعر؟ من هو الشاعر" ويُوسع نطاق هذه الكلمة بشكل فعّال لتشمل كل اولئك المرتبطين بعملية إنتاج النصوص الأدبية، أي "المؤلفين" بشكل عام، فيكون السؤال: "ماذا نعني بكلمة المؤلف؟" ويمكن لأندرو بينيت أيضاً وعلى غرار ميشيل فوكو أن يسأل في متن كتابه هذا "ما المؤلف؟".

ويناقش بقدرة بحثية تلتزم بامتياز بمنهجية البحث الأدبي وعرض مختلف الأراء حتى انه يلجأ في كثير من الاحيان الى اقتباسات من بحوث اخرى تقتبس بدورها، ويشير الى المصدر الأول والمصدر المقتبس منه، في طريقة غير متداولة في منهجية البحث، من دون ان يوضح لماذا لا يذهب مباشرة الى المصدر الأصلي.

رولان بارت
يركز في بدايته على أهم مقالين تركا أثرهما على نظرية التأليف في النقد الأدبي في القرن العشرين، وهما مقال "موت المؤلف" لرولان بارت ومقال "ما المؤلف" لميشيل فوكو، لكنه يبدأ باستعارة تعريف قاموس أوكسفورد لكلمة مؤلف المشتقة من الفعل اللاتيني المرتبط بكلمات "يُصنع، يُنبت، يُنشي، يؤسس، يزيد" وبعدها تطورت الكلمة في القرن الرابع عشر الى المؤلف الذي تميز بالسلطة أي الشخص الذي تُشكّل العبارات تحت سلطته، فيصبح مصدر النص، أو سلطته بحد ذاته.

موت المؤلف

توفي رولان بارت عام 1980 أي بعد ثلاث عشرة سنة من اعلانه لموت المؤلف في مقاله "موت المؤلف" المنشور عام 1967، ومنذ ذلك الحين وخزانة تلك المقالة تنبش وتنهب، او كما ينقل بينيت عن الشاعر الاسترالي لي موراي قوله "ان كل من يقول بموت المؤلف يفكر عادة في أن ينبش وينهب خزانة ثياب المؤلف" ثم يجادل بتعزيز استعارة موراي أو تشويهها بوصفه لرولان بارت بالحاكم في امبراطورية الاشارات، وانه كان امبراطوراً متجرداً من ملابسه.

ويكتب بينيت "لقد عاد مقال بارت الكلمة الأخيرة التي تقال عن المؤلف في العقود التي تلت نشره 1967، وغالبا ما فُهم مقاله بلغة النقد النظرية، كاخر الطقوس التي تُودى فوق جثة فكرة المؤلف، ولم يتجاوز هذا الفهم (التطرف الصارم) كما يسميه مايكل نورث، الذي يوحي به عنوان المقال، ان العدول الجدلي الذي تتضمنه العبارة يُحفز شعوراً بأن بارت أصدر تهديداً بقتل المؤلف، أو انه حقاً كان متورطاً بمحاولة اغتياله، فطالما فُهم عنوان بارت مجازياً بمعنى أنه يرمز الى مشروع التدمير المعروف (بالنظرية التفكيكية) التي تشتمل في هذا السياق على تشكك راديكالي تجاه ترابط أفكار المؤلف ومعانيه ونواياه، أو حتى امتلاك المؤلف لهذه الافكار وتلك المعاني والنوايا، التي غالبا ما تم تفسيرها كتأكيد على (موت المؤلف)".

ويعد بينيت نقاط ضعف في مقال بارت، وتحديداً توجه المقال نحو التعميم الذي لا أساس له، وتجاهله للدقة الأكاديمية التي يسعى إليها العالم، وطريقته التي تعاكس التاريخ، كنقاط ضعف تزعزع مشروع "النظرية التفكيكية" ذاتها.

ثم يجد معنى مباشراً منطقياً يبدو من خلاله إعلان بارت "موت المؤلف" لا خلاف فيه نسبياً، وأحد أوجه الاختلاف الرئيسية بين الكلام والكتابة يكمن في أن الكتابة، على النقيض من الكلام، تبقى، بمعنى انها تدوم بعد أن يغادر الكاتب. بلغة أخرى فالكتابة، على عكس الكلام، يُمكن قراءتها حتى بعد غياب المؤلف.

غلاف الكتاب بالانكليزي

لتدعيم أفكار بارت عن الموت، يجد أندرو بينيت من الملائم ألا يتحدث المرء عن عنوان مقاله فقط أو حتى عن مقال واحد بعينه وإنما عن ثلاث مقالات متداخلة على الأقل، نشرها في الفترة الواقعة ما بين نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، وهي "موت المؤلف" و"من العمل الى النص" 1971، و"نظرية النص" 1973، وكذلك لا بد من الحديث عن كتبه المعروفة مثل "لذة النص" 1973، ليتم التعرف الى السياق الثقافي والفكري العريض لهذه الاعمال، وعلى النصية والسياسات التي تعكسها. ومحاولة منه التأكيد على التناص، الذي بموجبه يصبح النص مجرد "نسيج... من الاقتباسات" المأخوذة من نصوص أخرى عديدة، وكذلك ينقل عن بارت قوله في مقال "من العمل إلى النص" إن ما يقوم به يُعد "من جوانب عدة، مجرد تلخيص لكل ما يتطور من حوله".

