أسباب التقارب التركي ـ الأميركي وأثره على سوريا وعلى الطموحات الإيرانية التركية الروسية!

بقلم: سمير عبيد

لا شك أن هناك علاقة خاصة جدا بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، فلقد نُسجت العلاقة الشخصية والسياسية بينهما عندما زار الرئيس أوباما تركيا، وتجول في شوارعها ومساجدها ومرافقها العلمية والسياحية والحضارية، وحينها غيّر الرئيس أوباما وجهته عن مصر وأندونيسيا، وقرر أن تكون تركيا هي الشريك الرئيسي لترجمة خطابه التاريخي في جامعة القاهرة، ويبدو أن أختياره لتركيا بدلا من أندونيسيا سببه بعد الأخيرة عن الشرق الأوسط وعن العالم العربي ، مع أيمانه الكامل بليبرالية الإسلام في أندونيسيا، فلقد أعتمد الرئيس أوباما خطابه الذي ألقاه في جامعة القاهرة بمثابة أستراتيجية مستقبلية للعلاقة مع الإسلام كدين وثقافة وحضارة، ومع العالمين العربي والإسلامي كسياسة وأقتصاد وعلاقات أخرى، ولقد أستغل الرئيس أوباما الغضب التركي من الأوروبيين بسبب تمنعهم من أنضمام تركيا كعضو كامل العضوية في الإتحاد الأوروبي، ليسارع الى نسج علاقة خاصة بينه وبين القيادة التركية، وفي نفس الوقت أستغل الرئيس أوباما غياب الحضور العربي الذي قابله طموح تركي للتمدد في العالم العربي والإسلامي، راح فعزف أوباما على الوتر الذي يُطرب أردوغان ورفاقه، فشاهد أ تمايلهم وهز أكتافهم طربا، فعرف حينها أنه قريب من تحقيق أهداف الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، وعلى الأقل خلال أدارته ومن خلال العلاقة الخاصة مع أنقرة الغاضبة من أوربا والمتوجسة من روسيا وإيران.

والأهداف الأميركية التي رسمها أوباما هي:

أولا: دعم نظام إسلامي معتدل وغير متطرف، ويفهم قادته تفاصيل التضاريس الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مثلما يفهم قادته عقلية وطريقة تفكير العرب والمسلمين ليكون هذا النظام الصديق المفضل والمقرب الى واشنطن، والمنفذ للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط والعالم العربي، ومفتاح الفتوحات الأميركية بمرحلتها الجديدة، ، وعلى ضوء ذلك وضعت الإستراتيجيات وبأشراف أوباما وأردوغان.

ثانيا: بالمقابل تبرعت أدارة أوباما بدعم نظرية تعميم "الإسلام الليبرالي" الذي تقوده تركيا والذي يتناغم مع مشروع "العثمانيون الجدد" والذي تراهن عليه تركيا لتعود من خلاله كقوة إقليمية مؤثرة في منطقة الشرق الأوسط، وفي العالم العربي والإسلامي، وفي المحيط الإستراتيجي للبحر الأسود صعودا نحو البحر الأبيض المتوسط، وهذا ما شجع أردوغان ليكون شريكا رئيسيا لهندسة ما يسمى بالربيع العربي الذي أسس الى مرحلة جديدة تتناغم مع السياسات الأميركية والتركية، وبالفعل نجح أوباما وأردوغان من توريط أوربا في ليبيا.

ثالثا: تحاول واشنطن تقريب تركيا أكثر وأكثر اليها من خلال إغراءات سياسية ولوجستية وأقتصادية لتعوض من خلالها النقص في تعداد ومعنويات الجيش الأميركي الذي أصبح يعاني من مشاكل كثيرة نتيجة الحروب المتلاحقة والواجبات المعقدة والمتناثرة في العالم، ولكي تصبح تركيا قاعدة أميركية متقدمة ولجميع الصنوف، وتصبح ممرا آمنا لقلوب العرب والمسلمين بعد ارتفاع نسبة الكراهية بينهم ضد الولايات المتحدة وسياساتها التي تكيل بمكيالين، وبالتالي هي تبحث عن حليف لا يخيفها، ويمتلك بنية تحتية قوية بالنسبة للجيش والموقع الإستراتيجي، فوجدت بتركيا الحليف الأمثل والأقرب الى توجهات السياسة الأميركية للمرحلة القادمة خصوصا وأن تركيا تشعر بالغبن من الأوربيين.

