الدراسات الشرقية في العالم العربي تزدهر على يد الخشاب

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
من أعمال د. الخشاب

منذ أن كنت طالبا في قسم التاريخ بكلية التربية – جامعة بغداد أواسط الستينيات من القرن الماضي، وأنا أسمع بالأستاذ الدكتور يحيى الخشاب. ففضلا عن مؤلفاته التي كنت ارجع إليها عند تكليفي بكتابة البحوث والدراسات، فإن مما عرفته عن الرجل، أنه كان يكتب المقالات وينشرها في الصحف والمجلات. كما انه تولى عمادة معهد البحوث والدراسات العربية العالية في عهد ازدهاره العلمي. وعندما اتجهت إلى الحياة العملية بدأت أتابع منجزات الدكتور الخشاب، وأخذت أقرأ عنه وعن سيرته وتوجهاته القومية العربية ومؤلفاته التي كانت تؤكد التلاحم العربي والإسلامي في شتى مجالات الحياة.

يحيى محمد عمر الخشاب، يعد رائدا من رواد الدراسات الشرقية في العالم العربي، وكان متأثرا بأستاذه الدكتور عبدالوهاب عزام أول أمين عام لجامعة الدول العربية، وأحد المفكرين القوميين العرب.

وينتمي الدكتور الخشاب إلى أسرة مصرية عريقة برز منها عدد كبير من الشيوخ وعلماء الدين والقضاة. وهو رجل صعيدي ولد في حي الدرب الأحمر بمدينة القاهرة في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1909. وكان جده لأمه الشيخ عبدالرحمن قطب الذواوي مفتيا للديار المصرية، كما كان قاضيا مشهورا. درس الخشاب في مدرسة العقادين ثم المدرسة الإلهامية الابتدائية، ونال شهادة البكالوريا (الإعدادية) سنة 1927 والتحق بكليتي الآداب والحقوق في آن واحد، وقد حصل على الليسانس آداب سنة 1931 وليسانس الحقوق سنة 1933.

والخشاب يعد أول معيد يعين في كلية الآداب – جامعة القاهرة. وسرعان ما التحق بالدراسات العليا، ونال شهادة الماجستير في الدراسات الشرقية عن رسالته الموسومة "ناصر خسرو ورحلته إلى مصر". مارس المحاماة فترة قصيرة من الزمن 1933-1935 وجاء ذلك قبل تعيينه معيدا في كلية الآداب. وبعد حصوله على منحة من الجامعة للدراسة في تركيا سافر إلى اسطنبول، وقضى صيف سنة 1930 هناك ثم رشح للبعثة العلمية إلى فرنسا وسافر إلى باريس ليلتحق بجامعة السوربون، وحصل على شهادة دكتوراه دولة سنة 1940. وفي جامعة السوربون تعلم الكثير من قضايا وإشكالات الدراسات الشرقية. فضلا عن تعرفه بأساتذة ومستشرقين كبارا إلى درجة أن الحكومة الفرنسية ساعدته من خلال منحة مادية على حضور مؤتمر المستشرقين في بروكسل ببلجيكا سنة 1938 جنبا إلى جنب مع عدد من أساتذته أمثال الدكتور عبدالرحمن عزام والدكتور أحمد أمين.

استمر الدكتور الخشاب بعمله مدرسا في قسم الدراسات الشرقية وللمدة من 1940 وحتى 1947، ثم رقي إلى أستاذ مساعد وبقي كذلك حتى ترقيته إلى مرتبة الأستاذية في اللغات الشرقية وآدابها سنة 1950.

عرف عنه حبه لتخصصه، ورعايته لطلبته، وتنمية لقابلياتهم، ونشر ثقافة الاهتمام بالدراسات الشرقية، لغة، وتاريخا، وتراثا. وكان مما يؤكد عليه ضرورة دراسة اللغات الشرقية وخاصة اللغتين الفارسية والتركية. وكان للدكتور الخشاب دور مهم في تأسيس قسم للغة الفارسية في جامعة القاهرة سنة 1950. وبعد تأسيسه أصبح الدكتور الخشاب محاضرا فيه.

ترجم الدكتور يحيى الخشاب كتاب "كريستنسن" الموسوم "إيران في عهد الساسانيين" وهو من الكتب الكلاسيكية المهمة في هذا التخصص، ولا يزال الكتاب يدرس في معظم أقسام التاريخ في الجامعات العربية ومنها جامعة الموصل، ومن الطريف أن الدكتور الخشاب حرص على أن يقوم أستاذه الدكتور عبدالرحمن عزام بكتابة مقدمة للكتاب.

