لعنة حسين مردان

بقلم: زيد الحلي
السنين إن حكت

اثنان من الأدباء العراقيين، تنافسا على "مشيخة الصعلكة" في العراق، واستمرت المنافسة بينهما على ذلك الموقع سنوات طوال، رغم ان أحدهما، راهن على أقدميته في "الصعلكة" التي تجاوزت الثلاثين عاماً، غير أن الآخر لم يعترف بذلك، فالصعلكة عنده فعل مستمر لا يؤمن بالتوقف مثلما لايؤمن بالمحطات، و"الصعلوك" حتى يحصل على أستاذيته عليه ان يقاوم مغريات الحياة ويظل متمسكاً بالصعلكة طريقاً وحيداً، أوحداً!

الأول هو الشاعر حسين مردان الذي ودع الحياة فجر الأربعاء 4 أكتوبر/تشرين الاول 1972، والثاني الشاعر عبدالأمير الحصيري الذي تبعه الى دنيا الخلود بعد ست سنوات.

الأول مات نتيجة احتشاء العضلة القلبية مع ارتجاف البطين، ومكان وفاته مدينة الطب ببغداد، والثاني بعجز القلب، ومكان وفاته فندق الكوثر الشعبي في كرخ بغداد، كما جاء بشهادتي قيد الوفاة.

صورة قيد وفاة الأول صادرة من مديرية الاحصاء بوزارة الصحة تحت الرقم (4/ 1/ 10873) والثاني تحت الرقم (5736) واشترك الإثنان بعدم تحصيلهما الدراسي المناسب، فأثبتا ان الهام الشعر، لا يستأذن أحداً، والدراسة هي صقل لموهبة وليس جواز مرور لأبداع. رحم الله عمودي الصعلكة في الثقافة العراقية.

والصعلوكان، لم يعتمدا على "صعلكتهما" الحياتية وسلوكهما اليومي واشتراكهما في اتباع غير المألوف في شهرتهما، بل كان شموخهما وتفردهما في الإبداع مثار دهشة وانبهار الجميع، فاستحقا احترام الأوساط الثقافية محلياً وعربياً وتُرجمت بعض أشعارهما إلى لغات أجنبية.

وكنتُ كتبت قبل نحو عام موضوعاً عن الشاعر الحصيري في صحيفة "الزمان" نشرته في طبعتيها الدولية والعراقية تحت عنوان "الشاعر اللغز" في الخميس 8 يوليو/تموز 2010، بالعدد (3640) لكني تأخرت في الكتابة عن الصديق الشاعر حسين مردان لظروف العمل اليومي في الصحافة التي تستهلك الحديد، فكيف بالبشر!

ولعل السبب الأكثر تأثيراً بعدم الكتابة هي "لعنات" تصورتها تأتيني حين أنشر شيئاً عن حسين مردان، ومرد ذلك الشعور جاء إثر نشري تساؤلاً باسمي في عمود صحفي ليس ذي بال في صفحة "أدب، ثفافة" في صحيفة العرب في عام 1966، وكان يشرف عليها الزميل هادي نعمان الهيتي (الدكتوراه فيما بعد وعميد كلية الاعلام بجامعة بغداد لفترة طويلة). ومنطوق ذلك التساؤل تعلق بأسباب غياب حسين مردان عن المشهد الثقافي العراقي في سنوات بدايات الستينيات حتى كاد أن يُنسى، وما أن ظهر العمود حتى قامت الدنيا ولم تقعد، وكأنني خضتُ في الممنوع ولا أعرف سبباً لذلك الهياج الذي اعترى رئاسة التحرير .. حتى اللحظة! وقد أسدل الستار عن الأمر لكن بعد مدة، وكنت حين ذاك لم أر حسين مردان بعد. وغاب الموضوع برمته عن ذاكرتي، لكن حسين مردان لم ينسه .. كيف؟

