نجدت أنزور: ضعف التسويق يحد من انتشار الدراما الوطنية

الأعمال الوطنية تنحسر لصالح الأعمال البيئية والاجتماعية

دمشق - لا يمكن الحديث عن الإنتاج الدرامي السوري دون التطرق إلى الدراما الوطنية التي برزت في اعمال الفنانين السوريين والتي عكست إحساسا عالي المستوى من الوعي بأهمية هذه القيمة الانسانية عبر عشرات الاعمال التي حفرت في ذاكرة المشاهد العربي بصمة خاصة للدراما السورية تنفرد فيها من حيث جودة الشكل ورقي المحتوى.

فمن الفيلم التلفزيوني "عواء الذئب" إلى تمثيلية "العريس" ومن فيلم "مهمة خاصة" الى فيلم "النار والماء" التي قدمت الدراما السورية من خلالها توليفتها الخاصة التي تعكس حسها الوطني العالي وروحها التواقة للإبداع.

ولم تكن الأعمال الوطنية مقتصرة على الافلام فقد أغنت الدراما السورية رصيد المسلسلات العربية بمجموعة كبيرة من المسلسلات التي تناولت القضايا القومية كان أبرزها مسلسل "عز الدين القسام" الذي تعرض لمرحلة هامة من نضال الشعب العربي في سوريا وفلسطين ضد الاحتلال البريطاني إلى مسلسل "هجرة القلوب إلى القلوب" ومسلسل "خان الحرير" الذي اطل المشاهد العربي عبر جزأيه الأول والثاني على البيئة الحلبية لاول مرة في الدراما السورية وعلى نبض الشارع السوري في الخمسينيات من حماس وطني وما اكتنفه من تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر.

ولا يمكن لنا أن نتطرق إلى الدراما الوطنية دون الحديث عن مسلسل "ردم الاساطير" الذي يتحدث عن سرقة الصهاينة للآثار السورية بإبراز دور موقع ايبلا التارخي في كشف زيف الادعاءات الإسرائيلية حول الأرض.

واستطاع الفنان نجدة اسماعيل انزور إنجاز ثلاثة أعمال عن نضال السوريين ضد الاستعمار الاجنبي فكان في البداية "نهاية رجل شجاع" الذي نقل خلاله انزور فترة هامة من التاريخ السوري المعاصر مع نزول القوات الفرنسية على الساحل السوري واندلاع الثورة السورية من خلال رؤية فنية تلازم فيها الخط الوطني مع الاجتماعي مسجلا ملامح هامة من أصالة الانسان السوري ورفضه للظلم.

وتابع أنزور هذا الخط عبر ملحمته التلفزيونية "أخوة التراب" التي عبر فيها عن النزعة القومية للشعب السوري بما قدمه هذا الشعب من شهداء لوطنه.

ليقدم أنزور بعد ذلك فيلما سينمائيا بعنوان "أهل الوفا" عن بطولات المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان ويختمها بمسلسل "رجال الحسم" عن بطولات الجيش السوري في حرب تشرين من خلال حبكة جاسوسية يقوم عبرها ضابط سوري في متابعة شبكة للموساد في اوروبا عبر توليفة جديدة في عمل هذا المخرج كون من خلالها رؤيته الفنية لراهنية الوطن كقضية حاسمة في حياة السوريين.

وتحدث أنزور عن تجربته في الدراما الوطنية قائلا "منذ بدايات النهضة التلفزيونية قدمنا أعمالا مهمة تمس قضايا المقاومة ولكنها بدأت بالانحسار في السنتين الأخيرتين لحساب أعمال أخرى تتناول موضوعات بيئية وقصصا اجتماعية والسبب أن القطاع الخاص الذي يتصدى لهذه الأعمال لا يستطيع أن يقوم بعمل متكامل لأنه خاضع لشروط الربح والخسارة".

ورأى انزور أن القطاع العام قصر في الاهتمام بهذا النمط من الأعمال ولم يشتغل على هذه المواضيع الوطنية والهامة منها مثل الجلاء وحرب تشرين وغيرها.

