فهمي هويدي: الحركات الإسلامية المعاصرة تعاني من خلل مفجع

لا يحق لأحد ادعاء حصانة إسلامية منزهة عن النقد

القاهرة ـ يحاول الكاتب والمفكر فهمي هويدي في كتابه "القرآن والسلطان" مناقشة ما يتميز به الفكر الإسلامي من أفكار تسعى بالمسلم لمواكبة العصر، بل والتقدم به إلى آفاق أرحب، ذلك إذا التزم المسلم بأحكام القرآن في صورتها النقية الصحيحة، بعيداً عن تحريفها، أو تأويلها وفق عقليات قاصرة.

ويشدد المفكر الإسلامي على أهمية "الحرية والديمقراطية"، ويعلن أنهما مفتاح التقدم وأن بذرة الانحطاط تنمو في ظل الاستبداد، ويستشهد المؤلف بأدلة نقلية كثيرة منها الآية الكريمة {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير حق أولئك لهم عذاب أليم} (الشورى- 43)، ومن الأحاديث النبوية أن كلمة الحق عند سلطان جائر هي "أفضل الجهاد" وأن الناس إذا سكتوا واستسلموا للظالم "أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب".

والعمل الإسلامي كفكر وكممارسة لا يؤتي بثماره في غيبة الحرية والديمقراطية، فتيارات تكفير المجتمع وجماعات الغلو والتشنج باسم الدين لم يظهروا إلى الوجود إلا في المرحلة التي صودرت فيها حرية العمل الإسلامي الشرعي، ضمن إجراءات أخرى استهدفت مصادرة حرية التعبير والتفكير.

وأشار هويدي إلى أن أكثر الحركات الإسلامية المعاصرة تعاني من خلل مفجع في ترتيب أولوياتها؛ ففي حين هدفت الرسالة المحمدية لتحرير الإنسان من الوثنية والشرك، جاء حملة الإسلام بعدهم بـ 14 قرناً لتدور معاركهم حول اللحى والمفاضلة بين البنطلون والجلباب! مما عزلهم عن آمال الجماهير وطموحاتها، وعن فصائل النضال الوطني.

ويشير هويدي إلى أنه لا يحق لأحد أن يدعي تمتعه بحصانة إسلامية خصته بها السماء من دون كل المسلمين ونزهته عن النقد والسؤال، حيث أن القداسة والعصمة من الصفات المطلقة لله وحده. والرسول (صلى الله عليه وسلم) كان في غير إطار الوحي يستشير أصحابه. ووفقاً لكتب التاريخ الإسلامي جاء ربط كلمة "الدين" بأشخاص ذوي المناصب تجسيداً أو احتماء وتبركاً في أواخر القرن العباسي الأول، وهو العصر الذي اتسم بتقلص النفوذ العربي وتزايد تأثيرات أعاجم المسلمين، إلى جانب التدهور السياسي والفكري الذي شهدته تلك المرحلة والذي بلغ حد الانحطاط في العصر العباسي الثاني.

فهمي هويدي

تكمن الأزمة في الاكتفاء بما وصل إليه الأقدمون دون السعي نحو التجديد بالإجتهاد المنضبط، لأن في ذلك تعطيلا للعقول لا يحض عليه الإسلام، ومنذ القرن السابع الهجري أغلق باب الاجتهاد وتحول أغلب العلماء لمجرد مستقبلين وملقنين ومقلدين، مذكراً بقرار الخليفة المستعصم عندما طلب من علماء الفقه في المدرسة المستنصرية أن يوقفوا تدريس أي فكر يخالف أقوال الأئمة الأربعة.

ويستشهد هويدي بقول الإمام الشافعي "إذا صح خبر يخالف مذهبي فاتبعوه، واعلموا أنه مذهب"، ويقول أيضاً لتلاميذه "إذا ذكرت لكم مالم تقبله عقولكم فلا تقبلوه، فإن العقل مضطر لقبول الحق".

ويرفض هويدي مقولة "الفكر المستورد" والتي تتردد كثيراً بهدف إصطناع تصادم بين الفكر الحديث والمتوارث، مشيراً إلى أن هذه الدعوات لا تصدر عادة إلا في محاولة لتطويق عقول البشر بحجة حمايتها مما يؤدي لمصادرة أي فكر ومصادرة العقول نفسها.

ويؤكد هويدي على أنه لا وجود لما نسميه فكراً محلياً وآخر مستورداً إنما هناك فكر نافع يجب أن نسعى إليه ونلح في طلبه، وآخر ضار يجب مقاومته والتصدي له لكل وسيلة، وهذا هو المنطق الإسلامي الذي عبر عنه الحديث الشريف في قول النبي عليه السلام {الحكمة ضالة المؤمن، إن وجدها فهو أحق الناس بها}.