تقشف ومنع الاستيراد: ثورة رجال الأعمال السوريين لا تقل خطورة عن ثورة الشعب

لندن - من أحمد عبد الله

السوق لا تعيش بصور الرئيس

وصف الكاتب والمحلل السياسي السوري سامي مبيض قرار حظر استيراد المواد الكمالية من قبل الحكومة السورية تحت مسوغ الحفاظ على العملة الصعبة بما يشبه دق اسفين بين السلطات ورجال الاعمال.

وقال مبيض في تقرير نشره باللغة الانكليزية ان المراكز التجارية الكبرى التي تقدم بضاعتها الاجنبية في دمشق وحلب منذ 11 عاما باتفاق مع القوانين الجديدة للبلد، سوف تنهي اعمالها، الامر الذي يولد قطيعة "اقتصادية" مع الحكومة.

وفتحت شركات كبرى فروعا لها في المدن السورية بعد تسلم الرئيس الحالي بشار الاسد الحكم، في محاولة للانفتاح الاقتصادي على العالم.

وغزت الماركات الاجنبية الأسواق السورية، إلى جانب صالات عرض السيارات الجديدة، ومراكز التسوق الفاخرة والمقاهي والمطاعم الاستثمارية بعد توظيف الأموال السورية في الامارات وبعض دول الخليج.

واشار الكاتب الى استثمارات رجل الاعمال ماجد الفطيم بحدود 817 مليون دولار في مجمع تسوق افتتح في اذار/ مارس الماضي.

ونبه الى ان تدابير اليوم حول منع استيراد بعض المواد تذكر السوريين بالسياسات الاشتراكية المؤرقة التي تم فرضها عام 1980، خلال فترة الحكم الاشتراكي لرئيس الوزراء عبد الرؤوف قاسم، حيث منعت أجهزة الفيديو في سوريا والسيارات الجديدة والملابس وحتى الاطعمة مثل الموز والقهوة...

واستخلص الكاتب الى ان اجراءات منع الاستيراد للكماليات هو اجراء ستاليني ما له مكان في عالم اليوم ولا يمكن ان يكون اجراء يساعد الحكومة السورية على الخروج من محنتها.

والأزمة سياسية ولا يمكن معالجة بعض جوانبها باجراءات اقتصادية أول ما تمس المواطن المتضرر أصلا.

وقال ان سوريا اليوم هي أكثر عرضة للتأثر من العام 1980 بسبب ارتباطها بالعالم الخارجي، كما ان سلوك المستهلك قد تغير منذ صعود الاسد الابن الى الحكم واصبح من الصعب عليه العود الى الوراء.

كما ان رجال الاعمال السوريين يعزون "الازمة" الى اخطاء الحكومة ويشيرون الى الاضطرابات التي حدثت في تونس ومصر، لكن السلطات لم تشرع مثل هذه القوانين "التعسفية" ضد الاوساط التجارية.

وتوقع سامي مبيض ان تفتح قرارات منع الاستيراد الابواب على وسعها امام المهربين لاستقدام السلع من لبنان وتركيا، كما فعلوا في العام 1980 بتهريب البضاعة على ظهور البغال.

وتضرر رجال الاعمال السوريين في الازمة الاخيرة وابلغتهم البنوك الاجنبية في لبنان خصوصا عدم شرعية التعامل وتحويل الاموال الى الخارج وتوقفت "ماستركارد" و"فيزا" ، و"أميركان اكسبريس" عن العمل في سوريا.

ويرى رجال الاعمال السوريين ان السلطات بدلا من ان تفتح لهم الابواب لمواجهة عقوبات الاتحاد الاوروبي اسهمت في قفلها امامهم.

وأعلن السفير السوري لدى واشنطن عماد مصطفى أن بلاده ستكون قادرة على تجاوز آثار العقوبات الغربية من خلال إيجاد أسواق بديلة في الشرق.

وقالت صحيفة "فايننشال تايمز" في عددها الصادر الثلاثاء أن الحكومة السورية أكدت أن زبائن محتملين لنفطها الخام ومطورين لحقول النفط اتصلوا بها، لكن السفير مصطفى لم يقدم أي تفاصيل عن الشركات أو الدول التي اتصلت بحكومته.

ونقلت الصحيفة عن السفير مصطفى قوله "نحن لم نقترب من الناس بل هم الذين فاتحونا بالأمر، لكن لم يتم توقيع أي عقود حتى الآن".

وفرضت الولايات المتحدة سلسلة من العقوبات على النظام السوري منذ بدء الاحتجاجات في منتصف آذار/مارس الماضي كان آخرها حظر أي استثمار في قطاع الطاقة ومنع الشركات الأميركية من شراء النفط السوري.

وأضافت الصحيفة أن العقوبات كانت رمزية لأن الولايات المتحدة لديها أدنى حد من المشاركة في قطاع الطاقة في سوريا، لكن الاتحاد الأوروبي الذي يشتري أكثر من 90% من صادراتها من النفط الخام قرر محاكاة الخطوة الأميركية وفرض حظراً على النفط السوري من تلقاء نفسه.

وأشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي منح الدول السبع والعشرين الأعضاء مهلة حتى منتصف تشرين الثاني/نوفمبر المقبل للتوقف عن استيراد النفط السوري، وهي فترة قد تمكّن سوريا من العثور على مشترين آخرين لنفطها والحد بالتالي من التأثير الفوري للعقوبات الأميركية والأوروبية.

