خارطة طريق سورية

بقلم: مهند صلاحات

خبر عابر مضى، أو ربما لم يشأ أحد الالتفات إليه؛ كان خبر اجتماع المخابرات الإيرانية ببعض مجموعات المعارضة السورية بالخارج، وأية رسائل يحملها هذا الاجتماع للنظام السوري ولأقطاب الثورة السورية.

هذا الخبر جاء متزامناً مع خروج النائب العام "المحامي الأول" في حماة ليعلن استقالته على شاشات التلفاز بسبب قيام النظام بإعدام ما يزيد على سبعين شاباً سورياً في داخل المعتقلات في حماة وحدها، ما يعني أن أرقاماً مشابهة وربما أكثر حصلت في مدنٍ أخرى لم يتم الكشف عنها بسبب صمت المدعين العامين في المحافظات الأخرى.

الرسالة التي حملها اجتماع المعارضة بالمخابرات الإيرانية لم تجد حتى تعليقاً رسمياً من قبل النظام السوري ولا من أنصاره، وكأنهم لم يسمعوا، ممارسين بذلك ذات الصيغة في نداءات سيقت إليهم إبان اقتحام الجيش لمدينة درعاً، فوضع الساسة السوريون في أذن طيناً والأخرى عجيناً، لتتدهور الأوضاع وتصل إلى ما وصلت إليه اليوم، كما يفعلون اليوم بخبر محاولات حليفهم الأساسي الإيراني الذي يحمل رؤى وأفقاً أوسع منهم، بالبحث عن بدائل لهذا الشريك ولو على المدى البعيد، كونه يحمل رؤى للمستقبل أكثر منهم بكثير.

سواء اختلفنا أيضاً مع الحراك الشعبي أو الانتفاضة الشعبية السورية أو اتفقنا معها، فمن يتحمل مسؤولية هذا الحراك بالمحصلة وبشكل مباشر هي أنظمة لم تستطع تحقيق عدالة اجتماعية ولا انفتاح لشعوبها فخنقتها وجعلتها تتسول حقوقها وتستجديها وتأخذها فتات على شكل هبات من النظام، هذا الكلام طبعاً لا ينطبق على سوريا أو ليبيا وحدهما، فليبيا كانت حالة منفردة بعد ما يزيد على أربعين عاماً من التخلف وانعدام القطاع الصحي والبنية التحتية للدولة، بينما هنالك نموذجان لهما إيجابيات مقارنة بالسلبيات، لكنهما مارسا عبر سنوات من حكمها كل المبررات التي حملت شعوبهما للتحالف حتى مع الشيطان ضدهما.

أذكر أنني جئت للأردن في العام 2000 وقبلها سبقتها زيارات في التسعينيات، وحينها كان واضحاً انتشار ما يزيد على مليون عراقي يعملون ضمن ظروف إنسانية صعبة، كما تولدت حالة تهدم اجتماعي في داخل هذه الطبقة العاملة رافقه عمل بالدعارة كان مشهوراً في حينها بالأردن، وهذا ليس إفرازاً اجتماعياً من داخل المجتمع العراقي المحافظ بقدر ما هو انعكاس لحالة الجوع التي وصل لها الشعب العراقي وجعل للأسف يصل لهذه الحالة من التردي وانهيار طبقته الوسطى تماماً، جراء الحصار الدولي على العراق، في حين كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين يصرف ملايين الدولارات في بناء قصور جديدة في هذه الفترة، ويبني طبقة تجار حروب أشهرها طبقة المهربين لمنتجات كثيرة من بينها رفاهيات القصور كالكحول والكافيار الروسي والسوجار الكوبي للطبقة الحزبية الملتصقة بالسلطة.

