أوجاع القانون في دولة القانون

بقلم: إبراهيم الزبيدي

هل سمعتم يوما دولة سويسرا تقول إنها دولة قانون، أو بريطانيا أو فرنسا أو أميركا أو السويد؟ أبدا. والسبب هو أن سلطة القانون في هذه الدول صار أمر طبيعيا وعاديا وداخلا في نفوس الحكام وفي نفوس ناخبيهم، سواء بسواء، ومقيما في الجميع، بهدوء وصمت وأمان، حتى صار معيبا أن يتحدث أحدٌ فيها عن القانون، أو عن سلطة القانون.

إلا في هذا الوطن المسكين. فرغم أنه أول وطن، على وجه البسيطة، يخترع القانون ويبشر بسلطته المقدسة، قبل آلاف السنين، فقد ديس فيه اليوم على القانون، واختلط الحابل بالنابل، وصار شعاره المحاصصة والسرقة وتزوير الشهادات والجهاد بالكواتم والمفخخات والخناجر والسكاكين.

في السابق كان اغتيال المعارضين من اختصاص جهة واحدة، هي الحكومة، وتحديدا جهاز مخابراتها الوحيد. وفي أشد أيام القهر والقمع والإرهاب التي كانت تمر على العراق، منذ سقوط الدولة العباسية على أيدي التتار كان اغتيال المعارضين يتم في ساحات القضاء، علنا، ودون خوف ولا حياء.

حتى صدام حسين، رغم كل قسوته ودموية نظامه، كان يفضل الفتك بضحاياه في ساحات القضاء على أيدي قضاة من قادة حزبه الميامين. ولكن كان فرسان مخابراته يوصلون جثة المغدور، بأمانة، إلى أسرته، ثم يقبضون منها ثمن الرصاص الذي قتلوه به.

أما في دولتنا الديمقراطية الجديدة، وفي ظل ائتلاف دولة القانون، فيتم الاغتيال في المنازل والشوارع والدكاكين، وفجرا في أغلب الأوقات. ثم لم يعد اغتيال المعارضين وظيفة من اختصاص الحكومة وحدها، على كثرة "شبيحتها" و"كتائبها" ومخابراتها وأمنها وشرطتها وأجهزتها القمعية الأخرى المتعددة، بل طبقت المحاصصة حتى في صلاحية الاغتيال. فصار لكل حزب مليشيا، علنية أو سرية، ولكل مليشيا مسلحون بالمفخخات والكواتم. والكل يصول ويجول. يجلد، يعتقل، يختطف، يُعدم، يسلب يسطو على البنوك والشركات والوزرات والدكاكين، على هواه. بعضهم يرتدي ملابس عسكرية، وبعضهم الآخر مقنع ومجهول الهوية. وحين يحدث الاغتيال تضيع "الطاسة" ويصبح من رابع المستحيلات أن تعرف من الذي قتل ومن أين جاء وإلى أين ذهب. هل هو عبد مأمور، حكومي حقيقي، ومكلف بمهمة بأمرٍ من السيد الرئيس، أم يرتدي ملابس الحكومة للتضليل أو تشويها لسمعتها الطيبة؟ والمجهول الذي يضع قناعا على وجهه أثناء الاغتيال هل هو مُقنَّع حكومي أم هو من شبيحة زعيم سياسي أو قائد مليشيا آخر من فرسان الشراكة الوطنية؟

لا يحدث هذا في بغداد وحدها، بل يحدث في البصرة والناصرية وكربلاء والنجف وبعقوبة وسامراء وتكريت والموصل وكركوك والسليمانية وأربيل.

وبسبب هذه "الشربكة" في ممارسة جهاد الاغتيال ضاعت الحقيقة، وتاهت العدالة، وراحت الجرائم، كلها، تسجل ضد مجهول. ومع كل ذلك، فرئيس الحكومة يسمي دولته دولة قانون، ولا يستحي.

آخر من وصلت إلى داره تقليعة الكواتم كان معارض المحاصصة الشهيد هادي المهدي. فقد تم اغتياله بصمت وهدوء. ولكن المالكي شكل "لجنة تحقيق" لمعرفة الشريك الوطني الذي قام بالاغتيال. ويتندر العراقيون بأنك إذا أردت قتل موضوع فشكل له لجنة.

