الربيع العربي: صناعة أميركية بأيدٍ عربية!

بقلم: عبد الحميد فطوش

جمعني في الآونة الأخيرة لقاء فكري مع بعض الأصدقاء، تناول موضوع الثورات التي تجتاح المنطقة العربية ‎-من المحيط إلى الخليج‎‎- منذ بداية العام الجاري، والتي أصطلح على تسميتها بالربيع العربي. كان النقاش معمقا ومتشعبا، وكانت الآراء فيه متباينة، حيث ذهب بعض المتحاورين إلى إعتبار أن الثورات موضوع الحوار، ما هي إلا وجه من وجوه الهيمنة الأميركية التي طبعت الألفية الثانية من تاريخ الإنسانية، ولكن هذه المرة وفق إستراتيجية جديدة تعتمد مبدأ التأير غير المباشرو بأدوات محلية.

وللتدليل على صحة ما ذهب إليه أولئك الأصدقاء من تحليل، أرسل لي أحدهم مقالا منشور على الموقع الإلكتروني لإحدى الجرائد اليومية، يرى فيه كتابه أن إستراتيجية أميركا أوباما في تغيير الأنظمة غير المرغوب فيها دون إراقة الدماء الأميركية وبدون تدخل مباشر، تعتمد على إثارة إنتفاضات محلية، ثم توجيهها عن بعد كي تتجنب الصدام مع مزاج الشارع العربي، وترافق هذه العملية حملة إعلامية كبرى تنتدب لها قنوات تتمتع بالمصداقية لدى الشارع المنتفض. ولقد إعتمد كاتب المقال الثورة الليبية كنموذج على تنفيذ تلك السياسة المعدلة.

إذا سلمنا جدلا بوجاهة الأدلة التي إستند عليها المخالفون، فلماذا إذن لم تبدأ تلك الإنتفاضات الداخلية في الدول المارقة حسب التوصيف الأميركي، بل إندلعت داخل أكثر الأنظمة ولاء وتنفيذا لسياسات الأمبراطور السكسوني كنظام بن علي في تونس ومبارك في مصر. ثم ألم تفاجأ ثورات الشارع العربي في ربيعها التحرري، مواقع الرصد ومؤسسات التجسس والمراقبة الأميركية والغربية، حيث إتسمت مواقف حكوماتها في البداية بالتخبط والسلبية، وكانت فرنسا الساركوزية أول المتساقطين عندما عرضت على حليفها في قصر قرطاج المساعدة في قمع أحرار تونس، والموقف نفسه كان إتجاه نظام حليفهم الأكبر في المنطقة عندما قرر مجابهة المتظاهرين بالرصاص والجمال.

إن المنطقة العربية وهي أقل المناطق ديمقراطية في العالم تشهد ثورات شعبية نابعة من إرادة حقيقية في التغيير وليست منتوجا غربيا صدر إلى المنطقة عبر وسائط التواصل الإجتماعي، وهي كذلك ليست كما يدعي بعض المحللين الغربيين من أنها نتيجة لإنتصار الغرب في حربه على الإرهاب أو نتيجة إخفاق مشروع الإسلام السياسي، بل هي إختيار شبابي يغذيه إحساس بالتهميش من أنظمة تحاول جاهدة وقف عجلة التاريخ ومعارضة سنن التغيير والتجديد.

إن مواقف أميركا والغرب من الثورات العربية بعد التأكد من حتمية سقوط حلفائها تمليه مصالح ثابتة وسياسات وتحالفات متغيرة، ولا يعني هذا بالضرورة عمالة وعدم وطنية رواد تلك الثورات،لأنه بعد نجاح الثورة تبدأ عملية البناء التي تتطلب تظافر الجهود وتجميع القوى من أجل مستقبل يعيش فيه الفرد كرامته المسلوبة وحريته المكلومة في كنف دولة القانون والعدل والحكم الرشيد.

عبدالحميد فطوش

oukbi@aol.com