حميد سعيد يرش الملح على جرح الكتابة!

بقلم: زيد الحلي
كيمياء معقدة

الكتاب الذي انتهيت للتو من قراءته الثانية، أعلنُ عن خوفي عليه من الاندراس في حومة الإصدارات الضخمة التي تمتلأ بها المكتبات وأرصفة الكتب. انه كتاب من نوع زهرة عطرة بين أشجار القوغ، هو مثل شابة آية في السحر وسط فتيات عانسات! نعم، انا خائف على كتاب "الكتابة ومآلاتها" للشاعر الكاتب حميد سعيد الصادر في يناير/كانون الثاني من هذا العام، فمن خلال متابعاتي للإصدارات الجديدة وعروض الكتب، لاحظت أن الاهتمام بهذا الكتاب لم يكن على المستوى المطلوب، وأظن ان السبب في ذلك جاء على ضوء عنوانه الجامع الكبير، الذي اعتبره البعض بأنه لا يتناسب مع حجم كتاب بـ 134 صفحة من القطع الصغير، لكن متى كان الحجم بديلاً عن النوع؟

في مدخل الكتاب، يذكر المؤلف بما عُرف عنه من تواضع الكبار وبأسلوبه السهل العميق، بأن الكثير مما ورد في كتابه ليس سوى محاولة للتعايش مع الزمن الثقافي بحدوده المفتوحة، هي محاولة تتماهى مع الكتابة، لا تستسلم لها ولا تتمرد عليها، تتوحد مع قراءة ولا تبحث عن إجابة لا يأتيها الباطل من أي الجهات، وتجتهد من أجل اكتشاف المزيد من الأسئلة، فلا تدعي مركزية اليقين ولا تفرط بما تتوصل اليه من إيمان آخر وآخر، إيمان في ذروة انفتاحه لا يستسلم للشائع الثقافي والمفروض بما هو غير ثقافي، ولا يفرُط بما يشكل لحظة الحقيقة في الراهن.

وأنت تسبر غور هذا الكتاب، تتآلف مع الكاتب الكبير حميد سعيد، وتؤيده في ما وصل اليه من ان طبيعة ثقافة الأسئلة وما ينتج عنها من انفتاح معرفي، تحرر الواقع الثقافي من التشدد والآحادية وتصلب شرايين الوعي، وتستوعب الرأي الآخر، وكلما تعددت الأسئلة، تعددت وجهات النظر، فيكون عند ذاك التنوع الإبداعي. والكتاب رغم ما يشي عنوانه من أنه يتناول الكتابة فلسفة وتاريخاً وتوجهاً، غير إنه ما ان تتلاقح عيون القراء على صفحاته الأول، حتى يكتشفوا أنهم في حديقة ثقافية جاهد مهندسها لتكون مريحة في تناسقها وفوّاحة في عطرها وندية في عنفوانها، ولا غرو في ذلك، فالكاتب عرف عنه، في كل إصداراته الشعرية والثقافية، الصدق في التعبير والتفكير.

وفي هذا الكتاب يأتي على حوادث مرت به، بما يشفّ منها القارئ وفاء عجيبا وشعورا رهيفا. وهي حوادث كانت لنا مثل مسموعات، قبل ان يأتي على ذكرها حميد سعيد بتفاصيل دقيقة، بعضها ينهي أسطورة تلك المسموعات والبعض الآخر يجذرها ويضيف عليها من ذاكرته الثرة الشئ الكثير. ذاكرته التي عُرفت في الوسط الثقافي العراقي والعربي، بالنقاء ونكران الذات وبتحمل المسؤولية وتبعاتها في كل المواقع الذي شغلها.

وأول ما يلفت النظر في الكتاب، هو بُعد الكاتب عن التكرار والإعادة والتطويل وهذا ما أوصله الى غايته مباشرة، ونلاحظ ان الكتاب تعرض الى قضية كبيرة بكلمات وجيزة، لكنه أوفى بالغرض وهذه إحدى سمات الكاتب الذي يحترم القارئ ويثق به ويطمئن الى ذكائه.