في يوم الخميس 2/3/ 1972 كنتُ عند الأستاذ محمد سعيد الصحاف مدير عام دائرة الإذاعة والتلفزيون لإطلاعه على النشرة الاخبارية المسائية لإذاعة "صوت الجماهير" التي كنتُ أعدها وأشرفُ عليها، وإذا بحسين مردان يدخل وكان يشغل موقعا "تشريفياً" أطلق عليه في حينه صفة "معاون مدير عام الإذاعة والتلفزيون لشؤون الثقافة"، وما أن رآني حتى كلّم الصحاف عن ذلك العمود الصحفي "الصغير في مساحته والكبير في توقيته" على حد وصف مردان. كما حدثهُ عن اصطحابي له في إحدى الأمسيات إلى صيدلية لجلب دواء له، ولا أظن أن الأستاذ الصحاف، المعروف بذاكرته المتجددة نسيَ حديث حسين مردان، الذي أعقبه قهقهة عالية. وسأذكر حكاية "الصيدلية" في موضع آخر من هذا الاستذكار! حين لا ينفع الندم..!

وفي المرة الثانية، أصبتُ ايضاً بلعنة مردان، وتفاصيلها إنني كنتُ في ضيافة سكرتير تحرير صحيفة الجمهورية، في بداية أكتوبر/تشرين الأول من عام 1984 ومثل كل زميلين يعملان في "المطبخ الصحفي" يتم استغلال مثل تلك الزيارات في التخفيف من عبء القراءة والبت في صلاحية النشر عن الزميل المضيّف، وفي ضوء ذلك التقليد المهني دفع لي زميلي صفحات متواضعة لموضوع لا زلت أتذكر عنوانه وهو "صورة لحسين مردان رسمها بنفسه" حملت اسم كاتبها "عبدالرضا علي" لمناسبة ذكرى وفاة الشاعر، ودون تمحيص وتأنٍ في القراءة، طلبتُ من الزميل إرسالها إلى النشر، حيث كان من المتعارف عليه عدم خضوع موضوعات المناسبات إلى الصرامة المعتادة في آلية النشر لاسيما في هكذا مناسبات. ويبدو أن الموضوع نُشر يوم 5/ 10/ 1984 في ذكرى وفاة حسين مردان. ولم أطلع على الموضوع، لكن ما حدث كان غريباً بعض الشيء، إذ اتصل بي موظف استعلامات صحيفة "الثورة" حيث أعمل قائلاً إن الشاعر صفاء الحيدري يريد مقابلتي، وكان له ما أراد، فانا أعرف الحيدري، صديقاً ودوداً، دمث الخلق، وكثيرا ما فتح بيته في منطقة "القصر الابيض" ببغداد لأصدقائه وأنا واحد منهم، حيث الكرم الارستقراطي.

كان الصديق الحيدري في زيارته تلك بوضع هستيري لا يُحسد عليه، فحاولت تهدئته، خصوصاً أنني لم أعرف سبب فورانه وعصبيته، لكني لم أفلح، حيث قام بفرش صحيفة "الجمهورية"، وأشر بأصبعه على موضوع عن حسين مردان، قائلاً إن ما ورد في الموضوع محض افتراء وأنه منقول دون أمانة من نتف منشورة في مجلة

"ألف باء"، وأنه كان في الصحيفة وأخبروه بأن فلانا (يقصدني) هو من فحص النص وهو من زكَّى نشره، وأسقط في يدي، فربتُ على كتف الحيدري وقبلتُ وجنتيه وأستسمحته، فهدأ قليلاً قبل أن يوضح أنه لم يعمل بمعية محام كما أشارت المقالة، وأنه سليل عائلة ميسورة الحال وأنه يرتبط بصداقة قوية مع حسين مردان وهو من ساعده على دفع تكاليف طبع ديوانه الأول مع زميل آخر هو يوسف الياس. وزاد في الحديث، متسائلاً ومكرراً ما قاله في عصبيته المحببة: هل يُعقل أن رجلاً كان عمه وزيراً للعدلية (داود الحيدري) وخاله وزيراً للخارجية (نصرت) في العهد الملكي، وهي الفترة التي يتحدث فيها السيد عبدالرضا، وابن عائلة تمتلك عشرات البساتين والعرصات، هو متوليها ويمتلك داراً بمساحة شاسعة في قلب بغداد، يعمل لدى محام (ماذا أعمل.. رزاماً؟ أقدم شاياً؟ أمسح أرضية المكتب؟). وهل أن رجلاً مثلي (يقول صفاء الحيدري) يرتدي بدلات مستوردة من لندن لا يستطيع أن يجد مأوى لإنسان عزيز عليه مثل حسين مردان.

