استحقاق أيلول وحملات التشويش..

بقلم: محمد السهلي

تهديد واقع السلطة الفلسطينية إلى حد انهيارها يعيد الشعب الفلسطيني إلى معادلات التحرر الوطني المغيبة، وهذا ما لا تريده تل أبيب وواشنطن

فيما كان الرئيس عباس يؤكد عزم الجانب الفلسطيني تقديم طلب عضوية الدولة الفلسطينية في منظمة الأمم المتحدة، أبرز عدد من وسائل الإعلام أخبارا أحيلت إلى مصادر فلسطينية مطلعة تتحدث عن احتمال تأجيل هذا الطلب.

وسائل إعلام أخرى تحدثت أن احتمال التأجيل مرده «مبادرة» من أطراف عربية تنصح القيادة الفلسطينية بهذا التأجيل خوفا من نتائج «تحدي» الموقف الأميركي الذي هدد مرارا باتخاذ إجراءات عقابية على المستويين المالي والسياسي في حال واصل الجانب الفلسطيني مسعاه حتى نهايته.

ويترافق هذا كله مع تهديدات إسرائيلية معلنة وسط «توقعات» من أوساط المؤسسة الأمنية والعسكرية في تل أبيب بأن إسرائيل ستجد نفسها مضطرة لخوض مواجهات على الأرض مع الفلسطينيين، الذين تقول بأنهم سينظمون تحركات واسعة على أبواب استحقاق أيلول.

يأتي تداول هذه الأنباء وتعميمها في سياق تحركات فلسطينية وعربية تسعى لاستكمال التحضيرات لاستحقاق أيلول وإنجاح المسعى الفلسطيني بشأن الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية. ومن بين هذه التحركات:

• زيارة الرئيس محمود عباس (أبو مازن) إلى العاصمة اللبنانية، بيروت، ومن ضمن جدول أعمال الزيارة بحث استحقاق أيلول. وتقديم الدعم اللبناني الممكن في هذا الشأن، وخاصة أن لبنان سيترأس جلسة مجلس الأمن في وقت تقديم الطلب الفلسطيني (20/9).

وقد سبقت الزيارة تحليلات سياسية كثيرة ومن أطراف مختلفة تتحدث عن صعوبة بل «واستحالة» نجاح المسعى الفلسطيني في مجلس الأمن بسبب «الفيتو» الأميركي المنتظر. ومن شأن تعميم الحديث الإعلامي عن أوساط فلسطينية «قيادية» تتوقع تأجيل تقديم الطلب إلى الأمم المتحدة أن يلتقي في أهدافه مع تلك التحليلات لتخلق تشويشا على الإجماع الفلسطيني المعلن بشأن الاستحقاق وعلى مسار تأييده عربيا ودوليا.

• يأتي هذا أيضا على أبواب اجتماع مفترض للجنة المتابعة العربية (23/8) من أجل البحث في استحقاق أيلول ودعمه. ويأتي الحديث عن «مبادرة» من أطراف عربية لتأجيل هذا الاستحقاق لرسم صورة الموقف العربي على أنه في بعض أطرافه لا يدعم المسعى الفلسطيني الدعم اللازم لإنجاحه، وأن بيانات لجنة المتابعة العربية المؤيدة لهذا المسعى لا تخرج عن الإطار الإعلامي، وأن الدعم العملي سياسيا وديبلوماسيا لن يكون حاضراً، مما يضعف الموقف الفلسطيني، ويشجع الأطراف أو الأوساط الفلسطينية التي _«تخشى» من عواقب القطع مع الخيار التفاوضي، في حال وجد الجانب الفلسطيني نفسه أمام استحقاقات مرحلة «ما بعد المفاوضات» التي ربما لا يضعها البعض في مقدمة حساباته العملية وما تتطلبه من إرادة سياسية ربما تكون غير متوافرة كما ينبغي.

ما يتم إشاعته على هوامش الموقف الفلسطيني الموحد بشأن مواصلة المسعى نحو الأمم المتحدة، يرسم صورة مفترضة (فلسطينية وعربية) تشكل مع التهديدات الأميركية والإسرائيلية لوحة واحدة تقدم لمشهد مختلف تماما عما يريد الفلسطينيون الوصول إليه.

ومن الملاحظ أن التشويشات على المسعى الفلسطيني بمستوياتها المختلفة تستند إلى منظومة واحدة، مضمونها المبالغة المقصودة في عقابيل المواجهة المتوقعة مع الإدارتين الأميركية والإسرائيلية بعد تطابق خطابي واشنطن وتل أبيب، في خطاب الوعيد الموجه إلى الجانب الفلسطيني. وهذا يفترض أن نعيد التذكير بأن الموقف الفلسطيني المؤكد على مسعى التوجه إلى الأمم المتحدة اتخذ بعد انكشاف الموقف الأميركي من مسألة التسوية السياسية للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. وهو على كل حال موقف مكشوف منذ البداية من قبل الكثير من القوى والفصائل الفلسطينية، لكن وصول الموقف الأميركي إلى ذروة تطابقه مع الرؤية التوسعية الإسرائيلية، وضع المراهنين على دور واشنطن أمام حائط مسدود.