وبين انزور أن القطاع الخاص استطاع ضمن المتاح أن يتصدر هذا المجال بشكل معقول نسبيا مشيرا الى اهمية الأعمال التي تناولت موضوعات وطنية مثل أخوة التراب والتغريبة الفلسطينية والموت القادم من الشرق والحور العين وغيرها.

وأشار إلى تميز الأعمال المماثلة بترك أثر وبصمة بتكاملها من جميع النواحي المتعلقة بعمل المسلسل كالإخراج والإنتاج والحوار والسيناريو واختيار الشخصيات وقال إن دور الفنان هو أن يقدم العمل بشكل جيد للجمهور إضافة للمضمون الجيد.

واعتبر أنزور أن من أهم الصعوبات التي تواجه الأعمال الدرامية التي تتناول قضايا وطنية هي مسألة التسويق فهي غير مرغوبة من قبل المحطات التلفزيونية التي تقوم سياستها على تسخيف الدراما، مشيرا الى ان الدراما السورية ناجحة في قيمة موضوعاتها لذلك عليها هجمة إعلامية لتشويه وتسطيح هذه الموضوعات.

وأشار أنزور إلى ضرورة أن تكون الأماكن في الأعمال الدرامية الوطنية مطابقة للحقيقة إلى حد ما كي تعطي مصداقية أكبر وعمقا لواقعية القصة كما في مسلسل "أخوة التراب" حيث بحثنا في كل أرجاء سوريا عن مكان مناسب نظرا لأهمية المكان والجغرافيا كبطل من أبطال العمل أيضا.

كما استطاع الفنان باسل الخطيب أن يقدم رؤية فنية جديدة في تناوله المستمر لموضوع الوطن في المسلسل التلفزيوني "أيام الغضب" الذي تحدث فيه عن الاحتلال الفرنسي لسوريا من خلال عرض مقاربات ذكية في تصوير الحراك الوطني السوري دون الذهاب إلى مبالغات بصرية أو نصية.

ولم تقتصر أعمال الخطيب على الهم الوطني بل تعدته إلى أعمال هامة مثل "عائد الى حيفا" عن رائعة الأديب الكبير غسان كنفاني وعمله الأخير "أنا القدس" الذي عكس المأساة الفلسطينية مستعرضا حياة الفلسطينيين في هذه المدن وأنماط عيشهم.

ولا يمكن التطرق الى الاعمال الدرامية السورية الوطنية دون أن يقفز إلى ذاكرتنا مسلسل "رسائل الحب والحرب" للكاتبة ريم حنا التي اطلت من خلاله على الحرب الأهلية اللبنانية لتؤكد أن الوطن يظل بعيدا عن كل التوافه الدنيوية.

بدوره قدم الفنان حاتم علي عملا عالي المستوى هو "التغريبة الفلسطينية" الذي جعل الوطن كائنا في المعيش اليومي من خلال علاقة الإنسان بوطنه.

ولا يقل أهمية عن الاعمال التي ذكرناها سابقا سلسلة "حمام القيشاني" التي رصدت اهم التحولات الاجتماعية في المجتمع السوري الناشئ بعد الاستقلال.

وفي نفس السياق يعرض مسلسل "الدوامة" حقبة امتدت من 1949 إلى 1952 تحدثت عن المحاولات الخارجية للهيمنة على النفط السوري وما تبع ذلك من سلسلة اغتيالات وانقلابات وتجاذبات سياسية عاشتها سوريا كل ذلك عبر حبكة بوليسية لجواسيس انكليز وفرنسيين وأميركيين وبطانة عسكرية فاسدة.

ومن أبرز الأعمال الوطنية التي حضرت في هذا الموسم مسلسل "في حضرة الغياب" عن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش التي مزج فيها الكاتب حسن م. يوسف الوطني بالانساني ليعرض مسيرة وطن من خلال حياة هذا الشاعر الكبير.

وقال يوسف إن العمل يبدأ بالأيام الأخيرة في حياة الشاعر الفلسطيني الكبير ثم يعود إلى البدايات مروراً باهم المحطات في حياة درويش.

وبين يوسف أن كتابة العمل كانت على جانب كبير من الصعوبة مشيرا إلى أن أهم مشكلة واجهته هي تكتم محمود درويش بشأن حياته الشخصية وكانت النتيجة أن استغرقت منه كتابة العمل أكثر من عامين.(سانا)