وهنا، ليسمح القارئ، أن أشير إلى "مجتزءات" من مقالة صحفية منشورة، قد تبدو مقحمة على الموضوع، لكني وجدتها مهمة حيث تعطي انطباعاً للقارئ عن الصديق الغاضب، وأنا لن أضيف إلى وصف كاتب تلك المقالة صديقي الكاتب رباح آل جعفر شيئاً، وهو يتحدث في صورته القلمية الرائعة عن صديقنا المشترك الحيدري، وهي صورة تجسد الحالة الدائمة للشاعر الحيدري. يقول الصديق رباح في وصف الحيدري: "كان أرقّ من نسمة صبح باردة في فجر صيف قائظ. وفي الوقت نفسه، كان كثير الهواجس، كثير القلق، يتملكه أحياناً خوف همجي يفقد معه القدرة على الكلام، ونحن نراه يرتعش من قمّة رأسه إلى أخمص قدميه". و"صفاء يحب أن يعرّفك دائما بنفسه، فيقول لك: أنه (صانع) حسين مردان، وأكثر من ذلك، كان يقرضه المال وهو يعلم أنه لن يعيد إليه شيئا مما يستدين، وأنه (معلم) أخيه بلند الحيدري، الذي يكبره صفاء بخمس سنوات، ويزيد تعريفا بنفسه: إنه أول شاعر ملاحم في العراق، ومن روّاد الشعر الحديث، وإنه بدأ نشر قصائده في مطلع الأربعينيات، وله ثمانية مؤلفات شعرية منشورة، وأنه كثيرا ما كان يفتخر بأنه (صنع) شاعرين كبيرين، الأول بلند الحيدري، وهو أخوه الشقيق، والثاني حسين مردان، ثم يتكلف قليلا، فيزيد أن بدر شاكر السياب سرق منه قصيدة "زقاق"، وقلده في صورها وأجوائها، وكتب من بعدها "المومس العمياء"!

هذا هو الحيدري الذي جاءني غاضباً وألقى محاضرته (العتابية) وأنهاها بسؤال منطقي: أما كان حري بي دعوة صديقي حسين مردان للمنام عندي وانا (العزّابي) بدل ان أستجدي المحامي المزعوم ..؟

ثم قال مودعاً: "ثق أن المعلومات في ذلك المقال مستقاة دون تمحيص من أحاديث وهمية كانت يتباهى بذكرها حسين مردان تعزيزاً لموقفه من الصعلكة".

وعند باب مكتبي ردد الحيدري القول: "كان مردان كريماً، أبي النفس عالي الجناب.."

وأكيد أن القارئ، يرغب الآن بمعرفة السطور التي أغضبت الحيدري. لقد قال السيد عبدالرضا ما نصه في موضوعه المنشور في صحيفة الجمهورية يوم 5/10/1984: "إن مشكلة النوم هي أساس التشرد في حياة مردان، فبالرغم من تعوده على التشرد وبواسطة صديقه الشاعر صفاء الحيدري استطاع أن ينتقل من الحدائق العامة إلى شقة محام كان يعمل عنده صفاء. فكان هذا المحامي يؤوي حسين مردان في الليل فيتركه ينام في شقته." انتهت الفقرة. وبعد هذه السنين أشعر بالندم على تسرعي في إجازة مقال السيد عبدالرضا علي الذي كاد ينهي صداقتي الطويلة مع الشامخ صفاء الحيدري!