تحدث الدكتور صادق كريم يحيى خورشا، وهو أحد تلامذة الدكتور الخشاب ويعمل في جامعة الملك سعود بالرياض – المملكة العربية السعودية، عن أستاذه وقال إنه لم يبخل عن أن يقدم العون لطلبته وكان أستاذا فذا في اللغة الفارسية، وقد عشق هذه اللغة وترجم عنها. وكان على صلة حميمة مع الأساتذة الإيرانيين حتى أن جامعة طهران منحته شهادة الدكتوراه الفخرية سنة 1973 وكان دائم التواصل مع إيران، فقد زارها أكثر من مرة، وكان يحرص على حضور المؤتمرات العلمية التي تعقد هناك. ومن أصدقائه الدكتور صادق نشأت الذي ترجم كتاب "تاريخ البيهقي" سنة 1956 وهو أستاذ إيراني عمل في جامعة القاهرة أكثر من اثنتي عشرة سنة، وخدم المكتبة التاريخية والأدبية، وله مؤلفات وترجمات عديدة منها كتاب عن الشاعر الفارسي سعدي، والذي قدمه الدكتور الخشاب. كما أن من أصدقائه الدكتور علي دشتي، وقد عمل سفيرا لإيران في القاهرة أيام الوحدة مع سوريا 1958 - 1960.

من أعمال الدكتور الخشاب المنشورة: "حكاية فارسية" 1940 عن دار الكتاب المصري، وكتاب "تنسر" وهو "أقدم نص عن النظم الفارسية قبل الإسلام"، ونشرته جماعة الازهر للتأليف والترجمة والنشر 1954، و"جهار مقالة" أي المقالات الأربع لمؤلفه النظامي العروضي السمرقندي المتوفى سنة 1157 بالاشتراك مع الدكتور عبدالرحمن عزام وطبعته لجنة التأليف والنشر والترجمة في القاهرة 1949، و"إسلام الفرس: مدخل في تراث فارس.. تاريخ الأدب الفارسي في القرن التاسع عشر" القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1948 ، و"تاريخ الكرد وكردستان"، القاهرة مكتبة عيسى الحلبي، 1958. و"إلتقاء الحضارتين العربية والفارسية" القاهرة، جامعة الدول العربية معهد الدراسات العربية، 1969. والشاهنامة للفردوسي.

ومن الكتب المترجمة عن الفرنسية) كتاب ارثر كريستنسن عن "إيران في عهد الساسانيين"، والذي صدرت طبعته الاولى 1950 وصدرت له طبعات عديدة فيما بعد في القاهرة وبيروت. كما ترجم كتاب "ابو الفضل البيهقي" الذي صدر لأول مرة 1956، وكتاب "ناصر خسرو" الذي صدر 1959، و"بيان الأديان لابو المعالي" وصدر 1959، و"خوان الإخوان ناصر خسرو" ونشره المعهد الفرنسي 1940، و"اداب المتعلمين" وصدر في مجلة معهد المخطوطات 1980، و"المصطلحات الفارسية والعربية" ونشر في مجلة الجمعية التاريخية 1960 و"أصحاب المذاهب والفرق.. الخوارزمي" ونشر في المجلة ذاتها 1960.

كما ترجم وحقق مع الأستاذ محمد علي عوني كتاب "شرفنامه: في تاريخ الدول والإمارات الكردية" الجزء الأول وطبع لأكثر من مرة. والكتاب من تأليف شرف خان شمس الدين البدليسي كتبه بين عامي 1597- 1599، والبدليسي معروف بالأمير شرف الدين حاكم إمارة بدليس الكردية الواقعة غرب بحيرة وان، وكان له اهتمام كبير بالتاريخ الكردي فألف هذا الكتاب باللغة الفارسية ويبحث في تاريخ الدول والإمارات الكردية في العصور الوسطى والحديثة إلى نهاية القرن السادس عشر الميلادي، وفيه تراجم الملوك والسلاطين والأمراء والحكام وسرد لنشأة اللهجات الكردية ونشوء المدن وأسباب زوالها ويعد من أبرز المصادر في التاريخ الكردي.

كما ترجم الخشاب كتاب "سفر نامه" لناصر خسر علوي وقدم للكتاب الدكتور عبدالوهاب عزام، وقد اطلعت على طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1993.

هذا إلى جانب بحوثه المنشورة في عدد من المجلات العلمية المتخصصة، وإجراء مراجعات لكتب ودراسات في مجال تخصصه.

وقد تقاعد د. الخشاب سنة 1969 وأصبح أستاذا متمرسا (أستاذ متفرغ) حتى وفاته. ومن المناصب التي تبوأها منصب عميد كلية الآداب – جامعة القاهرة 1954. كما تسنم منصب مدير الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية من 1960 وحتى 1965، وصار عميدا لمعهد البحوث والدراسات العربية العالية بين سنتي 1964-1965. وزار جامعات عربية وعالمية كثيرة وألقى على طلبتها محاضرات في مجالات اللغة العربية واللغات الشرقية.

رحم الله الدكتور الخشاب وجزاه خيرا على ما قدم لوطنه وأمته. ويقينا أن ما تركه من أعمال (مؤلفة ومترجمة) في حقل الدراسات الشرقية تجعلنا نقف لنذكره باستمرار على أنه يعد – بحق – شيخا للدارسين المهتمين باللغات الشرقية والتاريخ والتراث الشرقيين، وهو تخصص لا يزال بحاجة إلى المزيد من الاهتمام في عالمنا العربي والإسلامي.