رابعا: تحاول واشنطن وبطريقة ناعمة أن تجعل من تركيا ندا لإيران ولطموحاتها القومية والسياسية والإستراتيجية في الشرق الأوسط والعالم العربي، خصوصا بعد أن وجدت نفسها واشنطن شبه أسيرة أمام إيران في العراق وسوريا ولبنان والبحرين ومنطقة الخليج، وبالتالي أصبحت غير قادرة على تحقيق النصر الأمثل على إيران التي نجحت من تأسيس بنيّة تحتية مخيفة في الدول التي ذكرناها... فواشنطن تحاول التغطية على تناقضها، فظهور تركيا العثمانية الجديدة تحت حكم رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، والتي تقوم بتعزيز مكانتها على أرض الإمبراطورية العثمانية السابقة يعتبر شاهدا على تناقص المكانة الأميركية الإقليمية ـ وبالتالي يجب التقرب منها ودعمها بدلا من مضايقتها وعلى الأقل استغلال اندفاعها بالضد من إيران التي تريد هي الأخرى تعزيز مكانتها في أرض الإمبراطورية الفارسية "الصفوية" وهذا بحد ذاته سيفرض حالة من التوازن في المنطقة من وجهة النظر الأميركية!.

خامسا: لقد شعرت واشنطن بأن حلف الأطلسي "الناتو" عبارة عن نمر من ورق ولا يُعتمد عليه بسبب تناقضاته وعدم وحدة قراره، ولقد انكشفت عوراته وعلله أثناء الحملة الأطلسية ضد ليبيا، وخصوصا في الإسبوعين الأوليين من الحملة، ولولا الدعم التركي والمساندة العسكرية الأميركية لكانت كارثة على حلف الأطلسي بدليل أن وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس وبخ القادة العسكريين ووزراء الدفاع في حلف الناتو، حيث قال غيتس "بينما صوتت جميع دول الناتو على التدخل في ليبيا، فإن الأغلبية اختارت عدم المشاركة في القتال الفعلي، وحتى أولئك الذين شاركوا في القتال نفدت منهم الذخيرة بشكل سريع مما أجبر أميركا التدخل مرة أخرى". ونتيجة ذلك صارت هناك قناعة أميركية بأن التقارب الذي أتخذه الرئيس أوباما من تركيا وقادتها كان صائبا ويجب الإستمرار به لكسب تركيا التي لم تعرف أوربا قيمتها الإستراتيجية وقوة تأثيرها في العالمين العربي والإسلامي، وكذلك لم تعرف قيمتها السوقية واللوجستية.

سادسا: تشعر واشنطن بأن هناك تصاعدا في النخوة والثقافية القومية، وكذلك هناك تصاعد في الإنتاج العسكري والتكنولوجي في روسيا، لا بل هناك تناكفا روسيا قد يصل أحيانا الى التحدي ضد واشنطن، وهذا بحد ذاته يُحتم على واشنطن الإبقاء على تركيا حليفا أستراتيجيا في البحر الأسود، وحتى في مياه المتوسط، ومناطق أخرى تحاذي النفوذ الروسي، وبالتالي عليها دعم تركيا والسكوت عن طموحاتها في العالم العربي والإسلامي لكي لا تفرط بتركيا والتي ربما ستكون حليفة لروسيا وهذا خط أحمر بالنسبة للأميركيين، ولهذا غضت واشنطن النظر عن الإدفاع التركي في دول شمال أفريقيا، وخصوصا المتشاطئة مع أوروبا والتي تعتبر تركة روسية.