وكما قلت في مقدمة سطوري، بأنني قرأت الكتاب أكثر من مرة، فإن الأمانة تحتم عليّ القول أيضاً، بأنني كنت ألمس في كل قراءة متعة روحية جديدة، وأفكاراً منبجسة من ينبوع إنساني ثر وأسلوب ذي شفافية خاصة تشم من خلالها رائحة الصدق والعفوية ويتبين مدى وشيجة العلاقة بين الكاتب والكتابة، وهي علاقة توحد مميزة. وتخرج بانطباع، وأنت تنتهي من قراءة الكتاب، بأن الكتابة صدى الحياة، وموسيقى نشاطها الحيوي وتلوين حركتها بألوان الزمان والمكان. ففي سؤال وجهه الكاتب الى ذاته: لماذا الكتابة؟ أجاب بأنه ليس المقصود مطلق الكتابة، وأنّما الكتابة الثقافية، بعناوينها الفكرية وأجناسها الأدبية، وحين نتساءل: لماذا الكتابة؟ فإن تساؤلاً كهذا يتّسع هو الآخر لموسوعة لها بداية وليس لها نهاية، ومن المؤكد أن كل إشراقة شمس، تزداد صفحات هذه الموسوعة الإفتراضية وتزداد سطورها والكلمات.

وفعلاً يضع حميد سعيد، أصبعه على هذه الجزئية بأدراك الكاتب المجرب والممارس لحيثيات الكتابة في كل صنوفها، حيث يؤكد أن الكتّاب في جميع العصور وفي جميع الثقافات، يجدون أنفسهم في لحظة بوح، فيتحدثون عن الدافع الذي يقف وراء اندفاعهم الى ممارسة الكتابة الإبداعية، سواء بالإجابة على سؤال او بصيغة اعتراف، وفي الحالتين تظل الإجابة قاصرة عن إدراك جوهر دوافع الإبداع لدى الفرد المبدع، لأن دوافع الإبداع "كيمياء معقدة"، وإن إدراكها ليس أمراً يسيراً ومتاحاً، ويعود الكاتب موضحاً فكرته في هذا الصدد ليقول: "إن الموسوعة الإفتراضية التي تضم إجابات الكتّاب على سؤال: لماذا الكتابة؟ تتعدد وتتفرع الى الحد الذي لا نجد في الكثير من الأحيان ما يجمع بين الإجابات، وفي الوقت ذاته، يجد من يقلب ــ الموسوعة الافتراضية ــ الكثير من التكرار والتشابه، غير ان العامل الذاتي لا يغيب عن حال الابداع".

لكن الكاتب يعرج في موضوعته الى مسألة حساسة وعلى درجة كبيرة من المسؤولية حين يؤكد ان القضية في الكتابة الإبداعية لا تقتصر على ان نكتب، بل المهم والأكثر أهمية، ماذا نكتب؟ فالكتابة التي لا ترتفع إلى ذرى المحيط الإبداعي تدمير للذات، وإن أخطر (التدميريين) أولئك الذين يحسّون بأن مواهبهم لا تسعف أحلامهم الذاتية في الإبداع بنتائجه الثقافية والذاتية.