ويقول ان "جملة بارت المدوية، التي يفتتح بها مقاله (موت المؤلف) تُبطل صوت المؤلف، وتلغيه كأصل أو كمصدر، أو كتعبير عن الهوية والوحدة، أو كما يسميه ميشيل فوكو (مبدأ وحدة معينة في الكتابة)، ويعلن بارت انها اللغة التي تتحدث وليس المؤلف".

إله النقد البالي

ويعتقد بارت أن الكتابة تدمر بشكل راديكالي شعورنا بوجود صوت ثابت وأصل راسخ للكلام أو اللغة، وتأسيساٌ على ذلك يصل بينيت الى ان اللغة هي التي تتحدث وليس المؤلف، بالنسبة إلى بارت. ويرى انه سعى الى تحدي وزعزعة وتقويض ما عدّه رمزاً مستبداً مسيطراً متسلطاً للمؤلف أو "إله النقد البالي"، ففكرة المؤلف التي يهاجمها بارت تتضمن استراتيجية معينة للقراءة، ومفهوماً محدداً مفاده أن النص ينشأ كجزء من ذاتيه المؤلف، ومن ثم فالنص مُعرف ومُحدد بذاتية المؤلف وعقله ووعيه ونواياه وسيكولوجيته وحياته كشخص. فالمؤلف، حسب هذا التصور، لا "يملك" النص فقط، وإنما يضمن ويُنشئ معانيه وتفسيراته.

ميشيل فوكو
ويشير بينيت الى إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل والخلاف التي ينهي بها بارت مقاله "موت المؤلف" بقوله "لا تكمن وحدة النص في مصدره بل في وجهته". وتوحي هذه الجملة –حسب بينيت- بأن بارت يستبدل ذاتية المؤلف المسيطرة أو المقيدة بذاتية القارئ المسيطرة أو المُقيدة، وإن كان القارئ مجهول الهوية.

ويصل بقوله ان مقال بارت ينتهي بتصريح آخر مؤثر جداً ولا يمكن نسيانه إلا أنه غامض ومشكوك فيه بشدة، حين يقول "إن مولد القارئ يكون رهناً بموت المؤلف".

وهنا يتوصل الى ان تقويض بارت لمفهوم التأليف بشكل راديكالي، ومشروع التحرّر النصي الذي يعرضه، يتعرضان في نهاية مقاله إلى محيط أكثر صرامة، وذاتيه معينة، عندما يستبدل نموذج الوحدة والأساس الذي يتمركز حوله المؤلف بنموذج آخر يتمحور حول القارئ.

ولعل الأهم، وفق مؤلف كتاب "المؤلف" أندرو بينيت، أن دعوة بارت لهذه الثورة المسلحة، إن جاز القول، في كل من الأدب والنقد، تحوي بداخلها ما يناقضها، أو ما يرجعنا إلى نقطة البداية، وبما ان القراءة في ذاتها يمكن ان تحتوي، حتى حسب وصف بارت، على تكوين "وحدة" قد تكون مجرد "رغبة في وجود" المؤلف، يمكننا إذن أن نلخص شعار بارت الشهير بقولنا إن "مولد القارئ يكون رهناً بموت المؤلف" الذي، على الرغم من ذلك، يستمر ليعيش في حياة "ورغبات ومخيّلة" القارئ.

وعندما يعود أندرو بينيت الى ميشيل فوكو يعيد صياغة الاسئلة السابقة التي أطلقها بين متن مقالات رولان بارت، بطريقة مقارنة ويرى ان فوكو يعكس سؤال بارت عن مصدر الصوت في قصة لبلزاك اتخذها انموذجاً للتحليل، بمقاله المنشور في عام 1969 حين يتساءل فوكو "من يتحدث إذن؟" ثم يتابع بسؤال آخر لا يصدر في الواقع عن فوكو أو عن بارت، بل ينتج داخل نص كتبه صاموئيل بيكت "نصوص بلا هدف" "هل من المهم أن نعرف من يتحدث في النص؟".

يجيب بينيت على هذا التلاقي والاختلاف بين بارت وفوكو في مركز يعود الى صاموئيل بيكيت، بقوله "على الرغم من أن فوكو لا يشير صراحة الى مقال بارت، ولا يرتبط بافكاره أو يفندها بشكل مباشر، إلا أن مقال فوكو يدين بالكثير لبارت، الذي نرى أثره متوغلاً في نص فوكو (والذي نرى فيه أيضا، بشكل ضمني، تأثراً بعمل جاك دريدا)، يمكننا أن نعد مقال بارت، المقدمة غير المعلن عنها لمقال فوكو، أو أحد اسلافه الصامتين أو حتى خصمه أو النص المتناص معه".