سابعا: تشعر واشنطن بأن تركيا لاعب مهم للغاية بالنسبة للعراق وسوريا ولبنان، وبالنسبة للحركات الكردية والإسلامية، ولاعب رئيسي بالنسبة لافغانستان أيضا وحتى في باكستان، وبهذا هي بمثابة "أطفائي" جاهز لإطفاء الحرائق التي قد تنشب هنا وهناك، وهذا ماتريده الولايات المتحدة التي كانت سببا ولازالت لجميع هذه الأزمات والفتائل في المنطقة.

فلقد أكد لباج أسماي أن الغرض من تأسيس حلف الناتو هو "إبقاء روسيا في الخارج، وأميركا في الداخل، والمانيا في الأسفل". والسؤال: هل أصبح هذا التوزيع نافعا الآن؟ الجواب: كلا، فلقد تحطمت أضلاع هذه النظرية، فالمكانة الأميركية في حالة تناقص أمام توسع تركيا وطموحات إيران، وحنين روسيا للماضي، ومحاولة المانيا بالبحث عن هويتها الخاصة بها خصوصا وأن برلين قد قطعت شوطا كبيرا في علاقاتها الخاصة والمتينة مع إسرائيل، ولهذا تحاول الولايات المتحدة إبدال الغباء الأوروبي تجاه تركيا فتحوله الى ذكاء أميركي نحو تركيا من خلال تقريب تركيا نحو الحضن الأميركي مادامت تشعر بالزعل والغضب من الأوربيين.

فلقد أرتكب الأتحاد الأوربي حماقات كثيرة بالضد من تركيا، فكانت تلك الحماقات سببا رئيسيا بتحريك المشروع "العثماني الجديد" ومن خلال التمدد نحو منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي وشمال أفريقيا، فهناك قناعة لدى الساسة الأتراك بأنهم سوف يعاقبون الأوربيين على حماقاتهم وعنصريتهم ضد تركيا ولكن في المستقبل، وحال ما تصل تركيا الى منابع النفط والغاز، وحالما تصبح تركيا الأم لمختلف الدول العربية القديمة، والراضعة للكيانات الجديدة التي ستتأسس نتيجة مشاريع التفتيت الطائفية والإثنية والدينية، وأن الولايات المتحدة أستشعرت ذلك، فراحت لتقترب من تركيا بديلا عن الناتو، وبديلا عن الإتحاد الأوربي لتصبح تركيا حليفة خاصة للولايات المتحدة، خصوصا بعد نحاج واشنطن بتوريط بريطانيا بالدرجة الأولى، وفرنسا بالدرجة الثانية في ليبيا، فبريطانيا خسرت العراق وأخيرا خسرت اليمن لصالح واشنطن، وفرنسا هي الأخرى خسرت في العراق وأخيرا خسرت تونس لصالح واشنطن أيضا.

وعلينا أن نعرّج على نقطة مهمة للغاية وهي: فعندما تأسس الحلف الأطلسي "الناتو" تأسس لإستغلال الجيش التركي لأنه يساوي جميع جيوش الناتو من الناحية العددية، ولكي تحمي أوربا خاصرتها من الاتحاد السوفيتي من جهة البحر الأسود راحت فتوسلت لإنضمام تركيا ولكن تنكرت لها أخيرا، وهذا ما فكرت به الولايات المتحدة أي كسب صداقة تركيا وصولا لأستخدام الموقع الإستراتيجي والجيش التركي عونا للولايات المتحدة، فلتركيا فضل كبير في حماية أوربا من التمدد السوفيتي الشيوعي، وبالتالي لم تكن أوربا وفية مع تركيا، وهذا بحد ذاته كان مهما للولايات المتحدة في عملية كسب صداقة وود تركيا لتصبح هي الحامية للخاصرة الأميركية من إيران وروسيا حاليا ومن الصين مستقبلا، ولمن لا يعرف فهناك معسكرات لتدريب الجماعات الإسلامية الصينية في تركيا وبعلم السطالت التركية وبشهادة لضابط كبير في الناتو.