القراءة الأحادية

وتناول الكاتب في كتابه الجزل، قضية عايشها الجميع دون ان يدخلوا في معمعة مناقشتها، وهي "القراءات الأحادية" فهو يقول: إن التنوع في الواقع والإبداع معاً، هو أول بشائر التغيير، ولطالما شهد الواقع، تناقضاً حاداً بين استجابات الناس لهذا التنوع، فعلى صعيد الكتابة مثلاً، حيث يكون التنّوع، ينبغي أن تكون قراءة نصوص التنوع، مهما كان نوع القراءة، قانونيا أو تاريخياً أو فنياً، قراءة تذهب باتجاه البحث والكشف والتحرّي، لتقديم وصف على مستوى الموصوف، لكن لطالما تجمّدت القراءة عند معطيات نصوص الماضي، أي عند ما ألفه المتلقي، وما وجد عليه الآباء، والانصراف الى البحث عن المختلف، ليس لتبنيه او لتبين خصائصه ومعرفة العوامل الموضوعية التي كانت وراء الاختلاف، وإنّما لمحاصرته كما يحاصر الوباء وهجائه والتحذير منه، ومثل هذه القراءة تنتسبب الى انغلاق رد الفعل، وتنتسب الى ما قبل القراءة، والى ما قبل إنتاج النص المختلف، إنها تكرار موقف التشبث بالمألوف، وإن ما ينتج عنها من حكام لا تتجاوز التبرير، وفي أحسن حالاتها تكون تنظيماً لردود الأفعال بأقلام تتوفر على خبرات الكتابة. خبرات الاحتراف لا خبرات الابداع، لكنها تحتمي دائماً بالأخلاقي وبادعاء تمثيله! ثم، في موقع آخر من الكتاب يشير الى ما أسماه "القراءات المعطوبة" فيمر على تجربة شاعرين هما: أبونؤاس وأحمد شوقي، حيث يقول بعد مقدمة اعتذار لهما: "لقد أكتشفتُ ان عوامل غير الشعر حالت بيني وبين تمثل تجربتي أبي نؤاس وشوقي الشعريتين، ومن هذه العوامل، المعيار الأخلاقي الإجتماعي وليس الفلسفي، والثقافة الشعبية الشائعة وراء عزوفي عن شعر ابي نؤاس والمقارنات السطحية مع شعراء كانوا يملأون علينا المحيط الإجتماعي، فننحاز إليهم ونتعصب لهم، كانت سبباً في أن أتأخر في إدراك تجربة شوقي وتميّزها".

وأضاف الكاتب الى أنماط القراءة المعطوبة، نمطا وقعنا فيه جميعا، وهو "القراءة السياسية ــ المسيسة" وتلك على وصف الكاتب "آفة من أخطر آفات القراءة المعطوبة، وتحاذيها قراءات التعصب المحلّي وإن بعض هذه القراءات المسّيسة تفصح عن تعصب لا يبتعد كثيراً عن الجهل، ويقود إليه.

الكتابة هي الحياة..

وفي سياحة ثقافية آخاذة، يأخذنا حميد سعيد الى شاطئ من الألق الثقافي حين يقدم لقراء كتابه إجابات لعدد من المثقفين من خلال رسائلهم اليه او أحاديثه معهم عن معنى الثقافة في حياتهم وصيرورتهم، منها قول جبرا ابراهيم جبرا "في لحظة الكتابة، أغدو مركز الحياة وما حولي ليس سوى ظلال". فيما قال الشاعر السوري علي الجندي "عند الكتابة أغني لنفسي، عسى أن أحررها من الوحشة والتلف".

وهناك من تصبح الكتابة عنده بديلاً للحياة كما قال نصاً غالب هلسا، وهكذا هي عند نجيب محفوظ، حيث يُجمع كل الذين عرفوه عن كثب بأن الكتابه حياته، وقال خيري شلبي "لا أشعر بالفرق بين ما أكتبه وما أعيشه". ومن الكتاب من يذهب به الظن الى أن الكتابة تجدد الحياة، وذلك ما ذهب اليه الروائي ماريو فارغاس يوسا.

وأنا مع كل ما أشار اليه الكاتب والشاعر حميد سعيد، لكني أسمح لنفسي القول بأن الجهد المبذول في فن الكتابة يعني متعة الحركة بين المنابع والمصاب، أليس ممتعاً أن يصاحب الكاتب فكرة عليا وهي تحوم في فضاء نفسه لتحط في محطة تعبيرية أيا كانت هذه المحطة؟ ان بين الكتابة والكاتب علاقة توحد، وآصرة عجيبة، فالسطور تعني لكاتبها المبدع إنتشاء للحواس وتصبح روحه طاهرة ونفسه نقية من أدرانها، والذين يغطسون في بئر المعرفة، قد ينجحون او يفشلون، ولكنهم دائماً يقدمون أعظم ما يملكه الانسان: الفكر والعاطفة.