أندرو بينيت

وبدلا من مواجهة بارت، يقوم فوكو بنقل جدله من مكان الى آخر، فعلى سبيل المثال، يعّرف بارت الكتابة "بالحيز الحيادي، المركب، الغامض، حيث يختفي شخصنا بعيداً، وهي الحيّز السلبي أيضاً حيث تضيع هويتنا"، في حين يقوم فوكو بتحويل هذا الموقع بطرح جدل آخر مفاده أن الكتابة تخلق "حيّزاَ يختفي الكاتب داخله بصورة دائمة".

رسائل عيد الميلاد

ويبدو لي ان الفصل الأهم في هذا الكتاب الذي احتوى متنه على فصول ستة وقاموس ملحق بانواع المؤلف، معالجة قضية الأدب وعلاقتها بالسيرة الذاتية للمؤلف التي ارتأى مؤلفه أندرو بينيت ان يجعله أخيراً ليحلل فيه أكثر مما يقتبس، من دون ان يغادر منهجيته البحثية الصارمة بصفته استاذا جامعياً وليس كاتباً صحفياً.

فالمتعة البحثية والتحليل ترتقي الى مصاف الشفافية عندما يعالج رسائل عيد ميلاد الشاعر تيد هيوز، ويثير الشجن بعلاقته العاطفية بزوجته الشاعرة المنتحرة سلفيا بلاث بعد ان هجرها الى امرأة ثانية.

فعندما نشرت "رسائل عيد الميلاد" في جريدة التايمز البريطانية في كانون الثاني (يناير) عام 1998 اقترح مقدمها أندرو موشن أن تقرأ القصائد لما تزود به القراء من تبصّر نافذ لمؤلفين وليس لمؤلف واحد، هما هيوز وبلاث، ليطرح السؤال الحاسم المتعلق بالسيرة الادبية، والقلق المعاصر حيال ماهية التأليف والسيرة الادبية، ولماذا يتوجب علينا أن نفعل هذا؟ لماذا يجب أن نمنع قراءة القصيدة من خلال المؤلف، وقراءة للمؤلف من خلال القصيدة.

هنا يرى بينيت ان طرح مثل هذا السؤال "سؤال أندرو موشن" يثير ببساطة احتمالية أنه يتوجب علينا، أن نتجنب هذا النوع من القراءات.

ويصل الى ربط علاقة المؤلف باسمه في انتقاء أمثلة لامعة، فدانتي يذكر اسمه مرة واحدة في "الكوميديا الالهية"، وفي غالاتيا لميغيل دو سيرفانتيس، وهي إحدى أعمال الرومانس التي يعلق عليها سيرفانتس نفسه في الفصل السادس من "دون كيشوت" حيث يقول القسيس "لقد كان زميلي سيرفانتيس صديقاً عزيزاً لسنوات عدة، وأعلم انه ملم بمصاعب الحياة أكثر من الشعر". ويطلق بن جونسون اسمه الاول، بصورة مؤثرة، على نفسه وعلى ابنه في مرثية "الى ابني البكر"، أما اليكساندر بوب فيتلاعب بطريقة بابوية مفهومة باسمه في عدد من القصائد، بينما يظهر اسم بايرون على نحو متواضع مثير للدهشة مرة واحدة في قصائده، اما صاموئيل كوليردج وروبرت براوننغ وت.س.إليوت فجميعهم يستهينون باسمائهم في شعرهم الذي كتب لغرض الترفيه "لكم هو هو كريه أن التقي السيد إليوت" هكذا يقول إليوت في قصيدته "تمارين الأصابع الخمسة"، وهذه الامثلة تعود بالقارئ العربي الى قصيدة الحطيئة التي يهجو بها شكله "أرى لي وجهاً قبح الله شكله- فقبح من وجه وقبح حامله" ثم أدونيس في قصيدته "هذا هو اسمي" ومروراً بفاضل العزاوي في ديوانه "أسفار" الذي نشر صورته جوار قصيدة وطلب من القارئ ان يضع التواريخ المفترضة بعد وفاته!

ويصل المؤلف في نهاية الفصل الاخير من كتابه الى خلاصة ان الشعر نوع من الكتابة التي تحوي على حيّز مؤكد وقائم بين خصوصية التاريخ وعمومية الفلسفة، فالشعر ليس تاريخاً، بل هو أكثر "تفلسفاً" وتعبيراً عن جانب النظرية، وأكثر عمومية من التاريخ، وهو أيضاً ليس فلسفة لأنه يتضمن إعادة وصف لاحداث محددة عوضاً عن، أو بالاضافة إلى، التعبير عن حقائق "عالمية".

ومهما يكن من أمر فهذا الكتاب "المؤلف" لاندرو بينيت لا يكتفي بمنهجيته الصارمة بوصفه كتب تحت هاجس الباحث الجامعي، وانما يفتح اروقة أمام القارئ العادي لاعادة ترتيب معلوماته عن "مفردة المؤلف" التي يتعامل معا بشكل سائد من دون ان يكتشف كم هو مثير افقها.