كذلك الأمر بالنسبة للنظام السوري فقد ربى النظام في سوريا عبر ما يزيد على أربعين عاماً طبقة مشابهة من تجار الحرب، وطبقة من المهربين الذين يقودهم أبناء عم الرئيس أبناء جميل الأسد، وتضخم المجتمع، ولم يصل للحد الذي وصل إليه المجتمع العراقي إلا أنه ضاق ذرعاً بالقمع والمعتقلات المرافقة للجوع.

يحسب لهذين النظامين الشموليين أنها استطاعا تحقيق نهضة علمية في العراق وسوريا، لكنها للأسف أسفرت فيما بعد عن تهجير الكفاءات منهما بسبب انعدام الحرية والفقر وبناء طبقات فاسدة مستأثرة بالحكم وانتشار الفساد بكل هيكل الدولة.

سقط نظام صدام حسين على يد حلفائه السابقين الأميركان، في حين أن النظام السوري سيسقط ليس بسبب تحالفه مع الأميركان كما فعل صدام، إذا ما تجاهلنا دوره في عاصفة الصحراء ووقوفه ضد العراق وحربه عليها إلى جانب قوات النيتو، إنما جراء عدم قدرته على القضاء على الطبقة التي ساهم فيها النظام من الفساد إلى جانب خنق الحريات بحجج مختلفة من بينها الممانعة والمقاومة التي بقيت شعاراً كبيراً خاوياً من أي تطبيق، فالهدنة المعلنة مع الاحتلال منذ عام 1973، وعدم رده على الضربات الإسرائيلية لمواقعه في داخل سوريا، والمفاوضات المباشرة وغير المباشرة تؤكد خواء هذا الشعار.

قد يكون النظام السوري اليوم جاداً في الإصلاح، لكن للأسف هذا الإصلاح الذي يأتي بعد فوات الأوان، بعد الدم والقمع والقتل، كان بإمكانه، أي النظام السوري أن يبدأ بحلٍ سياسي وإصلاحي لأزمته الحالية، قبل أن يلجأ للحل الأمني وليس العكس، واليوم هذا النظام بحاجة لخارطة طريق تخرجه من الأزمة قبل أن يقضي كسابقه البعثي في العراق، ويضع سوريا في مصير مجهول بين معارضة غير واضحة الأفق موزعة على يسار بلا مشروع، وطائفيين من أمثال السلفيين، ومعارضة مخترقة من قبل الإسرائيليين والأميركان من أمثال البيانوني، ومفكرين يحملون مشاريع لكنهم لا يجدون شارعاً يلتفت لمشاريعهم مثل الدكتور برهان غليون والطيب تيزيني وعارف دليلة وميشيل كيلو وآخرون.

وخارطة الطريق هذه لا بد أن تبدأ بحل ما يسمى حزب البعث، وقف احتكارات الشركات لصالح مقربين من عائلة النظام، والوقوف بشكل جدي على عمليات الاستفراد بالسلطة التي يقوم بها أعضاء البعث وأقارب الرئيس، والدعوة لانتخابات تشريعية ورئاسية بوقت محدد، وقبل كل شيء إعادة النظر في مسألة توزيع الثروات في سوريا.

وإلا فإن الحالة العسكرية الليبية ستكون الحل بالنسبة للشعب الذي يرى اليوم أن لا عودة للخلف، وسيجري البحث عن ملاذ آمن لقوى مسلحة بشكل جدي قد تكون حلب مثلاً لقربها من تركيا أو جسر الشاغور والمناطق الجبلية المحيطة به، هي المنفذ لتشكيل بنغازي السورية والبدء منها بمعركة مع النظام ستؤدي لتدمير لا يريده أحد للدولة السورية.

وبكل الأحوال القادم لن يكون أفضل لكنه للأسف الضرورة التي تحملها هذه الانتفاضات الشعبية والتي انطلقت في الأساس من مطالب إصلاح اقتصادي سواء في تونس أو مصر أو ليبيا أو سوريا.

مهند صلاحات

كاتب ومخرج

salahatm@hotmail.com