ويصل الكاتب الى محصلة ما يريد قوله، بتأكيده على ان موضوعة الكتابة ومآلاتها هي بمثابة مساحة للحوار مع الذين قرأنا لهم، ومع الذين يقرأون لنا، مع النص ومصادره ومع الكاتب وتوصيلاته وطموح للحوار مع الآخر: فليست القراءة سوى حوار مخيلتين.

الشاعر حميد سعيد
ويكشف حميد سعيد لقرائه حقيقة، يعرف بها القلة، وحتى هذه القلة، لم تبح بها وهي أشارته الى ندوة نقدية حضرها قبل سنوات، أستمع فيها الى بحث عن الشعراء المعاصرين وقواميسهم، تم التركيز فيها على عدد المفردات التي أستعملها الشاعر في ما كتب من شعر، وقد "فوجئت حين جاء في البحث إن شاعراً من بين أكثر الشعراء المعاصرين شهرة وحضوراً، لم يتجاوز قاموسه اللغوي أكثر من خمسمائة مفردة، علماً بان الرقم ينصرف الى الكلمة، من دون تصريفها واشتقاقها. بل ان شاعراً عربياً آخر ملأ الدنيا عشقاً وآهات غرام، بلغ قاموسه اللغوي نصف ما بلغه الشاعر الذي أشرنا اليه سابقاً.

وماذا تعني هذه الحقيقة التي كشفها حميد سعيد في كتابه الذي نحن بصدده؟ يقول المؤلف انها نبهته الى واقع حال يظهر في الكثير من الكتابات الأدبية المعاصرة، شعرية ام سردية، حيث يشيع الفقر اللغوي فيها ويختزل المعجم العربي، على صعيد اللغة، دون ما هو شائع ومستعمل في الحباة اليومية. وهذه الاشارة ليس القصد منها حالة شكلية او رقمية وإنّما تأثير هذا الفقر اللغوي على مضامين الكتابة وجمالياتها ولاأظن إن بالإمكان تقديم مضامين ثرية بلغة فقيرة او كما قال ماكس مولير: "التفكير لا يكون بدون اللغة".

ويوضح الكاتب "ليس من مبدع كبير بلغة فقيرة، ولا أقصد في هذا الربط بين الإبداع واللغة مجرد الإستعراض اللغوي، وأنّما أيضاً دور اللغة في الإستجابة لمحمولها من الأفكار والمعاني، وأقصد أيضاً المبدع وأسلوبه، لأن النص المتميز يوفر للمتلقي متعتين، متعة جمال الأسلوب وثراء القاموس، ومتعة الفكر في ما تعبر عنه اللغة في الكتابة".

السيرة الذاتية

ويذهب الكاتب الى موضوعة أخرى هي السيرة التاريخية في التراث العربي، فيشير الى ان ارتباط مصطلح السيرة الذاتية في تاريخ الكتابة العربية بسيرة الرسول العربي، وحين نقول السيرة، فإن المعنى ينصرف الى سيرة "ابن اسحاق" أو إلى سيرة "ابن هشام" التي هي صدى للأولى ونقل عنها، لكن الثانية صارت أكثر شهرة وتداولاً حتى ليمكننا القول إنه عتّمت على الاولى، ومن ثمً ظهرت سيّر اخرى، كتبها مؤرخون، فعرفوا بها وعُرفت بهم، منها سيرة معاوية بني سفيان لعوانة الكلبي، وسيرة أحمد بن طولون لإبن الداية، وسيرة صلاح الدين لإبن شداد، غير أن هذه السير وسواها وقد كتبها مؤرخون لا تدخل في محيط السيرة الذاتية، لأن السيرة الذاتية هي التي يروي فيها شخص حقيقي صفحات من حياته.

