حشرات سوريا يحيّون جرذان ليبيا

بقلم: مفتاح بوعجاج

بعد اكثر من اربعة عقود من الانقلابات والهتافات والايدولوجيا ومقارعة "الاستعمار" و"الامبريالية" والمعارك "الكلامية" واسقاط الطائرات وتفجير الدارات وتأميم الاملاك الخاصة ونهب الفلل والمزارع وقتل وتعذيب وتشريد ابناء الوطن والمناورات والاستعراضات العسكرية في الشوارع والميادين خلال اعياد الانقلابات والمعارك الفاشلة جنوبا وشمالا وغربا وشرقا التي انتهت كلها إلى خسائر ودماء وضحايا ثم تعويضات بالمليارات إلى "الاعداء"، وبعد الخطابات المطولة عن الاشتراكية والعدالة والتحرير والصمود والتصدي ولا سيد ولا مسود والانجازات الضخمة المتمثلة في اسوأ بنية تحتية عرفها العالم وفي بلاد تحصلت على اعلى نسبة وفيات حوادث في العالم واعلى نسبة في امراض الضغط والسكر والجنون والتبلد الذهني والسرطان بأنواعه واعلى نسبة تدخين لأردأ انواع السجائر الآتي عبر الحدود من افريقيا.

في بلد توفيت فيه حافلات النقل العام وممرات المشاة.. وبقايا الطرق والاقواس تحتضر والكثير من مشاريع الانقلاب كالنهر الصناعي والحديد والصلب والاسمنت والمعمورة والالبان منها من لقي حتفه ومنها من ينتظر. في بلد المليون عاطل رغم المليارات. في بلد النظرية العالمية الثالثة التي نظر لها دكاترة العصر بودبوس والابراهيمان واتباعهم من دكاترة الفكر الجماهيري الذين تحصلوا على شهاداتهم في مواضيع مثل "الدجاجة تبيض والديك لا يبيض" و"الطفل تربيه أمه" و"معمر ثائرا مثل باتريس لومومبا وسوكارنو" و"المبدع معمر ثائرا ومفكرا".. الذين لم يجدوا مبررا في محاضراتهم على الطلبة المساكين لفشل دولة الجماهير في عقر دارها الا باللوم على ادريس السنوسي وهو الذي ترك لهم الجمل بما حمل منذ اكثر من اربعين عاما ورقد بعيدا عن "فردوسهم الارضي" في اطهر بقاع الله، في البقيع الطاهر..في قبر حوى المجد والفخار، رغم انه كان تمنى ان يدفن في تراب ليبيا التي احبها واحبته.. او اللوم على هذا الشعب "الغبي" الذي لم يفهم النظرية بقولهم ان معمر زعيم بلا شعب وأن غيرهم من الدول هي شعوب بلا زعيم.