ولهذا فالمواقف الروسية الجديدة بالضد من حملات الأطلسي وسياساته في ليبيا وغيرها هي تطبيق لثأر روسي من حلف الناتو التي تأسس ضد الإتحاد السوفيتي، فحلف الناتو لا زال يشكل خطرا على المصالح الروسية من وجهة نظر القادة الروس، ولازال الناتو رأس حربة للسياسات الأميركية لأجتثاث روسيا من شمال افريقيا ودول البحر المتوسط، ولهذا هي خائفة أي روسيا، فتحاول الثأر من تركيا التي وقفت كرأس حربة ضد الإتحاد السوفيتي سابقا ولكن واشنطن كانت بالمرصاد فوقفت مع أنقرة وأشعرتها بذلك لكي تجذب صداقتها، وبالتالي فالحرب في ليبيا جزء منها ضد روسيا، وأن التصعيد المستمر في سوريا هو الأخر جزء منه ضد روسيا والجزء الآخر ضد إيران، والحقيقة ان موسكو أكثر وفاءا مع سوريا من إيران، لأن موسكو تفكر بالمصالح الإستراتيجية التي تربطها بسوريا خصوصا بعد أن فقدت ليبيا، أما إيران فهي تفكر بمصالح مذهبية وتكتيكية لمكاسب آنية، فعندما يسقط النظام في سوريا لصالح المخططات الأميركية والغربية والتركية ستكون هناك حصة ما لطهران من الباب الطائفي على أقل تقدير، ولكن لن تكون هناك حصة لموسكو وهذا ما تخاف منه روسيا ولا تريده أن يقع.

فهناك شبه أتفاق "أميركي ـ فرنسي أوروبي" يقود الى أجتثاث روسيا من البحر الأبيض المتوسط وحتى من شمال أفريقيا، أي أنهاء الدور الروسي "العسكري والأقتصادي والإستخباري" هناك، والذي أصبح هدفا أستراتيجيا للناتو وواشنطن، وهذا بحد ذاته شجع تركيا لتندفع وبقوة في الملف الليبي والسوري والمصري، وسوف تندفع أكثر في الملف اللبناني واليمني، فهي تريد تعويض فترة وقوفها في الطابور أمام الأوربيين، ومن ثم أخذ الدور الروسي في دول البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا، ويحركها في هذا الحنين نحو الماضي العثماني، وأن قسما من دول الإتحاد الأوربي تريد لتركيا التمدد نحو الجهة الأخرى، وبعيدا عن أوربا لكي تبدد خوفها من الزحف الإسلامي نحو أوربا، ففي أوربا هناك خوفا عميقا من الغزو الإسلامي لأوربا، وتعتبر أن تركيا مفتاح هذا الغزو، ولكن ما يخيفنا حقا أن يورطوا تركيا فيما بعد بنزاعات عسكرية تنهكها وتضعفها، خصوصا وأن المخطط الغربي ـ الأميركي لسوريا لا يتخادم مع الطموحات التركية بل يقوضها، فتركيا ترفض الحلول الغربية والأطلسية والأميركية في سوريا، فهناك مخاطر جسيمة عليها، وهناك ملفات داخل تركيا يحتمل تحريكها وفي آن واحد وحينها ستكون كارثة وأهمها: ملف العلويين، وملف الأكراد، وملف أرمينيا، وملف العراق، وملف المياه والمحاكم الدولية وغيرها!!.