ويمر الكاتب بأسلوبه الجميل، على مجلدات "الفتوحات المكية" لإبن عربي ومؤلفات الشريف الإدريسي الجغرافية وكتب الرحالة القدامى، مثل ابن جبير وابن بطوطة وابن فضلان وغيرهم، حيث يؤشر ملامح التداخل بينها وبين السير الذاتية.

وفي صفحات أخرى من الكتاب، يناقش حميد سعيد الدراما في القراءة، مؤكدا بأنه ليس من باحث في المسرح إلاّ وذهب إلى أن النص المسرحي المكتوب هو عمل ناقص، لا يكتمل إلاّ على المسرح، حيث يدخل ورشة العرض المسرحي. والعرض المسرحي صناعة تبدأ من قراءة النص المكتوبة، وتتوسع وتتفرع في مفردات عديدة تهدف الى تجاوز النقص في النص المكتوب ومن ثم بعث الحياة فيه.

وإذا كانت الكتابة المسرحية قد استمرت لزمن طويل متشبثة بثوابتها، وإن متغيرات النص المسرحي ظلت محدودة وبطيئة، إلاّ الكاتب يعترف بأنه يحس بمتعة في قراءة النصوص المسرحية، لا تعادلها المتعة التي يحس بها في قراءة أجناس كتابية اخرى، ذلك ان قراءة النص المسرحي تشترك فيه جميع الحواس، وتحول القراءة إلى فعل ينقل النص من ثبات الكلمة الى حركة التشخيص، أبطالاّ وأحداثاّ وأمكنة.

وتحت عنوان مثير، جديد في مفردته وعميق في دلالاته هو "عذرية الإبداع" يتحدث الكاتب حميد سعيد عن بعض عاداته في القراءة، نستشف منه أنه يستعين على قراءة كتاب ثقيل العيار، وفي آن واحد بقراءات تتطلب جهداً أقل، ثم يصل الى الهدف الذي جاء في عنوانه "عذرية الابداع" من خلال إشارته الى أنه كان يقرأ كتاب "جمرة النص الشعري" لعز الدين المناصرة وهو موسوعة نقدية جادة تتحرك على ثلاث مساحات متداخلة: تاريخية وفكرية وجغرافية، حيث تجمع بين أزمنة العمل النقدي وتنوع مدارسه واجتهاداته وتعدد مصادره الثقافية واللغوية.

وفي ذروة أحساسه بمتعة العمل الفكري في جمرة النص ولذته، كان حميد سعيد بحاجة الى قراءات أخرى تخفف عنه آثار الجهد المطلوب لمواصلة قراءته لكتاب عز الدين المناصرة. ولندع الكاتب يروي ما واجهه وأراد الاشارة اليه: ".. ولأنني لست في وضع يمكنني من اختيار ما أقرأ ، فليس لي إلاّ الرضا بما يتوفّر لي، وكان بين يدي مجموعة قصصية للكاتبة التونسية رشيدة الشارني بعنوان (صهيل الاسئلة) ولم أكن قد قرأت لها من قبل، لذا كانت قراءة مجموعتها هذه قد وضعتني في ما يشبه المفاجأة، إذ اكتشفت فيها عملاً ناضجاً وإن الشارني، تبشر بإضافة مهمة الى القصة القصيرة في أدبنا العربي وفّرت لي قراءتها متعة من نوع آخر هي متعة الإبداع. وإن ما عشته مع الكتابين المذكورين، رغم الفرق بينهما قادني إلى تأملات في العلاقة الملتبسة بين النقد والإبداع، حيث يمدٌ جمال الفكر قامته محاولاً ان يطاول جمال الإبداع وان يدٌعي قرابة معه وهذا ادعاء ما زال يثار حوله الكثير من الشكوك".

