'غادة الأساطير'.. تمرد أدبي على اللاوعي الإنساني

بقلم: هيثم صلاح
فراشة الحب الحالمة

"غادة الأساطير الحالمة".. هو العنوان الذي تصدر غلاف الرواية الصادرة مؤخرًا عن "الدار العربية للعلوم" بالقاهرة، للروائي محمد العشري، والتي تمتاز بتداخل الحلم بالأسطورة، وهو ما يحول السياق السردي للرواية إلى صور تشبه صور الحلم في تعبيرها عن العقل الباطن الذي تتمكن فيه المخيلة من ابتداع كل المشاهد والأحداث التي يوجهها العقل، رابطة في ذلك بين هذه الأحداث والصور في تسلسل منطقي رائع.

أحداث الرواية تروي قصة زاخرة بالعجيب والغريب على عالم الإنس، وهي حكاية تحركها كائنات خارقة ابتدعتها المخيلة، لتجسد مخاوف الإنسان من قوى مجهولة، سواء كانت بقدرات خارقة أو ذات أفعال طبيعية ولكنها مؤذية. ذاك الصراع الداخلي يحول طاقة الخيال إلى تمثل تلك القوة الخارقة لصالح الإنسان؛ فالرواية تمثل الحلم الذي يشحن الإنسان بالمقدرة والإبداع ليرتقي بذاته وينحت له مكانة وسط فضاء الصراع الذي يعيد له توازنه.

ما يتراءى لقارئ "غادة الأساطير"، أنه إذا صبغت تلك الأساطير بالجانب الحالم في الإنسان؛ يجدها تخلع عنها ثوب الحقيقة والجدية، لتبدو في صورة حكاية مشحونة بالخارق؛ تبحث عن فضاء أكثر حرية وانعتاقا من براثن الواقع.

وقد حرص العشري - خلال الإهداء الذي تصدر الصفحات الأولى للرواية "غادة قلب الرحمة.. وفراشة الحب الحالمة" - على الإيحاء بأن الحواجز القوية التي تكلس الحرية تتفتق بالحب، وتتطهر في نهر الحب الأزلي، وأنها تمنح العصا السحرية للإنسان؛ لتحول أحلامه إلى حقائق.. فتمنحه "الغادة" قوة خارقة تخلصه والآخرين من القوى الشريرة.

أما عن الأمكنة في هذه الرواية، فهي أمكنة طبيعية وبسيطة تتحول إلى فضاءات الصراع بين الإنسان والكائنات الطبيعية المؤذية رغم صغرها؛ ويتراءى ذلك في المشهد الذي يصوره العشري؛ سواء في تكاثر الفئران أو النمل. ليبدو للقارئ وكأنها تحولت إلى قوة مؤذية تنذر بالشر والخراب، ولكن يحسب للراوي استعانته بالطير ليخلص شخصيات الرواية من آفات الكائنات المؤذية، وبذلك تتواصل رحلة المعرفة مغلفة بالأساطير بتلك القلادة التي تسلمها الجدة للغادة في رحلتها للتخلص من الروح الشريرة، ليحل - فيما بعد تلك الأحداث المركبة - مستمدًا قوته الخارقة من الطير.. فالإنسان - في "غادة الأساطير" - في صراعه مع الطبيعة ومع الأرواح المؤذية ينزع نحو الحيل ونحو استمداد طاقة خيرة تزوده بنور المعرفة والبصيرة، ومن ثم لا يكتمل عقل الإنسان في مجابهة وضعه إلا إذا تغذى بالحدس والعقل.

محمد العشري

الغريب في أحداث الرواية، أن الأفعال الأسطورية لا تقوم على الطقوس، بل على إرساليات السماء عبر منطق الطير، كأن يشير العشري إلى أن رحلة الكشف المعرفي تتمثل في تحرير مصدر الضوء في رحلة المعرفة من زحف المارد الخانق، ليبدو وكأن هناك تبادلًا بين طاقتي الأرض والسماء ينتهي بالالتحام بينهما.

فيما جاء النص الروائي مشحونًا بالصور والرموز والقصص، ليمضي القارئ في رحلة قراءته للنص من حدث إلى حدث، وكل منها يروي قصة مواجهة تنتهي بانتصار الغادة والفتى؛ وكأنهما لا يندرجان من طينة الإنسان البدائي الذي كان يبحث عن تفسير للظواهر حسب مخيلته، نظرًا إلى أن تفسيرات عِلَل النص لم تُرد إلى ما هو غيبي، ولعل تجاوز حالة القلق والحيرة أمام هذه القوى التي تعوق فعل الغادة والناس في هذه الرواية، إنما هي التي تحتم هذا الترويض للجانب الروحي وبلورة النضج الفكري في آن واحد.

ليقف القارئ مؤكدًا على أن أية محاولة للإحاطة بالرواية وآفاقها لن تكون كافية على الإطلاق؛ فالرواية تنهل من معين تجارب عدة، تجارب موصولة بعالم قائم وراهن وشاخص في آن واحد، عالم ماثل في الذات التي تتأمل ذاك الواقع الحر، فترتفع به إلى مستوى النص الجميل، وسط اعتماد العشري على مستويات متعددة للسرد؛ يتبدى في الانتقالات الكثيرة التي قفز عليها على مستوى الزمان والأمكنة، والمزاوجات بين أكثر من متصل، والإيماءات والإشارات التي تحدث نوعًا من الصدى بين تجارب مختلفة مع عدد من الشخصيات.