الغضب والعنف في أوجهما: مصر على شفا انفجار جديد

القاهرة ـ من محمد الحمامصي
العنف لن يكون سياسياً فحسب

تسود حالة من الغضب الشارع المصري، فالأوضاع تزداد تردياً وسط خيبة أمل في الإصلاح واتساع دوائر الشائعات والهواجس التي تشل القدرة على الرؤية منذ انطلاق ثورة 25 يناير.

ولا يعم الاستياء فقراء المصريين فحسب بل هو شعور يشترك فيه الفقراء ومحدودو الدخل والأغنياء على حد سواء.

وتراجعت عائدات رجال الأعمال بفعل ارتفاع رواتب موظفيهم والتقلب الذي يضرب البورصة بين يوم وآخر، وحالة الاضطراب والكساد التي تشل حركة الأسواق، حيث تشهد العديد من القطاعات على رأسها قطاع السياحة والصناعات والأعمال المرتبطة به انهياراً يكاد يكون كاملاً.

وما زال الفقراء ومحدودو الدخل يعانون من البطالة والانفلات الأمني والطرد من العمل والارتفاع الجنوني لأسعار المواد الأساسية وغير الأساسية، وتعطل حركة النقل العام بدخول إضراب سائقي النقل العام، وكذا إضراب المعلمين أسبوعه الثاني، وارتفاع أسعار الدواء والنقص الشديد في أدوية مرضى القلب والسكر والكبد وغيرهما.

ويقول مراقبون إن من الصعب التكهن بشأن الجهات التي ستضرر بالانفجار الوشيك للشارع المصري، وأن من المتوقع أن تتجاوز آثاره الحكومة والمجلس العسكري لتهدد باشتعال "عنف مجتمعي شامل" في ظل الارتفاع المتواصل في معدلات الجريمة والعنف والسطو المسلح وغيرها.

فالعاطلون والمتسولون يحتلون الشوارع بشكل عشوائي ويتخذون من الأسواق والمقاهي والنواصي والأماكن العامة مقرات لهم، وأولياء أمور طلبة المدارس التي يضرب معلموها يسبون المعلمين ويتهمونهم بالجشع، ومستخدمو وسائل النقل العام يشنون حملة شعواء على السائقين داعين عليهم بالويل والثبور، ويتوعدون أصحاب محلات بيع المواد الغذائية واللحوم وغيرها بتمزيقهم إرباً.

ويعلو صوت عجوز متقاعد في السبعين من عمره في إحدى محطات النقل العام بالسباب والشتائم بحق السائقين المضربين، نظراً لوقوفه لأكثر من ساعتين في انتظار حافلة تقله إلى المستشفى الطبي بمدينة نصر الذي يقصده لعلاج عينيه.

ويصرخ العجوز قائلاً "يا ناس أنا عندي موعد مع طبيب العيون لأحدد موعداً لإجراء جراحة المياه البيضاء، يا كفرة كيف سأصل، لي ساعتان وأكثر، وليس لدي القدرة المادية على استئجار تاكسي".

ويريد فلاح قادم من ريف الجيزة الذهاب إلى شارع القصر العيني حيث تقع "عمارات العرايس" التي تضم مكاتب التأمينات الاجتماعية، وقدماه مصابتان ويتحرك بثقل وصعوبة سائلاً كل حافلة مقبلة "رايح القصر العيني".

وحين نبهه أحدهم إلى أن عليه انتظار حافلة للنقل العام، صرخ الرجل "منهم لله".

وحاول أحد الشباب إيضاح الأمر للرجل قائلاً "يا حاج هؤلاء أصحاب حقوق، وهم مضربون مضطرون وليس تمرداً أو أذى، هم أناس مثلك في حاجة لقضاء مصالحهم، عندهم أولاد وبنات يحتاجون ليوفروا لهم الأكل واللبس والتعليم والحياة الكريمة، وكما ترى خلصنا من جشع مبارك وابنه لتحكمنا حكومة لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم، كل واحد فيهم يبحث عن مصالحه وحماية الكرسي الذي يجلس عليه، واحنا نولع".

إلا أن أحد المنتظرين علق على رأي الشاب قائلاً "هل يعقل أن يتم كل شيء من إصلاح وتغيير بين يوم وليلة، لا بد من فرصة ثم نحاسب المسؤولين، لكن أن يضرب الأطباء والمدرسون والسائقون وعمال المصانع مطالبين برفع رواتبهم وحوافزهم مرة واحدة، هذا كثير والمطلوب الصبر".

وقال آخر "المشكلة فينا نحن، أصبح الجشع يملأ قلوبنا، البقال يبيع بأضعاف السعر الحقيقي، والمدرس يمارس الابتزاز ويضغط على الطلاب من أجل الدروس الخصوصية، والجزارون يرفعون أسعار اللحوم يومياً ولا نعرف متى يتوقف السعر عن الارتفاع، وسائقو التاكسيات يسرقونك عيني عينك، وقس على ذلك، نحن لا نرحم بعضنا البعض فيرحمنا الله ويولي علينا من يصلح ويعدل".

وألمح أحدهم إلى أن ما يجري مقصود به التنكيل بالمصريين كلهم من ناصر منهم ثورة 25 يناير أو لم يناصرها.

وقال "نظام مبارك هو الذي يحكم الآن، المجلس العسكري من نظام مبارك والحكومة كل وزرائها من رجال مبارك والمصالح والهيئات يرأسها رجال مبارك، لذلك هم جميعاً ينكلون بنا وسوف يذيقوننا المرارة، وهنا الكثير قادم، ربما نصحو غداً فلا نجد رغيف الخبر وهذا كله تأديب من الفراعنة، وهذا دأبهم طوال تاريخ".

الكلام كثير في الشارع المصري، كلام ينضح ألما وغصة ومرارة، ويحمل إشارات خطيرة على انفجار وشيك قد لا يكون على شكل ثورة ضد النظام القائم الذي تعده الأغلبية امتدادا للحكم السابق، لكن ربما يتجلى في ارتفاع ملحوظ في معدلات الجريمة وتفشٍ للعنف وعمليات النهب والسرقة والخطف.

وأصبح من المألوف رؤية مشاجرات توقع قتلى لأسباب ترتبط ارتباطا مباشرا بشؤون الحياة المعيشة، كما حدث في منطقة البساتين جنوب القاهرة عندما قام لص بقتل موظف بعد فشله في سرقته، وكذلك ما حدث في منطقة الهرم بالجيزة حين قام لص بذبح زوجين داخل شقتهما أمام طفليهما.

ويكشف تقرير رسمي لقطاع الأمن العام بوزارة الداخلية أن الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام راح ضحيتها 1206 قتلى في جميع المحافظات مقارنة بالعام الماضي، في التوقيت نفسه الذي شهد عدد جرائم أقل بكثير بلغت 500 جريمة فقط.

وكشف التقرير أن عدد ضحايا جرائم القتل بلغ ذروته في محافظة القاهرة بواقع 196 ضحية، ثم محافظة أسيوط 144، ثم الجيزة 142، أما المحافظة الوحيدة التي لم تسجل فيها أي جريمة قتل خلال الأشهر الثمانية الماضية فكانت محافظة الوادي الجديد، وهو ما يشكل ارتفاعاً كبيراً قياساً بالنسب المسجلة العام الماضي.