آخر صرخات الثورة السورية اليتيمة: اليأس إذ يتسلل إلى الحشود

بقلم: فارس بارود

إن من يراقب الأحداث في سوريا يعي أن جمعة "وحدة المعارضة" الذي اختار إسمها ناشطون سوريون في لجان الينسيقيات هي صرخة من آخر الصرخات التي تستنجد بالمعارضة للتكاتف والتعاضد من أجل ايجاد حل سريع للأزمة. وإذا ما استمر الوضع على حاله فإنه من المتوقع أن تعلوا صرخات المتظاهرين اكثر واكثر الى ان يتلاشى انينوها ولا يسمع صداها بين وادي الداخل ووادي الخارج، وليس بالبعيد ان يتظاهر السوريون ويطلقون آخر صرخاتهم في جمعات تحمل اسم "توحدوا أرجوكم" أو "إننا نموت" أو "لقد متنا" أو "جمعة آخر جمعة".

لقد بات من الواضح أن علامات اليأس وفقدان الأمل بالرغم من مواصلة التظاهرات بدأت تتملك ضمير كل سوري يتوق الى الحرية وذلك لعدة اسباب منها أن الثورة السورية اليتيمة دخلت شهرها السابع ولم تحقق حتى الأن ما حققته باقي الثورات العربية وفي وقت قصير ايضا، وأنه لا يوجد ما يشير حتى اللحظة الى تحرك دولي ينهي الأزمة السورية والصراع القائم، وأنه بالرغم من المحاولات التي يبذلها المعارضون السوريون في توحيد صفوفهم الا انهم اخفقوا حتى الان في تحقيق ذلك، والأهم من ذلك كله أن المتظاهرين السوريين يتعرضون في كل يوم وفي كل دقيقة الى اعمال قتل وتعذيب وترهيب. فكيف يمكن للثورة السورية وإلى أي مدى أن تصمد.

وتلعب هذه الاسباب ادوارا رئيسة في تكبيل همم السوريين في المضي قدما حتى إسقاط النظام في وقت بدا فيه الياس واضحا في تراجع زخم المظاهرات في مدن كانت شعلة الانتفاضة السورية في ظل الحملات العسكرية. لم تعد درعا، التي انطلقت منها شرارة الثورة، كما هي عليه منذ بدء الاحتجاجات. واللاذقية وبانياس وحماة وجسر الشغور يخرج منهم مظاهرات خجولة بسبب التواجد الامني الكثيف. والخوف الذي يتملك من يريد رحيل النظام السوري من أن ينجح النظام في إخماد باقي الاحتجاجات المستمرة حتى الان. وهذا الشي وارد في وقت تتذذب فيه مواقف الدول الغربية والولايات المتحدة الاميركية كقدم الى الامام وقدم الى الوراء، ناهيك عن المسألة المعروفة للجميع وهي حفاظ سلامة وأمن إسرائيل في المنطقة التي حافظت عليها سوريا خلال مدة حكم هذا النظام حيث جاء ذلك الى العلن على لسان ابن خال الرئيس رامي مخلوف سارق اموال العشب السوري. ولعل انتظار اميركا لمعرفة ماهية الديمقراطية في البلدان العربية وشكل تبلورها، يؤخر في اتخاذ موقف سريع لحل الازمة السورية، وخاصة بعد اندلاع النزاع الاخير بين مصر وإسرائيل. فالولايات المتحدة تعطي وبدون شك الأولوية لنظام يحافظ على طفلها المدلل إسرائيل وبما يتماشى مع سياساتها في الشرق الاوسط.

أما روسيا والصين اللتان تعارضان فرض عقوبات وأي تحركات أو تدخل اجنبي لديهما مصالح في المنطقة، ويبقى مصير الشعب السوري معلقا بسبب تصريحات هدفها إظهار لعب دور الصدارة امام العالم وتنافس بين دول معسكر روسيا والصين واميركا والغرب على حرية الشعوب.

ولا يخفى على القاصي والداني الدعم اللوجستي والعسكري والمادي الذي وظفته ايران في محاولة منها لقمع حركة الاحتجاجات، فضلا عن حزب الله اللبناني الذي أرسل جنوده لقتل أبناء الشعب السوري.

وبعيدا عن انظمة الغرب، الشعوب انتفضت والحكام العرب ناموا ومايزالوا نائمين بالرغم الهزات القوية التي هزت جسدهم.. وسيظلون نائمين.

وبالتالي غياب المعارضة السورية وتشتتها فيما بينها يساهم في شيئين: صرف النظر عن تغيير النظام السوري الحالي والاكتفاء بفرض تغيرات تضمن بقاء النظام. والنظام السوري مستعد للتفاوض للبقاء حتى مع الشيطان، هذا الشيء الأول. والشيئ الثاني: قمع المظاهرات في سوريا ولو بشكل غير مباشر. فالجملتان العاميتان اللتان كتبتا على شعار جمعة وحدة المعارضة "اختلافكم قتلنا.. فاتفقوا يستر على عرضكم" و"إبنتي ليال.. لم يقتلك النظام وحده، لقد كان اختلافهم شريكا في قتلك" دليلان على أن عضب المتظاهرين من المعارضة المتففكة بدأ يظهر الى العلن بعد ان تحفظوا هم عليه لرفع معنويات انفسهم وتحفظ عليه كل سوري يريد اسقاط النظام لكي لا يظهر الخلاف القائم أمام النظام السوري ما يقوي شوكته.

والسؤال: ما مصير الثورة السورية في استمرار الأوضاع الراهنة؟ وكيف لها ان تستمر وسط هذه الظروف القاسية التي فرضت على المنتفضين حيث التوقف عن الاحتجاج يعني الموت؟ والجواب يحدده فقط صبر المتظاهرين المطالبين بالحرية والذين ضحوا بأرواحهم كرمى لسوريا وأرض سوريا. إن شعبا ذو مرة كهذا له طاقة محدودة في تحمل واستيعاب الفظائع التي ترتكب بحقه في كل يوم، فإما ان تتفجر لتتسلح وتدخل سوريا في دوامة كبيرة تحملها الى المجهول، وإما ان تنكفئ وتخمد. وكلا الأمرين جائزان.

وما هو مؤكد أن الوقت الراهن من عمر الثورة يتطلب شيئا جديدا، روحا جديدة، ضخا جديدا يصبر المتظاهرين ويعطيهم الامل ويحملهم على مواصلة الاحتجاجات حتى ذهاب النظام البائد.

فارس بارود