المهم في مقالي هذا ليس هو البحث عن القتلة الذين يسرحون في دولة القانون ويمرحون، بل المهم هو معرفة من أين جاء هؤلاء الفرسان الأشاوس الذين يجيدون استخدام الكواتم والمفخخات والحبال والسكاكين والخناجر لذبح المعارضين للحكومة أو اغتيالهم وتقطيع جثثهم بمهارة الجزارين المحترفين. هل تم استيرادهم من الكونغو أو الصومال أو جزائر الواق واق؟ أم هم عراقيون ومن صلب عراقيين؟

شعبنا العراقي، مع الأسف الشديد، صار مسخرة تتسلى بها التلفزيونات والإذاعات والصحافة العالمية بامتياز.

فنحن الوطن الوحيد الذي يجد فيه الحاكم، بسهولة، جيوشا من المتطوعين والمرتزقة والانتهازيين أو الجهلة المخدوعين، ليجعل منها أداة لحماية حكمه من الغاضبين.

ونحن الوطن الوحيد الذي يقتل بعضُ شعبه بعضَه الآخر دفاعا عن واحد ٍ تافه فاسد حرامي غبي غشاش مزور وكذاب. بل نحن الشعب الوحيد الذي يوجد فيه، بهذه الكثرة، منافقون يقلبون الأسود أبيض، والأحمر أخضر، والظلم عدالة، والاغتيال جهادا في سبيل الوطن والأمة والدين.

قد يزعج هذا الكلام الثقيل أحباب السيد قائد السفينة و"شبيحته" التي يرسلها كل يوم جمعة للتظاهر ضد المتظاهرين، والانتفاض ضد المنتفضين.

فكيل الظلم والفساد، في ظل هيمنته المُطبقة على كل شيء في العراق، طفح كثيرا، وصار لا يطاق.

والمحزن الذي يغم هو أن شعبنا لم يزل ساكنا لم تثر فيه حمية إلى الآن، رغم كل هذا الفجور والفساد. بل لم يزل نصفـُه يغتال نصفـَه. وبعضُه يقتل بعضَه، وكثيرون من أبنائه يسرقون قوت كثيرين آخرين، في دولة قانون ليس فيها قانون ولا ماء ولا هواء ولا دواء ولا كهرباء.

ولكن المؤكد والطبيعي والاعتيادي أن النهر لا يجري إلى خلف، والزمن لا يعود إلى وراء. ومهما طال الزمن، فلابد لهذا الغضب المُختزن في أهل العراق أن يشتعل ذات يوم. فهذا ديْدنُهم من قديم الزمان. يصبرون طويلا، ويسكتون كثيرا، ولكنهم إذا غضبوا فإن غضبهم لشديد. يقتلون ويحرقون ويسحلون ويرقصون على الجثث العارية.

شيء مهم لابد من التنويه به. إذا ما اندلعت في العراق انتفاضة حقيقية وشاملة، في الجنوب والوسط والشمال، ولابد أن تندلع، وإذا ما أدرك نوري المالكي ومستشاروه ومحالفوه في سلطة الشراكة الوطنية أن الجماهير الغاضبة تقترب من جدران قصورهم الحصين فسوف يرى المنتفضون على أيديهم مل لم يره شعب آخر جرب الثورة على حكامه المخلوعين. وسيصبح ما فعله صدام في قمع الانتفاضة، وما فعله القذافي قبل سقوطه، وما يفعله بشار وهو في طريقه إلى السقوط، مجرد ألعاب هواة ٍعابرة وساذجة وناعمة إلى أبعد الحدود. فطريق الحرية والعدالة في العراق غيره في ليبيا وتونس ومصر وسوريا. إن ثمنه أضعاف أثمانه في بلد آخر. وعلى أهلنا في العراق أن يضعوا ذلك في حسابهم قبل أن يشعلوا الفتيل، وقبل أن يثوروا على الفاسدين.

ولكن في النهاية، وهذه سُنة الزمن وقدَرُ الشعوب، سينتصر المنتفضون، وسيصبح في العراق عهدٌ بائدٌ آخر يُضاف إلى سلسلة عهوده البائدة الكثيرة السابقة.

يومها فقط سنحتفل جميعا بعرس الشهيد هادي المهدي ورفاقه الخالدين.

إبراهيم الزبيدي