الاعلام العربي عندما يقرأ الأمور على طريقته: الشعب يريد إسقاط 'الضوء'

بقلم: جواد البشيتي

إعلامنا العربي، وفي مناخ "الربيع العربي" الذي يتسيَّده شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، أيْ "نظام الحكم الدكتاتوري" وليس "النظام" بمعنى ضديد "الفوضى"، يَسْتَسْهِل "السقوط" و"الإسقاط"، فبعدما أسقط نظرية داروين التي لم تسقط، أسقط نظرية آينشتاين التي لن تسقط، فكان عنوان "الخبر" في جرائدنا اليومية "سقوط نظرية آينشتاين.. جسيم أسْرَع من الضوء"؛ وكأنَّ سقوط "النسبية الخاصة" و"النسبية العامة" لآينشتاين بسهولة ويُسْر سقوط زين العابدين ومبارك والقذافي، وصالح وبشار عمَّا قريب!

لقد وَقَعَت عليهم "النتيجة (النهائية والحاسمة، على ما بَدَت)"، أيْ نتيجة الاختبار الدولي بين منشآت المركز الأوروبي للأبحاث النووية (سيرن) في جنيف ومختبر "سان غراس" تحت الأرض في إيطاليا، وقوع صاعقةٍ من سماء صافية الأديم، فَلَمْ يُصَدِّقوا؛ وكيف لهم أنْ يُصَدِّقوا أنَّ جسيماً ما، أو شيئاً ما، في الكون، يُمْكِنه أنْ يكون أسرع من الضوء (من جسيم "الفوتون") ولو قليلاً، وقليلاً جدَّاً (6 كم)!

صَعَقَتْهُم "النتيجة"، فَقَضوا ستَّة أشهر وهُمْ يعيدون التجربة نفسها، لعلَّهم يتوصَّلون إلى نتيجة مختلفة؛ ولكنَّ جسيم "النيوترينو"، الغامض المُلْغَز المراوِغ الخبيث، أبى إلاَّ أنْ يظلَّ كإبليس، يُحرِّضهم على الكفر بما آمنوا به زمناً طويلاً، وبالشِّرْك بذاك الواحد الأحد، أيْ الضوء الذي ظَنُّوا أنْ لا شيء في الكون يمكن أنْ يكون أسرع منه، مُبْتَنين (وآينشتاين معهم وفي مقدَّمهم) من هذه "المُسَلَّمَة" نظريات، لكثرتها وتشابكها وترابطها وتداخلها، تكاد أنْ تكون فيزياء كاملة متكاملة؛ ولقد كان اكتشاف وجود "سرعة قصوى" في الطبيعة، هي سرعة الضوء، كحَجَر سنمار في هذا البنيان الفيزيائي (والكوزمولوجي) المرصوص والشامخ.

الضوء تألَّه فيزيائياً؛ ألَمْ يَقُلْ آينشتاين في "نسبيته الخاصة (وليس في "نسبيته العامة")" أنَّ الزمن يتمدَّد (أو يتباطأ) والطول ينكمش ويتقلَّص (في اتِّجاه الحركة) بما يَحْفَظ ويَضْمَن للضوء "حقُّه الإلهي" في أنْ يظلَّ يسير في الفراغ بسرعة 300 ألف كم/ث، من وجهة نظر كل المراقبين غير المتسارعين، وبصرف النظر عن سرعة هذا المراقب، أو عن سرعة مَصْدَر الضوء، أو عن اتِّجاه سَيْر الضوء؟!

آهٍ كم حيَّرهم ودوَّخهم أمْرُ الضوء وسرِّه؛ فلمَّا اخترعوا "الأثير" لتعليل انتشاره في الفضاء، أثبت لهم أنَّه في غنى عنه، يسير وينتشر في الفراغ؛ ولمَّا استثناه نيوتن من جاذبيته بدعوى أنَّه "عديم الكتلة"، أثبت (عَبْر "مبعوثه" آينشتاين) أنَّه، ولو كان "عديم الكتلة"، يتأثَّر بحقول الجاذبية، فينحني مساره بانحناء الفضاء نفسه، مثله في ذلك كمثل كل مادة لها كتلة؛ وصَعَقَهم إذ أثبت لهم أيضاً (وعبر آينشتاين أيضاً) أنَّه "أصْل" الكتلة، وأنْ لا فَرْق بينه (بصفة كونه "طاقة") وبين "الكتلة" إلاَّ كذاك الفرق بين "بخار الماء" و"الجليد".

حتى آينشتاين نفسه رأى من أمْر الضوء إذ تقمَّص "السندباد الفيزيائي"، الذي أحْسَن خَلْقُه د. همام غصيب، ما حيَّره وأدهشه وجعله يُؤْمِن أكثر بأنَّ بعض الحقائق تَفُوق الخيال غرابةً؛ فلمَّا عَامَ في الفضاء (الذي يكاد أنْ يكون فراغاً تامَّاً) ونَظَر إلى ضوء يسير في ضواحي "ثقب أسود" وَجَد أنَّ سرعته هناك كسرعة سلحفاة؛ ولمَّا وَقَف هذا "السندباد الفيزيائي (الخارق)" على "سطح" ذلك "الثقب الأسود"، ونَظَر إلى ضوء يسير حيث كان يعوم من قبل، أي في ذلك الفضاء، وَجَد أنَّ سرعته هناك ليست 300 ألف كم/ث، وإنَّما (مثلاً) 100 بليون كم/ث!

ومع ذلك، ظلَّ الضوء مُصِرَّاً على أنَّ حُسْن التفسير والتعليل لهذا التبايُن في سرعته يمكن ويجب أنْ يقود إلى ثبات المؤمنين على إيمانهم بثبات سرعته!

أمَّا "النيوترينو" الذي بدا لنا الآن، أو حتى الآن، يُنازِع "الفوتون (أو الضوء)" على عَرْش وملكوت الفيزياء، فأمْرُه يزداد غرابة.

إنَّه جسيم، يُزْعَم حتى الآن أنَّه "عديم الكتلة"؛ إنَّه داكِن مُظْلِم؛ لأنَّه لا يُطْلِق "فوتونات"؛ ولكونه عديم التفاعل مع المادة، على ما يُزْعَم حتى الآن، يستطيع ما لا يستطيعه سواه ألا وهو اختراق المادة التي في منتهى الكثافة؛ حتى المادة التي جاء بها انهيار نجم ضخم على نفسه يستطيع "النيوترينو" اختراقها؛ فَلِمَ لا يحسده "الفوتون"؟!

ولَكَمْ أنْ تتخيَّلوا هول "الكارثة النظرية" إذا ما ثَبُتَ وتأكَّد بما لا يدع مجالاً للشك أنَّ "النيوترينو" أسْرَع من الضوء، وإذا ما أُضيف إلى هذا الاكتشاف اكتشاف آخر هو أنَّ "النيوترينو" ليس بجسيمٍ "عديم الكتلة"!

عندئذٍ، لا بدَّ للفيزياء من أنْ تنهار على نفسها كانهيار نجمٍ عظيم الكتلة، لِتَخْلِق من هذا الانهيار فيزياء جديدة، وبغرابة "الثقب الأسود" المتأتِّي من انهيار ذلك النجم على نفسه!

جواد البشيتي