فسوريا وحال سقوط نظام الرئيس الأسد سوف تدخل في مشروع التقسيم والتفتيت، وسوف يصاحبه الإجتثاث الطائفي والسياسي، وهذا سيشجع إيران للتدخل بحجة حماية الشيعة والعلويين لتصبح رقما مثلما حصل في العراق، وهذا سيشجع أيضا بالتدخل السعودي لحماية السنة فلن تقف السعودية لتكتفي بالتفرج مثلما حصل في العراق، فسوف تندفع، لهذا تحاول تركيا أيجاد حل سحري في سوريا من خلال صفقة ما بين أنقرة وطهران والرياض وواشنطن لأن التدخل الغربي والأميركي في سوريا سيستنزف تركيا سياسيا وعسكريا وأقتصاديا، والأهم سيقوض حصتها في الكعكة السورية لأنه لها شركاء سنة كثر وأولهم الرياض، وعلى العكس من الإيرانيين فهم سعداء بجميع السيناريوهات، فأن تمددت تركيا عثمانيا وقوميا فهذا سيصب في تعزيز المشروع الفارسي القومي في المنطقة، وأن تمددت طائفيا فسوف ينعش المشروع الطائفي الإيراني، وبالتالي ستتقاسم طهران وأنقرة النفوذ في العراق كخطوة أولى، ومن ثم ستُفرض حالة التوازن في المنطقة، وستكون هناك ملامح لحرب بارده تكون أرقامها السرية "الكودات" في طهران وأنقرة، وأن ذهبت تركيا لتوزيع الكعكة السورية وبعيدا عن الغرب ومن خلال صفقة ما، سوف تكون لطهران حصة فيها، وأن سقط النظام على الطريقة الليبية في سوريا فسوف حتما تكون هناك حصة لتركيا ولإيران من خلال اللعبة الطائفية، ولكن سيكون لتركيا عدد من المنافسين السنة وعلى العكس من إيران التي لن ينافسها أحد، وحينها ستنغمس طهران وتركيا في المشروع الصهيوني رغم أنفهما ومثلما حصل في العراق، وهو مشروع التقسيم والتفتيت على أسس طائفية وعرقية وإثنية ودينية.

لكننا نعتقد أن الولايات المتحدة تميل الى حالة التوازن بين إيران وتركيا في المنطقة، أي تميل لتقسيم المنطقة طائفيا بين معسكر شيعي تتزعمه إيران ومعسكر سني تتزعمه تركيا، وتميل الى صفقة ما في سوريا سواء تقودها تركيا لوحدها، أو تقودها طهران وتركيا، أو طهران والرياض وتركيا، وطبعا بإشراف أميركي لأن هناك خوفا أميركيا على إسرائيل، وهو الذي يحتم أن تبرز " خارطة طريق" في سوريا، ولهذا أندفعت دولة قطر فدعمت تأسيس "مجلس أنتقالي" ومن تركيا في محاولة منها لتأخذ دور السعودية، وفي نفس الوقت لتشاطر الأتراك في خارطة الطريق السورية التي تفرض على الرئيس بشار الأسد شركاء جدد وتنازلات كبيرة وواسعة، فقطر تحاول دمج "المجلس الأنتقالي الذي تدعمه قطر بمباركة إيرانية، مع المجلس الوطني في الداخل السوري، مع الإخوان الذين تدعمهم تركيا" أي تكون أضلاع هذا المثلث هي قاعدة التحول في سوريا، ولأجلها سارعت طهران بالضغط على الرئيس الأسد وفي نفس الوقت راحت للإجتماع مع بعض المعارضين السوريين في الخارج والداخل، ونعتقد هو الحل العقلاني والذي تدعمه واشنطن والعقلاء في الغرب.

ولكن يبقى هناك طرف لا يمكن القفز عليه، وهو الطرف الذي تراهن عليه إسرائيل وهو "الطرف الكردي السوري" والذي لازال شبه صامت بأنتظار أن تتدلى التفاحة السورية أكثر وأكثر ليسارع الى قطفها وإجبار الجميع على الوقوف في الطابور ليحصلوا على حصصهم من اللاعب الكردي ومثلما حصل في العراق وبدعم إسرائيلي، ولكن طهران وتركيا تنبهتا للحيلة الإسرائيلية فراحت أنقرة وطهران لتتناوب على قصف المنطقة الكردية في شمال العراق، والهدف أيقاف التنسيق الكردي بين أكراد إيران، وأكراد العراق، وأكراد سوريا، وفي نفس الوقت أستنزافهم جميعا في محاولة من طهران وأنقرة لتعطيل غرفة العمليات الإسرائيلية الكردية في شمال العراق من العمل والتنسيق مع أكراد سوريا، خصوصا وأن تركيا قد قطعت شوطا كبيرا في التفاهمات مع الوجوه السياسية والإجتماعية في مدينة الموصل مثلما راحت طهران فقطعت شوطا كبيرا في التفاهمات مع الوجوه السياسية والإجتماعية في أربيل والسليمانية في شمال العراق.