مردان ودواء الوهم

إنها لعنات حسين مردان التي طاردتني وجعلتني أتأخر في سرد شهادتي حتى الآن .. لكني طالما تحدثتُ، فعليّ إكمال الحديث، وما سأرويه أضعه برسم الباحثين في حياة الأديب مردان، للدلالة على بساطة حسين مردان التي لا تستقيم مع سلاطة لسانه، فقد جاء مرة عند مغيب الشمس إلى مبنى صحيفة "الحرية" في أحد أيام يناير/كانون الثاني من عام 1968 على ما أظن، وكنت أحد محرريها، وكان الجو شديد البرودة، وكان لتوه معيناً في مجلة "ألف باء" وبقي في باحة الصحيفة، قرب كشك التنضيد ومكائن الطبع، لدقائق قبل أن ينادي بصوت عال على زميلي لطفي الخياط حيث كانت غرف التحرير في الطابق الثاني. وكرر النداء مرارا، غير أن الخياط لم ينته وكان منشغلاً في التحرير، وعندما انتبه الى الصوت طلب اليّ النزول معه الى حيث حسين مردان ، وجدنا الشاعر جالساً على الطبقة الأولى من سلم الصحيفة المشيد من الآجر المتهالك. أستغربتُ من عدم معرفته بوصولنا اليه، حيث سد فتحة السلم بالكامل، ولاحظتُ أنينه وونينه. كان متألماً من ساقيه، وكان سبب زيارته هي التوسط لدى صيدلي مقرب جداً من الزميل الخياط وهو صاحب صيدلية "رمزي" الشهيرة في وقتها والواقعة في "عكد الجام" وسط شارع الرشيد للحصول على دواء كان مفقوداً يخص مرض (النقرس) فوعده الخياط خيراً، لكن حسين مردان لم يأبه لوعد الخياط، وأصرّ أن نذهب معه في الحال الى الصيدلية. كان في أشد حالات الألم، فقررنا الذهاب معه الى الصيدلية وهي على مقربة من الصحيفة، فمسكناه بيديه حتى قام، ثم أخذنا نسير بهدوء باتجاه ساحة الرصافي وسوق الصفارين، فبناية البنك المركزي العراقي حتى وصلنا الصيدلية. وقدم الصيدلي الرائع طارق (وهذ اسمه)، كرسيه، ليجلس عليه حسين مردان فيما دلف مع الزميل لطفي الى الركن الخلفي للصيدلية وجاء بقنينة وسلمها الى الشاعر المريض، فشكر حسين مردان الجميع بعد أن عب في فمه ملعقة من الدواء واستأذن للذهاب. وسار على مهل حتى ابتلعه جوف ظلام شارع الرشيد. وعدنا الى الصحيفة، وبعد حوالي ساعة من الزمن، اتصل حسين مردان معلناً فرحه بهذا الدواء، شاكراً الزميل الخياط على موقفه الإنساني مؤكداً أن الصيدلي طارق يستحق قصيدة بحقه لأنه خفف ألماً لا يطاق. وكانت مفاجاة كبيرة لي حين أوضح الزميل الخياط ان الدواء الذي كان يبحث عنه حسين مردان غير متوفر، فأعطاه الصيدلي دواء مدررا ممزوجاً بالمهدئات. ومعروف ان النقرس او "داء الفيل"، نوع من أنواع التهابات المفاصل، ويحدث بسبب ترسيب "أملاح اليورات" في أنسجة المفاصل وما يحيط بها من غضاريف وعظام وعضلات. وهذا الترسيب يتسبب فى حدوث التفاعل الذي نسميه نحن "التهاب"، وهو يسبب ألماً لا سيما لشخص بمواصفات حسين مردان البدنية ونمط غذائه المعروف والمتسم بالغرابة، وقد شهدتُ تلك الغرابة عندما أقام مرة جلسة سمر في بيته (كان بيتاً لم يكتمل بناؤه غير انني لاحظته فرحاً به جدا، أليس هو أول بيت يمتلكه؟) وفي نهاية تلك الجلسة التي غنى فيها عمران رشيد زميلنا المحرر في صحيفة "الثورة" بصوته الجنوبي الشجي المعروف أغنيات من الشجن العراقي، قام بجلب الطعام وكان بحق كريماً في دعوته تلك، لكن الغرابة في الموضوع، طلبه الينا المباشرة بتناول الطعام، لأنه سيأتي بعد قليل بطعامه الخاص. وقد توقعت أنه سيكون طعاما صحياً، يناسب مرضه، لكن هل تعرفون ماذا كان ذلك الطعام؟ كان مرق البامية مسكوباً على الرز أي ما نطلق عليه "مرق على تمن" وقد أكل بنهم وسط استغرابنا، إذ ان ذلك الطعام لا يتلاءم مع ما حوته مائدة السهرة من مشروبات متنوعة ومزات معروفة!