ومن غير تبسيط استحقاقات الإصرار الفلسطيني على مسعى التوجه إلى الأمم المتحدة، إلا أن هناك مبالغات مقصودة تضخم من هذه الاستحقاقات وخاصة فيما يتصل بوضع السلطة الفلسطينية المالي والسياسي، وهذا الأمر يشكل هاجسا إسرائيليا وأميركيا ودوليا، ولا ينحصر صداه على المستوى الفلسطيني في حال نفذت التهديدات بحق الفلسطينيين.

فقد أجمع محللون سياسيون على أن تهديد واقع السلطة الفلسطينية إلى حد انهيارها سيعيد بالضرورة الواقع الفلسطيني إلى معادلة أخرى مختلفة تماما عن الواقع الحالي، وتصبح العلاقة بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل في سياقها الطبيعي بين شعب تحت الاحتلال وبين محتل أرضه، وهذا يعني أن حركة التحرر الوطني الفلسطيني ستضع العالم أيضا أمام واقع مختلف له استحقاقاته الإقليمية والدولية.

كما ينبغي برأينا عدم الاستهانة بمعنى الاعتراف الدولي الواسع بحقوق الشعب الفلسطيني وعدد الدول التي أبدت استعدادها المعلن لتأييد المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة والتصويت إلى جانب الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967. ومن يتابع وسائل الإعلام الصهيونية وما تنقله من تحليلات سياسية حول مغزى التأييد الواسع للمسعى الفلسطيني يدرك أن التحرك الفلسطيني في هذا الاتجاه يضع إسرائيل في موقف صعب تحاول الخروج منه من خلال محاولات الإيحاء بأن حكومتها على استعداد للخوض مجددا في مفاوضات على أساس حدود الـ67 مقابل تراجع الفلسطينيين عن مسعاهم.

والأمر كذلك بالنسبة للموقف الأميركي. فلو لم تدرك الولايات المتحدة أن خريطة واسعة من المواقف الدولية تؤيد المسعى الفلسطيني لما جهدت وما تزال في إقناع الفلسطينيين بالتراجع عن مسعاهم.

• وتدرك مكونات الجامعة العربية بشكل عام، أن الولايات المتحدة وإسرائيل هما من أفشل مسعى لجنة المتابعة العربية من أجل التمديد مرارا للجهود الأميركية بشأن التسوية، وقد استغلت واشنطن وتل أبيب حالة التمديد هذا للمطالبة بالمزيد من التنازلات من المفاوض الفلسطيني، معتبرة أن موقف لجنة المتابعة العربية سيبقى ذخيرة داعمة لضغوطها على الفلسطينيين، لكن اللجنة وجدت نفسها في موقف صعب مع استمرار الضغوط الأميركية لصالح الاحتلال الإسرائيلي حصرا.

كما أن الحراك الشعبي العربي بات يفرض على الكثير من الأنظمة العربية التي طالما شكلت ركيزة للضغوط الأميركية أن تراجع مواقفها تجاه مستقبل التسوية السياسية التي وضعها نتنياهو في إطار الرؤية التوسعية الإسرائيلية وقد شطب القدس واللاجئين وأبقى على الاستيطان، متحدثا عن دولة فلسطينية بحدود مؤقتة لا تحضر إلى الوجود قبل الاعتراف الفلسطيني والعربي بيهودية دولة إسرائيل وحلولها الأمنية حتى داخل «الدولة» المؤقتة التي جرى الحديث عنها.

ومن الطبيعي أن نتوقع أنه كلما اقترب موعد الاستحقاق في 20/9، أن تتزايد حملات التشويش على المسعى الفلسطيني، كما نتوقع زيادة الضغوط والتهديدات الأميركية والإسرائيلية على الحالتين الفلسطينية والعربية من أجل إفراغ الاستحقاق من مضمونه والعمل على تأجيله (إقرأ إلغاءه) تحت عناوين مختلفة إن كان عبر وسائل الترغيب أو أدوات الترهيب.

والاقتراب من استحقاق أيلول يعيد إلى القضية الفلسطينية حضورها الفعلي على المستوى الدولي بما يتصل بإعادة الاعتبار لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية التي يتحمل هو بالدرجة الأولى مسؤولية أمدها الطويل، من غير حل شامل ومتوازن ينصف الشعب الفلسطيني ويعيد له حقوقه المغتصبة.

محمد السهلي