شاعر ليبي: هناك أشياء كثيرة تنتظرنا أهم من مصير القذافي وأبنائه

حاوره : عماد استيتو
أول ثورة حقيقية نعيشها بضمائرنا وجوارحنا وقلوبنا

شكل إلى جانب زميله هشام مطر صوتا للثورة الليبية ولسانها في الخارج طيلة أشهر الثورة من خلال إمداده للصحافة العالمية بآخر المستجدات للأوضاع والتطورات في ليبيا، وكانت الثورة فرصة جديدة لإحياء ليبيا في قلب الشاعر الليبي المغترب في الولايات المتحدة الأميركية خالد مطاوع.

خالد مطاوع سعيد جدا بنجاح الثورة ووصولها إلى المراحل الأخيرة لتصفية تركة العقيد وخلال هذا الحوار يفتح لنا قلبه معبرا عن طموحاته في بناء ليبيا الحرية.

• أول سؤال يتبادر إلى الأذهان، كليبي يعيش في الخارج وتحديدا في الولايات المتحدة الأميركية كيف عشت هذه الثورة وتفاعلت معها؟

ـ إنها أول ثورة حقيقية نعيشها بضمائرنا وجوارحنا وقلوبنا، وأهم شيء أنه حصل، فقبل أشهر لم نكن نحلم به لكن الآمال بدأت تكبر مع الوقت خصوصا مع الثورتين التونسية والمصرية، لسنا مصر أو تونس بل ما كنا نعيشه أسوأ، فليس ما كان ينقصنا هو الضغط بل المؤسسات أو شكل التحرك الذي يفجر هذا البركان الراكد. وأعترف أنني، كنت في قرارة نفسي أعتقد أنه من المستبعد أن يكون هذا وقت ليبيا، على المستوى الشخصي عندما سمعت للمرة الأولى عن وجود أحداث في ليبيا بدأت بكتابة بعض المقالات باسم مستعار طبعا لكن بعد مرور يوم أحسست بانشراح كبير وشعور رائع بالانتماء لدرجة أنني امتلكت القدرة صراحة على إعلان معارضتي للنظام بكل خلايا قلبي وجسدي، وبدأت القيام بكل ما أستطيع من خلال مواكبة الأوضاع في ليبيا، وترجمة ما يجري ونقله للصحف العالمية حتى يعرف العالم ما يعانيه الشعب الليبي من جور هذا النظام، كانت تعيش الثورة فينا بشكل يومي لدرجة أن النوم كان يجافي عيوننا في أيام عديدة.

إنه إحساس خاص وموقف إنساني خالص، طبعا لا يمكن أن أقارن نفسي بمن خرجوا للشارع وقدموا صدورهم العارية لإرغام هذا النظام الظالم على الرحيل أو من حملوا السلاح بعد ذلك في الجبهات بعد أن أجبرنا هذا الحاكم على حمله لكنني حاولت أن أرد جزءا من الجميل لهذا الوطن الذي أنجبني.

دعني أكن معك صريحا لقد كانت هناك أوقات كان فيها الليبيون في الخارج يخجلون من إفشاء جنسيتهم لأن العالم كان يرانا جميعا على صورة القذافي في أفعاله وأفكاره وملبسه وكل شيء، لكن الآن .. إنه إحساس لا يوصف إحساس بالانتماء إلى مواطنتي والمبادىء التي لطالما آمنت بها، ليبيا الآن أصبحت وطنا للجميع وليست وطنا للثقافة الخضراء المائعة التي صرف عليها القذافي المليارات من جيوب الشعب الليبي.