وعندما، أعدتُ على مسامعه حكاية الصيدلية، ضحك وعبْ قدحاً كاملاً من الخمر في جوفه، ثم أنشد مقاطع من قصيدته الشهيرة "براكين" التي ضمها ديوانه "قصائد عارية":

أنا من جف كأسه في يديه ** وهو مازال ظامئاً للخمور

ياليالي لم أكن غير خط ** أسود اللون في جبين الدهور

ناقد جارح .. يكره ناقديه!

هناك جوانب عدة ومهمة في مسيرة مردان ظلت بعيدة عن تناول المهتمين في متابعة عطاءات هذا الشاعر الذي أعطى نكهة للثقافة العراقية ونموها وصقل أطرها منذ نهايات الأربعينيات وحتى وفاته في عام 1973. هذه النكهة التي يتواصل ترديد صداها حتى اليوم، جمعت في ثناياها الجد بالهزل والكآبة والتمرد والتهتك والصوفية والوجودية والتحدي والخوض في المحظور من قشور المجتمع، وتلك الجوانب التي أعنيها هي ولوج حسين مردان عوالم النقد وكتابة القصة والمقالة الأدبية الى جانب الشعر.

وقد أشار الناقد المهم عبدالجبار عباس في كتاب له صدر بعد وفاة مردان بسبع سنوات عن دار الرشيد للنشر ببغداد عنوانه "في النقد القصصي" إلى اهتمامات الشاعر حسين مردان بالقصة القصيرة ومزاولتها، فذكر مجموعة من عناوين قصص نشر معظمها في صحيفتي "الأهالي" و"الأخبار"، والثانية هي الصحيفة التي عمل فيها مردان مصححاً ومحرراً فترة طويلة، مثل: دوران المراوح، جديدة الشط، نهر الوروار، حكاية من نقطة الصفر، الشقي والنساء، عودة البغي" وغيرها، وأكد الناقد عبدالجبار "أن أسلوب حسين مردان القصصي، هو محاولة جادة لفهم الواقع ضمن سنوات الخمسينيات، بلغ فيها الجهد الواضح في وضع خيط أو عقدة كأساس لكتابة القصة وبالتالي استخدام الأسلوب السلس الممتع لتبيان واقع وتصرفات شخوص هذه القصص". ثم يعود الناقد عبدالجبار عباس في كتاب آخر له صدر عن وزارة الإعلام عام 1981 بعنوان "مرايا جديدة" الى "القاص" حسين مردان ليقول في ص 187 رأياً مهماً بحق مردان "إن حسين مردان واحد من كتاب الحب والشوق في النثر العربي المعاصر، وهو الوريث الأكثر نضجاً واقتداراً ورهافة لتقاليد النشر الفني العربي في تناوله موضوع الحب والشوق والغزل".

