عن الحديث في 'الغام الدستور' العراقي

بقلم: موفق الرفاعي

اخشى ان نصبح متخصصين في ما يمكن ان نطلق عليه "الشؤون المالكية" نسبة الى رئيس الحكومة السيد نوري المالكي من كثرة ما نتتبع تصريحاته شبه اليومية ونكتب فيها وعنها وأسوة بوزير الدولة الناطق باسم الحكومة الدكتور علي الدباغ المتخصص بشؤون المرجعية.

السياسيون جميعهم لهم تصريحاتهم شبه اليومية ايضا غير أن ما يجعل من تصريحات المالكي مادة تفتح شهية المراقب على المتابعة والمناقشة هو تناقضها الحاد مع الواقع العملي المنظور والمستور معا ومع الأداء اليومي له ولحكومته وكذلك مع تصريحات سابقة لا يشبه اللاحق منها السابق لا في الشكل ولا في المضمون.

حديثه الأخير عن الغام الدستور وعن الدوافع الطائفية المكشوفة من وراء صياغته، تثير الحيرة. فهو احد المشاركين في كتابته وحزبه شريك في ذلك.

كان هناك آراء توزعت بين معارض لكتابة دستور في ظل الاحتلال والفوضى التي كانت تسود الشارع وأروقة السياسة وبين محذر من الاستعجال في ذلك، ورأي آخر رأى وفي وقت مبكر من اعلانه كما يقول المالكي اليوم انه مليء بالألغام وعرضة للتأويل.

لم يستمع احد من شركاء العملية السياسية لتلك الآراء بل واتهم أصحابها بشتى الاتهامات الثقيلة.

قاطعت كتابته أطراف سياسية فاعلة غير ان بعضها سيق الى ذلك بضغط أميركي وبوساطات إقليمية او تحت ضغوطات الخشية من تفرد أطراف معينة بكتابته كما قيل، ومع هذا فقد جاء وفق ارادات الاحزاب الطائفية والشيعية والكردية تحديدا.

وحين أوشك عرض الدستور على الاستفتاء العام كانت هناك إطراف دعت الى التريث وعدم اعتبار الموعد الذي حددته الإدارة الأميركية موعدا مقدسا لحين توفر الاستقرار الامني وعودة السلم المجتمعي بعد إعادة النظر في بعض مواده الا ان شركاء العملية السياسية أبوا الا ان يطرح وكان من ورائهم الادارة الاميركية التي كانت تستحثهم وتستعجلهم.

لم نستمع وقتها من المالكي وحزبه شيئا خلاف الأطراف الأخرى المصرة على إنجازه والاتهامات التي كانت توجه للمعارضين والرافضين.

اليوم وبعد ان اخذ المالكي يعاني من اختلالات الدستور صار يوجه اليه سهام النقد ويدعو الى إعادة صياغته ربما بما يتناسب وتطلعاته الى امتيازات سلطوية اكثر.

لاننا ببساطة نشكك في ان المالكي حريص على ان تعاد صياغة بعض مواد الدستور التي تجانب المصلحة الوطنية من اجل الحد من تأويلاته فهو المستفيد الاول منها.

ايضا هو على اطلاع ومعرفة كاملين بطبيعة التشابكات التي تحكم العلاقات بين الاطراف السياسية الحزبية منها والكتلوية، الامر الذي يجعل من تعديل مواد الدستور عملية مستحيلة سواء بالصورة التي يريدها هو او بالصورة التي يتطلع اليها الشعب، ما يجعل من تصريحاته هذه مجرد استهلاك اعلامي ليس الا.

يتزامن نقد المالكي هذا على الدستور مع ما دعت اليه منظمات وقوى لتظاهرات في اليوم التاسع من الشهر الجاري في نيتها رفع مطالب واسعة على رأسها إعادة النظر في الكثير من مواده، وبخاصة تلك التي تمنح امتيازات واسعة للقوى الطائفية وتحد من مشاركة قطاعات واسعة من الشعب العراقي في السلطة، ما نخشاه انه يحاول سحب البساط من تحت اقدام المتظاهرين بتبنيه المطالب الشعبية المشروعة والظهور بصورة المتضامن معهم.

في الوقت الذي يتبنى المالكي فيه هذا الموقف نجده يحرص على عرقلة تشريع القوانين في مجلس النواب متمسكا بالمادة الدستورية التي تحصر تقديمها الى المجلس على الحكومة وبعدم احقية المجلس في ذلك بالرغم من انه في جميع دساتير العالم يعتبر ذلك من اختصاص السلطة التشريعية.

فهل سيقبل المالكي – مثلا- ان تعدل هذه المادة الدستورية وتنحصر أحقية اقتراح مشاريع القوانين على أعضاء مجلس النواب؟

موفق الرفاعي