الحصيري .. بائع الشعر!

وماذا عن الكتابة السوداء التي خصص لها الشاعر حميد سعيد فصلاً؟ إنها "الكتابة للغير" إذ يتنازل الكاتب، عما كتبه لشخص آخر، فيدّعي هذا الشخص ما كتبه غيره لنفسه وربما نشره في صحيفة او كتاب، وهي معروفة في اوروبا ويطلق على من يمارسها "الكتاب العبيد". وقد توصف بالكتابة السوداء.

جاء في كتاب "وجوه مرّت" للروائي عبدالرحمن مجيد الربيعي في معرض كتابته عن "حامد جمعة" ما يشير الى الكتابة السوداء، وهو اسم استعاره الربيعي لشخص بغدادي من هوامش المجتمع الأدبي، كتب له الشاعر العراقي عبدالأمير الحصيري، وهو ممن كتبوا للغير، وهذا ما أطلعتُ عليه أيام كنت أتردد على مقهى "عارف أغا" الواقعة في نهاية شارع الرشيد من جهة منطقة الميدان من رصافة بغداد، وكنت أرى أحد المحامين ممن يكتب لهم الحصيري أبياتاً من الشعر فينشرها في إحدى الصحف اليومية، وهذا المحامي هو الذي شاعت حادثة اختلافه مع الحصيري، حيث كان الاتفاق بينهما على خمسة أبيات لا غير مقابل ثلاثة أرباع الدينار، ويوم كتب الحصيري تسعة أبيات، طالب بزيادة المبلغ، ورفض المحامي، وهنا جاءت قولة الحصيري الشهيرة: وماذا أفعل بالأبيات الأربعة؟

ويسلط الكاتب الضوء على حالة شبيهة حين حضر فصالاً بين الحصيري وعبدالعزيز القديفي (واحد من كتبييّ شارع المتنبي) بشأن كرّاس ديني كتبه الأول للثاني، وكان الخلاف بينهما حول تقاسم أرباح الكرّاس!

وينقلنا الكاتب الى التراث العربي، حيث يشير الى ان ذاكرته لم يعلق بها ما يؤكد شيوع الكتابة للغير إلاّ ما مر به من أخبار قيام "ابو حيان التوحيدي" بالكتابة للغير مقابل أعطيات يعيش عليها، هذا العبقري سيئ الحظ.

وتستمر محطات الكتاب ذي السبع محاور في التصدي لموضوعة "الكتابة ومآلاتها" فهناك موضوع جدلي بعنوان "تحت خيمة الكتابة" وآخر "القراءة.. أو ما بعد الكتابة" وثالث "الكتابة الإبداعية والمكان" وصنوه "الثقافات وتبادل التأثير"، خامس "عن السيرة الذاتية"، وسادس "الدراما في القراءة"، وأخيراً "قول في الإبداع" وكان بودي الاستمرار في اصطحاب القراء معي في هذا الكتاب الشيق والجديد في فكرته، لكن مساحة النشر لا تتسع.

إن كتاب حميد سعيد، حافل بالتحليل العميق والوصف الدقيق، وقد فاضت صفحاته بالحياة الصاخبة ونضحت بالصراحة الدافئة، وفيه وفاء عجيب للكلمة وشعور رهيف تجاهها. وقد بين لنا هذا الكتاب الذي أدعو كل مثقف الى قراءته، بان الكتابة هي بحيرة موسيقى، والقارئ المتابع يدرك بسرعة ان الكاتب ابتدع عناقاً حميميا بين الكلمة ومآلاتها، باحتراف كبير.

إنه كتاب يمنح قارئه متسعاً من الآفق للتامل حيث أضاف الكاتب حميد سعيد رؤى جديرة بالنقاش، أليست الكتابة هي حقيقة الكاتب؟

وبسطور قليلة أقول: إنه كتاب يستحق القراءة، وإن كان يضع الملح على ... الجرح!