وإذا ابتعدنا قليلاً عن "القاص" حسين مردان، سنجد أننا نقف على ضفة أخرى في حياته وهي ممارسة النقد القصصي، حيث بدأ في نقد القصص القصيرة على صفحات جريدة الأخبار، فنقد على سبيل المثال رواية "صراخ في ليل طويل" لجبرا إبراهيم جبرا و"الجدار الأصم" لعبدالملك نوري، وهنا يزكيه الناقد عبدالجبار عباس بالقول "إن نقد حسين مردان كان متميزاً لاعتماده على الاقتحام المباشر لمواضيع القصة .. الخ" لكني وجدتُ حسين مردان (ناقماً) وليس (ناقداً) في مجال الشعر. كيف؟ لقد وقع في يدي كتاب متواضع الطبع والشكل صادر في عام 1955 عن المطبعة العربية ببغداد للشاعر حسين مردان بعنوان "مقالات في الأدب"، ضم نقوداً "عدائية" ومقالات تفتقر الى الصدقية في محاكاة واقع الشعر وازدهاره في تلك الفترة التي ذاع فيها النشاط الثقافي في العراق، حتى باتت مجلة شهيرة مثل "الآداب" تعيش على ما يبعثُ إليها أدباء العراق، منها على سبيل المثال ما قاله في ص 66 من الكتاب المذكور، بحق الشاعر عبدالوهاب البياتي حين وضع ديوان البياتي "أباريق مهشمة" تحت مطرقته "إن أكثر قصائد عبدالوهاب مهشمة، وأن السلك الخفي الذي يربط الصور ببعضها ..لا يبدو إلاّ متقطعاً"، وفي معرض "نقده" لديوان البياتي وضع حجرة من الشك في شاعرية البياتي بقوله إن "البياتي مقلد للشاعر التركي ناظم حكمت، لا سيما في مجال التكرار وفي استغلال الأمثال الشعبية"، ويصف شعر البياتي بـأنه "كوم هائل من الكلمات تتدافع فيما بينها"، ورغم أن النقد الذي أشير إليه، جاء باتجاه ديوان محدد للبياتي، إلاّ ان حسين مردان يعرج في نهاية مقاله الى شعراء آخرين ليفجر قنبلة تشكيكية، حارقة، خارقة بالقول: "إن البياتي وكاظم جواد والسياب، يدفنون رؤوسهم في كتب الشعراء المشهورين، يستمدون من أفكارهم وفنهم شيئاً، يبنون عليه قصيدة جديدة ولذلك تلمح في قصائدهم أوصافاً غربية وصوراً لا تمت الى محيطنا بصلة".

ويبدو أن النهج النقدي الذي أشرت اليه، ظل يرافق مردان حتى آخر أيامه، وهو لم يستح من البوح به، رغم أن دلالته تؤكد يشكل لا يقبل النقاش، بأنه نهج لا يرتقي إلى أبسط ملامح المسؤولية الثقافية، حيث قال في العدد 31 من مجلة "الف باء" يوم الاربعاء 29/1/1969 "أنا ديكتاتور الحركة الأدبية، وباستطاعتي أن أهيل الجبل على أي شاعر، كما باستطاعتي أن أضعه فوق ناطحة للسحاب" وهنا، أذكر ملمحاً مؤذٍ في سلوك حسين مردان، وقد حاول في فكاهاته وسخريته اللاذعة وهزله وإمكاناته في إضفاء نوع من الألفة عند جلّاسه، ان لا يظهر ذلك الملمح على محياه وقد نجح! وهذا الملمح هو اكتناز ذاكرته بشعور من الضغينة ضد من يعتقد أنه تعرض للإساءة على يديه، خصوصاً من الذين كتبوا بالضد من شعره، وكان من هؤلاء الكاتب محيي الدين إسماعيل، حيث لاحظتُ عدم ترحيب مردان واشمئزازه عند ذكر اسم الكاتب محيي الدين إسماعيل، ويعرف زملائي مقدار مماحكاتي لمثل هذه الحالة، ولا أذكر أنني ألتقيت يوماً بمردان، إلاّ سألته بمعرض الإغاظة عن الكاتب إسماعيل!