وخفف السفير مصطفى من أهمية العقوبات الأميركية وأبلغ الصحيفة البريطانية ان "الولايات المتحدة اتخذت مثل هذه الإجراءات منذ خمسينيات القرن الماضي، غير أن العقوبات الأوروبية قصة مختلفة وسيكون لها تأثير سلبي لأنها تخلق تحدياً بالنسبة لنا لإيجاد وسيلة بديلة لتطوير اقتصادنا، ونحن لا ننكر أنها ستكون تحدياً".

وقال "إن العقوبات الأوروبية ستدفع سوريا إلى تحويل توجهها الاقتصادي نحو الشرق وعلى غرار تطلع إيران على نحو متزايد إلى الصين بعد فرض عقوبات صارمة على قطاعي النفط والمال لديها".

وأضاف مصطفى "سنقوم بإعادة توجيه اقتصادنا نحو آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية، ولدينا مجموعة كاملة من الخيارات المتاحة".

وقررت سوريا تعليق استيراد السيارات وبعض الكماليات، كما اعلن وزير الاقتصاد والتجارة السوري الذي برر هذه الاجراءات برغبة الحكومة في المحافظة على احتياطي العملات الصعبة.

ونقلت وكالة الانباء السورية الرسمية (سانا) عن الوزير محمد نضال الشعار قوله "في اطار اتخاذ الاجراءات الوقائية لحماية الاقتصاد الوطني وحماية المنتجات المحلية، اعتمد مجلس الوزراء قرارا يقضي بتعليق استيراد بعض المواد التي يزيد رسمها الجمركي على خمسة بالمئة ولمدة مؤقتة وذلك باستثناء بعض السلع الأساسية التي يحتاجها المواطن ولا تنتجها الصناعة المحلية".

واضاف الوزير في تصريح للصحافيين عقب جلسة مجلس الوزراء ان القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء حول "تعليق استيراد المواد ... التي تشمل بمعظمها الكماليات والسيارات السياحية يهدف إلى الحفاظ على مخزون البلد من القطع الأجنبي...".

واضاف الوزير ان هذا القرار "وقائي ومؤقت وسيسهم في تنشيط العملية الإنتاجية من خلال اعطاء الفرصة للمصانع لانتاج السلع التي توقف استيرادها وبالتالي خلق فرص عمل جديدة او اعادة تشغيل العمال في بعض المصانع التي توقفت عن العمل".

واشار الشعار الى ان هذا القرار "لن يؤثر على استيراد المواد الخام والمواد الغذائية وكل المواد الأساسية التي يحتاجها المواطن في حياته المعيشية".

وعلى مدى خمس سنوات قبل تفجر المظاهرات رفعت السلطات حظرا على النمط السوفيتي كان مفروضا على الاستيراد لكنها فرضت رسوما عالية. غير أن الخطوة لم تخفف الطلب على الواردات ولاسيما السيارات التي بدأت تدخل البلد للمرة الاولى منذ عقود.

وقبل عام 2000 كان السوريون يشترون السيارات الخاصة وكثيرا من السلع الفاخرة من خلال شركات تديرها الدولة.

وقل التجار ان حظر الاستيراد أحدث صدمة في مجتمع الاعمال بالبلاد ومن المتوقع أن يزيد الضغوط التضخمية ويلحق مزيدا من الاضرار بثقة الشركات المتأثرة سلبا بالفعل من جراء الاضطرابات الاجتماعية.

وقال تاجر سيارات في منطقة السبع بحرات التجارية بدمشق طالبا عدم كشف هويته "لا يوجد بيع أو شراء والوضع سيء حتى أن التجار ورجال الاعمال لا يبيعون نقدا أو بالائتمان. أسعار البضائع الاجنبية الموجودة ستقفز".

وقال رجل أعمال اخر في حي الحلبوني بالعاصمة "هذه الخطوة لن تسفر الا عن أن يزيد الوضع سوءا ويزيد عدم اليقين" مضيفا أن المستثمرين والتجار يتخذون موقف الانتظار والترقب.

وقال "انهم يقبضون أيديهم ولا يشترون أي بضائع بل يجلسون وينتظرون لكنهم ليسوا في حالة ذعر حتى الان".

وقال رجال أعمال ان الاقتصاد يواجه ضغوطا في سوق الصرف نتيجة للاحتجاجات مما قد يستنزف الاحتياطيات الاجنبية التي كانت حوالي 18 مليار دولار في وقت سابق هذا العام.

ويقول اقتصاديون ومصرفيون ان الاحتياطيات تتراجع مع قيام البنك المركزي بضخ العملة الصعبة لوقف تراجع سعر صرف الليرة السورية في السوق السوداء.

ويبلغ سعر الصرف الرسمي 47.4 ليرة للدولار. لكن الدولار متداول بسعر 51 ليرة وأكثر في السوق السوداء.

وتأثر الاقتصاد السوري سلبا جراء عقوبات دولية للضغط على الاسد تشمل حظر صادرات النفط السورية الى الاتحاد الاوروبي. ويقل محللون في سوريا ان الاستثمار الاجنبي تراجع بدرجة كبيرة.

وقال اقتصاديون ورجال أعمال ان الاضطرابات وتضرر الانتاجية في صناعات حيوية قد نالا من اقتصاد البلد الذي كان يوما ذا قطاع سياحي مزدهر كما تأثرت الواردات.