ولكن الذين نتوقعه بروز اللاعب الأردني، فربما سيكون هو مفتاح التغيير في سوريا فيما لو رتبت معه الرياض وواشنطن وعوضته عن الخسائر المرتقبة وسدت حاجته الحالية، أو عندما ترتب معه دولة قطر بصفقة ما، لكي تقطع الطريق على تركيا التي تنافسها في سوريا، وفي نفس الوقت تستحوذ على الأردن لتأخذها بعيدا عن الرياض، فأن عملية رفع الألغام والحواجز والمطبات وعلى طول الحدود الأردنية ـ السورية خلال الفترة الماضية يعني الكثير بالنسبة لتطور الأحداث في سوريا!

وبالتالي فعلى بعض العواصم العربية ذات التوريث السياسي، وعلى الولايات المتحدة معرفة حقيقة مهمة، وهي سيتقابل معظم الغزاة في نهاية المطاف مع غزاة عظماء آخرين في الساحة فيهلكون وتصبح أمبراطورياتهم الصغيرة جزء من أمبراطورية أكبر تابعة للفاتح العظيم والجديد، وأن أوربا الجديدة قد فشلت نظريتها التي أعتمدتها وهي "تجارة حرة.. وعملة قوية" وبالتالي فأصبحت حضارتها من الرمال، وحتى وأن صمدت في وجه العواصف الراهنة فهذا لا يعني ستصمد في وجه الأعصار الذي يستهدف أوربا في صميمها، فليس هناك إجماع ديني "كاثوليكي" ولا حتى مسيحي لكي يعيد القوة لأوروبا، فليس هناك ملامح لوحدة أوربية دائمة، وبالتالي فأن الحملات الجديدة لن تعيد مجدها، لأن القوى الثلاث لم تعد موجودة ولا يمكن أعادتها وهي:

أولاــ الكاثوليكية: والتي لن ينجح الفاتيكان بإعادة هيمنتها ومجدها ومهما فعل، ولا حتى الكنائس المتصهينة قادرة هي الأخرى على أعادة النفس الديني المتطرف الذي يجعل المواطن الأوروبي مقتنعا بالموت في المعارك ضد الأعداء وخصوصا ضد المسلمين.

ثانيا ــ التهديد العسكري والإسلامي: لقد نجح المسلمون في أفشال أجزاء واسعة من الدعاية المضادة ضد الإسلام والمسلمين، ناهيك أن بروز قوى المقاومة والممانعة هي الأخرى فرضت واقعا جديدا، فهناك وعيا عربيا وإسلاميا وعالميا بأن التهويل بالتهديد العسكري الإيراني وغيره هو مجرد دعاية، ومورست سابقا عندما جعلوا من الجيش العراقي الرابع في العالم، وجعلوا من الرئيس صدام حسين مصاصا للدماء، وسوف يحرق أوربا بغضون 45 دقيقة..

ثالثا ــ الطموح العسكري لشارلمان العظيم: فلن ينجح ساركوزي ولا غيره من أن يكون ملكا جديدا لـ "الفرنجة"، ولن يستطيع قيادة أوروبا في معارك أمبراطورية.

وبالتالي لا يمكن أن تعود الإمبراطوريات من خلال الحروب الصليبية الجديدة، فمهما تغلفت الحملات الغربية والأميركية بشعارات وردية مثل الحرية وحقوق الأنسان والديمقراطية فهي تبقى ذات أبعاد "صليبية" وإمبراطورية من وجهة نظر النخب العربية، ولكنها لن تتحقق لأنه ليس هناك سلطانا للكنيسة ومهما فعلت، وفي نفس الوقت ليس هناك أستعداد لدى الأنسان الأوربي أن يموت من أجل أحلام أمبراطورية، ومهما فعلت الدعاية الغربية والأميركية بالضد من الإسلام والمسلمين، وبالضد من العرب والمسيحيين الشرقيين!،

فمثلما هناك حنين للعودة الى الإمبراطوريات الإستعمارية الغربية يقابله أيضا بروز بقايا أمبراطوريات إسلامية وقومية في المنطقة!.

سمير عبيد

كاتب ومحلل في الشؤون السياسية والإستراتيجية

Sa.obeid@gmail.com

على الفيسبوك :Samir obeid