ودارت الأيام ثم الأشهر وتبعتها السنين ومضت على وفاة حسين مردان أكثر من عقدين من الزمن، حتى تسنى لي معرفة سبب مقت مردان للكاتب محيي الدين إسماعيل، كان سبباً باهتاً، لا يليق بشاعر وكاتب قصة ومقالة مثل حسين مردان، وهذا السبب هو بضعة أسطر كان إسماعيل كتبها في عام 1955 بحق مردان، وهذا دلالة على أن ثقافة النقد مفقودة في الثقافة العراقية، فأنت تنتقد نتاجي وتضع أصبعك على الهنات بهدف التقويم والإصلاح، فمعنى ذلك أنك تتقصدني وتكرهني و.. و.. وقد بسط أمامي الكاتب محيي الدين إسماعيل أثناء زيارة قمت بها إليه في بيته بحي الأعلام ببغداد صحبة الصديقين العزيزين د. أحمد عبدالمجيد وحميد المطبعي في بداية تسعينيات القرن الماضي، نسخة من مجلة "الآداب" صادرة في يناير/كانون الثاني 1955 وفيها دراسة بعنوان "ملامح من الشعر العراقي الحديث" تناول فيها شعراء عدة ومن ضمنهم حسين مردان، وقد سمح لي الكاتب إسماعيل أن أدون ما قاله بحق مردان، وهي رؤية نقدية عادية، لكنها لم تكن كذلك في عرف الشاعر مردان فبقيت متجذرة في نفسيته، وكلما كان يتذكرها، يصب جام غضبه على الكاتب الصديق محيي الدين إسماعيل.

ماذا قال إسماعيل؟ قال في الصفحة 57 من العدد المذكور ما يلي "إن هناك شاعراً آخر، أختط لنفسه سبيلاً عُرف به، هو حسين مردان، صاحب (قصائد عارية) فقد كتب هذا الشاعر معظم قصائده في أغراض العهر والفجور، محتذياً بذلك قصائد بودلير في (أزهار الشر) التي أطلع عليها من الترجمات العربية، كما احتذى الجانب الأبليسي الشرير الذي نلمحه في (أفاعي الفردوس) وقد برم المجتمع العراقي، بهذا اللون من الشعر، عند صدور (قصائد عارية) عام 1950، فأفاد الشاعر من وراء ذلك شهرة وذيوع صيت لم تصمد أمام الزمن، فتجربة هذا الشاعر، لم تكن من التجارب الإنسانية التي تضطرب بها أغوار المجتمع العراقي اليوم. شعر حسين مردان ضرب من (الداندزم) التي شاعت في أعقاب القرن التاسع عشر في أوروبا، ليُعرف عن طريقها الشباب الظرفاء! هذا اللون من الشعر مات، ولحق به قائلوه جثثاً نتقيحه!" وتنتهي سطور محيي الدين إسماعيل، لكنها بقيت ساكنة داخل صدر حسين مردان 18 عاما وذهبت معه الى حيث دفن.

هذا هو حسن مردان الذي قال يوماً عن نفسه: "أنا في ذاتي سر مغلق لا أرى في الناس من يفهمني .. مثلما جئتُ سوف أذهب: لغزاً يحتويه الغموض والكتمان". وقال أيضاً: "أنا ديكتاتور الأدب وشبح المشردين"، وهو الشاعر الذي ظل محتفظاً حتى اليوم بلقب صاحب أغرب إهداء، حيث قدم لنفسه الإهداء التالي في ديوانه الأول "قصائد عارية": "لم أحب شيئاً مثلما أحببت نفسي، فإلى المارد الجبار الملتف بثياب الضباب، إلى الشاعر الثائر والمفكر الحر، إلى حسين مردان، ارفع هذه الصرخات التي انبعثت من عروقه في لحظات هائلة من حياته الرهيبة. حسين مردان بغداد 26/11/1949".

وينبغي التذكير أن لحسين مردان عدة مؤلفات ودواوين منها "قصائد عارية" 1949 و"اللحن الأسود" 1950 و"صور مرعبة" 1951 و"الربيع والجوع" 1953 و"مقالات في النقد الادبي" 1955 و"أغصان الحديد" 1961 و"الأزهار تورق داخل الصاعقة" 1972.

رحم الله حسين مردان .. وفي الجعبة الكثير من الحكايا!

زيد الحلي

zaidalhilly@yahoo.com