الظلال المظلمة في 'المشهد والظل' لا تحجب ما يجب أن يقال

بقلم: أحمد صلاح هاشم
البحث عن الواقع التونسي عبر المشاهد والظلال

المتتبع لأسلوب هيام الفرشيشي في مجموعتها القصصية الأولى "المشهد والظل" يلاحظ أن استخدامها للصور الخيالية لم يجئ على حساب النزعة الفلسفية أو الفكرية، التي نلاحظها في المجموعات القصصية الخاصة بأحلام مستغانمي على سبيل المثال. وإلى نحو منتصف المجموعة نلاحظ تعبيرات انسيابية وصورا وأخيلة جاءت متراصة على نحو بديع. تقول مثلا في "خطوات القط الأسود": "أرادت هدى أن تولج خيط الماضي في إبرة الحاضر"، وفي القصة نفسها: "تساقط الرذاذ على الأشجار المحترقة. رأت بين طياتها أحرف الموت كتبت بلون الرماد فصارت أشبه بهياكل عبثت بها النيران"، وفي "الصخرة والبحر والإلهام": "ترك كتب التاريخ والفلسفة والأدب تنام على طاولته الهرمة".

وفي "ركض وراء الذاكرة": "تخير الانتصاب في شرفة أفكاره المتأججة حيرة. تحولت الكوة إلى مدخنة تفرز بقايا ذكريات"، بينما تأتي النزعة الفلسفية أو الفكرية المتعمقة أبطأ قليلا، نلمح منها مثلا في "ركض وراء الذاكرة": "كان يفكر أن العراء طريق إلى المقبرة. فالثوب كفن والعراء إيذان بالنزول إلى الظلمة".

وحول استخدام الأخيلة، دون تغييب النزعة الفكرية ترد هيام بأنها "وظفت الظل للنفاذ إلى أسئلة فلسفية وجودية عميقة، ففي قصة "ركض وراء الذاكرة" على سبيل المثال تزداد أسئلة الموت إلحاحا حين ينتهي الإنسان إلى ظلام القبر. ظل يطول ويقصر ويتابع بطل القصة الذي يترصده الموت، ويعكس الظل أسطورة "ارض الظلال" في الميتولوجيا اليونانية والفرعونية، وهي أرض الموت والانقطاع المادي عن الوجود. موت يئد حلم "عبد الحميد" بتثبيت صورته تحت الشمس ليرى ظله في انبتاته عن أصل وجوده، وفي وأد حلمه بمعرفة والدته التي تركته في ملجأ الأيتام منذ ولادته ليبقى مسكونا بهاجس الموت. ويحل الظل الداكن محل بقعة الضوء نظرا لوجود الحواجز التي تحجب الضوء.

كما نلاحظ أن الاهتمام بالمكان جاء على شكل رمزي ولم يأت واضحا، وتبرر الكاتبة ذلك بأن سمة القصص القصيرة عدم الاهتمام بالأمكنة قدر الاهتمام بالشخوص والصور. ولكنها تؤكد لنا أنها "تحول من الفضاء المكاني سواء كان واقعيا أو رمزيا أو غرائبيا إلى فضاء للظل حين تتوهج لحظة الكتابة بإرهاصاتها تحمل ذلك النور الخافت الأشبه بنور الشمعة في انسيابها تضيء فضاء الورقة ولكنها سرعان ما تذوب تاركة وراءها عتمة غامضة".