• هل كنت تتوقع هذا التسارع الكبير للأحداث وانهيار نظام القذافي، وهو الذي جثم على نفوس الليبيين لما يزيد عن أربعة عقود؟

ـ بصراحة لا. في الأيام الأولى للثورة تفاءلنا لكن بعد القمع الوحشي الذي تعرض له الثوار وطول فترة المعركة كانت آمالنا تتعرض لبعض نوبات الإحباط التي سرعان ما تمحيها العزيمة على القضاء على القذافي والثأر لدماء شهدائنا، لكن أعتقد أن النظام هو من حسم الأمر بنفسه فقد ظل يدعي في السنوات الأخيرة أنه يرغب بالتغيير وإحداث دستور جديد وغيرها من الادعاءات، لكنها كانت حلولا عقيمة والنظام بنفسه عرف ذلك وبالتالي فهم كانوا قد حسموا أمورهم ولم يساوموا في رغبتهم في حكم هذا الشعب، وبالتالي فلم يكن هناك من مهلة أو فرصة لإنقاذ هذا النظام أو جعله يكون في منأى عن الزوال، وهو لم يعد محصنا كما كان يهيأ لنا، ما فاجأني أنه لم تكن لنا أي حركات معارضة في الداخل ككفاية مثلا في مصر، وعدا التذكير عبر الإنترنت بتاريخ السابع عشر من يناير، ورغم ذلك استطاع هذا الشعب الرائع تحقيق أشياء عظيمة.

• أنتم كمثقفين ليبيين بتنوع اختصاصاتكم لا شك أنكم عانيتم من ويلات وتسلط هذا النظام، هل يمكنك لنا أن تحكي لنا شيئا في هذا الجانب؟

ـ بالنسبة لي، غادرت ليبيا في سن مبكرة وعدت إليها سنة 2000 لكنني لم أنشر في أي مؤسسة ليبية ولم أحاول صراحة، لأن ذلك يتعارض مع قناعاتي وقيمي فلا يمكنني أن أضع اسمي رهينة عند مؤسسة صفحتها الأولى تمجد القذافي وبالتالي اخترت أن أعزل نفسي عن المشهد الثقافي الليبي الذي لم يكن يسمح بأي فرصة للاختلاف، رغم أنني لم أترك أي فرصة وإلا استغللتها لإبداء رأيي، لكن غيري من الشعراء والكتاب من جاهروا بمواقفهم في سنوات الثمانينيات منهم من سجن ومنهم من هاجر ولم يعد، فترة بداية التسعينيات شهدت نوعا من الانفتاح حيث بدأ الليبيون يكتبون ويحاولون البروز في الشعر والرواية والقصة صحيح أنهم كانوا يبتعدون ما أمكن عن تناول القضايا السياسية لكن تذوقهم الفني والشعري شكَّل لديهم وعيا عمق اختياراتهم السياسية فلا يمكن لأي متذوق لديه حس فني أن يقبل بهكذا نظام، كانت فسحة ضوء صغيرة وحاول المثقفون الليبيون استغلالها من خلال الندوات واللقاءات الثقافية التي كانت تعقد، وكانت فرصة للقائنا ببعضنا وليس لمدح النظام، ولذلك فلم يكن ممكنا أن يصادق هؤلاء النظام، ولم يكن ممكنا لهذا الأخير أن يستعملهم لصالحه، وبالتالي يمكنني أن أقول إن نقطة الضوء اليتيمة تلك استغلت بشكل كبير في بناء الحس السياسي والفكري لليبيين، وبالتالي اقتناعهم بعدمية جدوى هذا النظام الفاشي.

خالد مطاوع

• لكن في الجهة الأخرى، ظهر مثقفون وأدباء أو على الأقل هكذا كانوا، يقدمون أنفسهم يدافعون عن معمر القذافي وفكره وما قدمه لليبيا، ما تعليقك؟

ـ طبعا لا أنكر ذلك فلهذا النظام زبانيته من الانتهازيين ليس فقط في ليبيا بل وفي الوطن العربي على العموم، وكلكم شاهدتم معظمهم يتردد على قناة النظام وقت الثورة لكنني أجزم أنهم قليلون ومستواهم رديء جدا، ويمكنني القول بدون تردد إنهم أشباه مثقفين، ودعني أخبرك أن الحكومة الليبية في سنة 2004 ألغت رابطة الأدباء الليبية لأنها لم تكن على وفاق معها، وحاولت خلق إطار جديد يضم الموالين لها لكنها فشلت في استقطاب الأدباء الليبيين المحترمين، وهذا شيء معروف وهؤلاء يبقون دون المستوى ولا توجد لديهم أية مصداقية.