الدكتاتورية والشمولية مرض كما الامراض، فكما للسرطان "عافاكم الله" اعراض يعرفها الطبيب المتخصص، فكذلك الدكتاتورية والشمولية لها اعراض لا تخفى على متفحص ومراقب. وقد ابتليت اوطاننا بهذا المرض منذ انقلاب حسني الزعيم في سوريا عام 1949 ثم قاسم وعبدالناصر والبكر وصدام والقذافي والنميري وهلم جرا. فالمرض الذي ابتليت به سوريا الاسد هو نفس المرض الذي ابتليت به ليبيا في عام 1969 ولذلك فأن الاعراض متشابهة: التحدث وبأستمرار عن المؤامرات الخارجية من قبل الاستعمار والامبريالية والرجعية- عن لا صوت يعلو على صوت المعركة - تحرير فلسطين - الحرب الصليبية ضد الاسلام وتقدم الامة - الاشتراكية والعدالة والمساواة - وحدة حرية اشتراكية - تشجيع ودعم الشعوب المتطلعة إلى الحرية - امة واحدة ذات رسالة خالدة (لم استطع التعرف على هذه الرسالة حتى الان). وعن الزحف الهادر المليوني.. وغيرها من الايدولوجيات التي فشلت في تحقيق هدف واحد على واقع الارض، بل حدث العكس تماما. فالدول الامبريالية والاستعمارية على رأي الانقلابيين هي التي تساعد الشعوب في التخلص من الدكتاتورية، رغم ان الاسد وبومنيار بحت اصواتهم وبدون خجل وهم يعلنون ان رحيلهم ليس في صالح وجود دولة اسرائيل وان وجودهم هو الضامن الوحيد لاستقرار الاوضاع وهم الذين كنا نظنهم ما انقلبوا الا للتحرير. لم تطلق طلقة واحدة منذ احتلال هضبة الجولان في 1973 بل لو راجعنا التاريخ سنجد ان الاسد الاب كان السبب في احتلالها. وها هو الاسد الابن يقصف الفلسطينيين العزل في مخيماتهم ويكمل ما بدأه ابوه في فصف مدينة حماة وقتل سكانها بل زاد الابن عليه بأن وسع رقعة القصف. وهاهم بومنيار والاسد يقصفون ويدمرون المساجد على عباد الله وبنفس الوتيرة وفي نفس الوقت الذي يسمح فيه "الصليبييون الكفرة" ببناء مساجد للمسلمين فيها. وها هو بومنيار "الوحدوي" يريد تقسيم ليبيا بينما تصر "الدول الاستعمارية" على ضرور بقاء ليبيا موحدة وديموقراطية. هاهو بو منيار الاشتراكي يسرق اموال الليبيين ويضعها في بنوك "الاستعمار والامبريالية" وهؤلاء "المستعمرون" يعلنون عنها وانها مجمدة لصالح ليبيا بعد التحرير بما فيها سويسرا "الكافرة". ها هي اميركا "الامبريالية" ترسل وفدا إلى دول افريقيا "الصديقة" تطلب منهم الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي ليصل عدد المعترفين إلى النصاب القانوني للاعتراف به في الامم المتحدة وتلك الدول "الصديقة" تمانع وتسمح لبومنيار بتحويل الذهب والاموال الليبية تهريبا اليها...

لاشك ان شعوبنا اخيرا قد تفطنت بعد سنين من العيش في الوهم بأن هؤلاء هم النصابون والكاذبون هم ومن حولهم ومن والاهم وهاهي تضحي بالغالي والنفيس في سبيل التخلص منهم..وتتطلع إلى دول العالم الحر الديموقراطي لمساعدتهم على ذلك. الا ان ما لا تستطيع تلك الدول الديموقراطية فعله هو مساعدة الشعوب العربية في التخلص من تلك الثقافات التي اتت بهؤلاء..تلك الثقافة التي تولد من رحمها الدكتاتوريات ويولد منها الطغيان بكافه اشكاله والتي تراكمت لاسباب تاريخية واجتماعية وسياسية وغيرها...تخلص الشعب الايراني من حكم الطاووس في ثورة شعبيه عارمة الا انهم وقعوا في دكتاتورية الخميني واتباعه.. تخلص الصوماليون من زياد بري الا انهم وقعوا في الفوضى والقبلية وحكم امراء الحرب. ولذا فأن التخلص من تلك الثقافات هي ايضا واجبة بعد التحرير ولكن على ايدي الشعوب نفسها لتحل محلها ثقافة الديموقراطية والمواطنة والدولة العصرية والتخلص من تلك العقد التاريخية التي تراكمت ايضا سبب الانقلابات واساءت إلى علاقاتنا بالعالم الديموقراطي المتقدم والي قرارات المجتمع الدولي ممثلا في الامم المتحدة والمؤسسات التابعة لها..وان نكون دولا تحترم المواثيق والمعاهدات الدولية وان نلفظ مع الانقلابيين مصطلحات مثل الامبريالية والصليبية والاستعمار ونضع بدلها الديموقراطية والمصلحة المشتركة والمواطنة وحقوق الانسان والحرية الاقتصادية.

لم يسفر نضال الانقلابيين بعد عشرات السنين الا بتحويل شعوبهم في سوريا إلى "حشرات" وفي ليبيا الا إلى "جرذان" ولهذا رينا شعارات كتب عليه خلال احدي المظاهرات في سوريا:

"حشرات سوريا تؤيد جرذان ليبيا"

وحيث لم يجد ثوار مدينة حماة السورية من ينقل وجهة نظرهم إلى اخوانهم الثوار في ليبيا فأضطروا لرفع يافطة كتبوا عليها:

"حماة تعترف بالمجلس الوطني الانتقالي في ليبيا"....الله يجبر بخاطرهم في الحرية والديموقراطية.

مفتاح بوعجاج