خبير إعلامي يرفض تفكيك منظومة الإعلام المصري رغم فسادها

كتب ـ محمد الحمامصي
ضرورة محاسبة القيادات التي أفسدت وأهدرت المال العام

رفض الخبير الإعلامي ياسر عبدالعزيز الدعوات إلى تفكيك منظومة الإعلام التابعة للدولة في مصر أو خصخصتها في الوقت الراهن، رغم تأكيده على ضعف أدائها، وعجزها عن الوفاء بأدوارها، خلال ثورة 25 يناير والفترة السابقة عليها.

وقال عبدالعزيز، في ندوة "مستقبل الإعلام القومي في مصر"، التي نظمها منتدى الحوار بمكتبة الإسكندرية مؤخرا وأدارها الباحث ممدوح مبروك، إن منظومة الإعلام القومية المصرية مثقلة بديون تصل إلى نحو 23 مليار جنيه، ويعمل بها نحو 74 ألفا من الإعلاميين والعاملين الإداريين، وتصدر عنها نحو 55 صحيفة، وأكثر من 20 قناة تليفزيونية، وعشرات الخدمات الإذاعية والمواقع الإلكترونية، لذلك سيكون من الصعب جدا تفكيكها أو خصصتها بسبب جملة من الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وأكد أن منظومة الإعلام التابعة للدولة تعاني من افتقاد الرؤية والتخبط المهني وتدني درجات الرضا الوظيفي لدى العاملين بها والعجز عن منافسة وسائل الإعلام الوافدة أو الصحف المطبوعة والإلكترونية الخاصة، ورغم ذلك فإنها تنطوي على دوائر صناعة متكاملة، وأسماء تجارية براقة، وتاريخ مهني عريق، وتمتلك كوادر مميزة، يمكن باستغلالها استغلالا جيدا لتحقيق تقدم في الأداء.

وطالب بضرورة محاسبة القيادات التي أفسدت وأهدرت المال العام في وسائل الإعلام القومية، وتعيين قيادات محترفة تتحلى بالكفاءة والنزاهة في تلك الفترة، لوقف الهدر والفساد، واستعادة ثقة الجمهور في أداء تلك الوسائل، عبر عملها من أجل المصلحة العامة وليس لخدمة السلطة الحاكمة. وفي هذا الإطار، لفت الباحث ممدوح مبروك إلى وجود صعوبة كبيرة في أن يتحول الإعلام "القومي" إلى أداء وظيفته في خدمة الجمهور، عوضا عن السلطة الحاكمة، دون وجود قيادة سياسية رشيدة تتفهم دور الإعلام وتؤمن به.

وعدّد ياسر عبد العزيز أسباب فشل منظومة الإعلام التابع للدولة خلال ثورة 25 يناير؛ ومنها: أن الترقيات كانت تتم وفقا للأقدمية والولاء، وعدم وجود "أكواد" تنظم العقوبات والجزاءات في حق المخطئين، وتحولها من أداة إعلامية إلى سياسية، وضعف الموارد وإدارتها، والفساد. ونوّه إلى أن الإعلام هو الصناعة الوحيدة في مصر التي لا تخضع منتجاتها لأي نوع من التقييم والمراجعة والمساءلة.

وأوضح أن تداعيات سقوط الإعلام التابع للدولة خلال ثورة 25 يناير تمثلت في اعتماد الجمهور بشكل كبير على وسائل الإعلام الأجنبية في الحصول على الأخبار، وإهدار المال العام نظرا لتمويل تلك الوسائل من خلال دافعي الضرائب، وتحريف الجمهور عن الحقيقة وزعزعة ثقته في المؤسسات العامة.

وأشار إلى أن الإعلام التابع للدولة مر بعدة مراحل؛ إذ إنه قبل الثورة عمل على غسل أدمغة المجموع العام المصري لصالح النظام، وفي أثناء الثورة هدف إلى التعتيم والإنكار، ثم الترويع وإثارة الرعب من خلال اتصالات مفبركة من "الجمهور"، لينتقل بعد الإطاحة بالنظام إلى مرحلة "غسل الأيدي" والمزايدة، ومرحلة دعم الثورة رغم عدم الاقتناع الداخلي بها.

وتنبأ بأنه خلال أشهر قليلة، وإذا لم يتم تصحيح المسار، فإن تلك الوسائل ستعمل على تحويل ثورة 25 يناير إلى "وجهة نظر"؛ حيث يؤيدها البعض، ويعارضها الآخرون.

وقال ياسر عبدالعزيز إن الحل الأمثل لمشكلة الإعلام القومي في مصر يكمن في تركيز عدد الوسائل لتصبح من خمس إلى سبع قنوات تليفزيونية ومن خمس إلى سبع إذاعات ومثلها للصحف المطبوعة والإلكترونية، على أن تتمتع بنمط أداء متطور وراقي ومنافس، وتعمل كخدمة عامة مستقلة، وتجتهد في بناء وصيانة تيار رئيسي مصري، وخدمة القضايا الوطنية التنموية، وإلهام عناصر الصناعة الإعلامية الخاصة ورفدها بالكفاءات، من خلال تخطيط جيد وإنفاق رشيد ومدروس.

إلا أنه رأى أن ذلك الحل يستلزم الانتظار لحين تشكيل نظام سياسي مستقر يحظى بدعم شعبي وبرلماني يمكنه من اتخاذ قرارات حيال تركيز عدد وسائل الإعلام القومية، محذرا من أي محاولة لتسريح العاملين أو الافتئات على حقوقهم المالية والمعنوية.

وأضاف أنه يمكن البدء فورا في اتخاذ العديد من الإجراءات حيال منظومة الإعلام التابع للدولة؛ مثل: استرداد الأموال المهدرة عبر الفساد من خلال المحاكمات الطبيعية، وتعيين قيادات رشيدة تخضع للتقييم والمحاسبة، وإعادة بناء سياسات التوظيف لتضمن "تنحيف" تلك المؤسسات دون المساس بحقوق العاملين أو تسريحهم؛ من خلال: تقييد التعيينات، ووضع مزايا مغرية للتقاعد المبكر، وإلزام العاملين بعدم الجمع بين وظيفتين.