• ماذا عن الأدب السياسي في ليبيا، ما هو مرد غيابه عن الواجهة من وجهة نظرك، المحيط لم يكن يسمح، أم أن الأدباء الليبيين آثروا الكتابة عن موضوعات أخرى؟

ـ منذ سنوات السبعينيات لم يعد هناك أدب سياسي في ليبيا، فقد كان هناك أدب ثوري وبعد ذلك اختفت الإنتاجات الأدبية السياسية بعد أن حدثت الثورة وأحكم القذافي زمام سيطرته على كل شيء، لكن في بداية الألفية ظهر نفس جديد رغم محدوديته حيث ظهرت كتابات عن الفساد الإداري والظلم الاجتماعي فقط، وبقي الأمر عند هذا الحد، فالحديث عن التعذيب أو مجازر النظار كمجزرة سجن بوسليم يمكن أن يكلف الأديب حياته، لذلك موقف الأدباء كان يتسم بالحيطة وهو شيء معقول في نظري فحتى الأديب الليبي المعروف إبراهيم الكوني خرج مؤخرا فقط ليطلب من القذافي الرحيل بعد أن حاول لسنوات أن يبتعد عن الكتابة عما يحدث في ليبيا، صحيح أن الحياد لا يكفي لكن على العموم دعني أقول إن الغالبية الساحقة لم تتجاوب مع هذا النظام لكنها تواجهت المواجهة المباشرة معه.

• ألا تعتقد أن الأدباء الليبيين كانوا مقصرين نوعا ما في كونهم لم يستطيعوا الكتابة عن ليبيا، وبالتالي محو تلك الصورة النمطية التي رسمت عن الانسان الليبي؟

ـ ما الذي يمكنك أن تكتبه عن ليبيا دون أن تفكر مليون مرة؟ لا أعتقد أنه كان هناك تقصير فالكتابة لا بد لها من حيز للحرية، والعمل الأدبي بطبعه يتطلب نوعا من الاستقرار ووجود جمهور قارىء وللأسف النظام عرف كيف يستولي على الأمر، وكان يقف حاجزا أمام أي محاولة ويمنع كل أشكال الدعم ويصادر أعمال الكتاب والمثقفين الذين لا يوافقون أهواءه.

• الآن وبعد أن بات القذافي هاربا ومطاردا، ما هي الأولويات التي تنتظر ليبيا الغد وكيف تتوقع مستقبل ليبيا؟

ـ أعتقد أن الإطاحة بالقذافي لم يعد الهدف الأقصى، فقد نجح الشعب في الإطاحة به بل وفي مطاردته (زنكة زنكة)، الآن الأهم هو الحرص على وحدة ليبيا وجعل أبنائها أكثر تلاحما فوحدة ليبيا يجب أن تكون شيئا عفويا فنحن في فترة تاريخية تتطلب منا إعادة بناء البلاد والقطع مع كل النعرات القبلية، ليبيا 2011 ستبدأ من جديد وتسود وجهة نظر متوحدة، فمربط الفرس هي التفاصيل، هناك أشياء كثيرة تنتظرنا أهم من مصير القذافي وأبنائه فسواء ستحاكمهم المحاكم أم التاريخ فالعالم يبقى شاهدا على فظائع ما اقترفوه في حقنا.

الثورة نجحت والآن علينا أن نبدأ من الصفر ونبني هذا الوطن الذي لم يتورع القذافي في تعطيله، تواجهنا تحديات كبيرة حول أشكال الديمقراطية التي يجب أن تسود وغيرها من النقاشات التي لا مناص من الخوض فيها، وأعتقد أن المثقفين والمبدعين من كتاب وشعراء سيلعبون دورا هاما في المرحلة القادمة، فهم جزء من الوحدة الوطنية ويستطيعون بفضل ما يحظون به من احترام في المجتمع وإحساسهم بالولاء لهذا الوطن صناعة ليبيا جديدة.