كما تكشف لنا عن "الذات المظلمة" وهي تسترجع أطياف الصور العالقة في ذاكرة كل شخصية قصصية. صور مغموسة في المعاناة، تتجرع عبرها اللغة مرارة ما تتشح بالسواد وذلك ما تعيشه عربية في قصة "غياهب الوهم" وهي تنتقل من فضاء القرية المضيء إلى فضاء المدينة بزقاقها المظلمة، وسراديبها لتخلف حيرة وغموضا، ثم سرعان ما تصير على شكل كوابيس، وهي تعكس ترسبات الشعور بالألم، فتتضخم الظلال في أزقة العاصمة حيث تحجب المباني المتلاصقة والأزقة الضيقة مصادر الضوء، ونرى ظلالا وأطيافا من وحي الخيال هي انعكاس لظلال الشموع في ليالي الشتاء المظلمة، ولكنها تترك فسحة للحلم حين تعود عربية إلى القرية بعدما رفض ذهنها تقبل الواقع الجديد، وبذلك يتنافذ الحلم مع ترسبات المعيش المنبري هنا والآن، ويتحدد الحلم في سياقه التاريخي ليكشف تكسرات الواقع ودمامته.

ومجموعة "المشهد والظل" خير معبر عن حال تونس بشكل رمزي في الفترة التي سبقت خروج بن علي (الرئيس التونسي المخلوع)، وقد جاءت القصة الثالثة "المشهد والظل" لتعبر عن الفساد الإداري الممتد في عهد بن علي بشكل يضمن للمتلقي أن يفهم إسقاطات الرموز، كما يضمن للكاتبة أيضا أن ترمز للنظام الذي كان قائما وقت كتابة القصة. فهدى كاتبة صحافية يأمرها المدير بإجراء حديث صحافي حول الحريق الذي أتى على القرية الجبلية، وهي قرية من القرى التي تربض في محيط تونس، ولكنه يجبرها على الحديث مع المتبرع وليس المنكوبين. وعندما تحاول أن تتملص من ذلك، وتستجمع شجاعتها وتسأل الناس، تكتشف أن مقالها نشر حتى قبل أن تكتبه.

قصة "المشهد والظل"، التي اختارتها هيام عنوانا لهذه المجموعة، عنوان تفككه لنا الكاتبة، فالمشهد يشير إلى عالمها القصصي "هو عالم من الصور، تترصدها العين التي ترى المشهد وتعيد تصويره فنيا. تنطبق الصور الحياتية على بعضها في لوحات ألوانها داكنة وترميزاتها تشير إلى الوجع. تتشوف الضوء في حلمها بالهروب إلى فضاء مختلف."

أما الظل فلم يكن متنفسا بقدر ما كان مصدر الضوء الضئيل ترده هيام إلى أن "كثافة الظلام التي تغطي الصور الحياتية في هذه المجموعة ما تجعلنا نستشعر بأن مصدر الضوء أو بقعة الضوء ليست بالكثافة اللازمة التي تجعل الظل يبدو مشعشا، بل هو الظل المكتسي بالسواد يغطي الضوء بل يتحول إلى حاجز له، وذلك مرتبط بواقعنا الاجتماعي الأشبه بجسم متكلس أو كساء قشيب لا تنفذ منه إلا بقعة الضوء الضئيلة لترصد الكتابة حقيقة الذات المبدعة تتجسد عبر المشاهدة المغلفة بوجع الروح".

وعند عودة هيام إلى مصدر الضوء ترسم لنا صورا منسوجة بسبائك من أشعة الشمس في قصة "الخروج من الدائرة"، ليبدو الظل المشعشع عبر هذه الصور أقل قتامة وأكثر وضوحا من الظل المظلم الكامل، ولكنها سرعان ما تبهت حين تنبري أشباح الظلال في غياب الضوء حيث يكون للظل وظيفة مزدوجة فهو متنفس إلى حين دون أن يبدد حالة الاحتقان.

نخلص في النهاية أن قصص هيام الفرشيشي تنطوي على الظلال المظلمة التي لا تحجب ما يجب أن يقال. مما يجعل عملية قراءة نصوصها تتطلب البحث عن الواقع التونسي عبر المشاهد والظلال دون أن نغفل ارتسامات الكاتبة الذهنية ورؤيتها الفكرية له وهي تكتب قصصها.